بعد مضيّ وقتٍ قصير، انحنت روز نحو الفتى الصامت، وضعت يدها على كتفه وهمست في أذنه بكلمات لم أستطع سماعها، لكن تأثيرها كان واضحًا:
فقد غادر الحفل فورًا، كما لو أن الظلال نفسها دفعته للخروج.
خطواته لم تُصدر صوتًا… كأن الأرض تخشى أن تكشف وجوده.
ثم التفتت روز إلى التوأم، وفي ابتسامتها مزيج من الرقة والسلطة:
"هل تخرجان قليلًا؟ هناك حديث أريده مع لوسي وحدنا."
انحنت التوأم وطأطأتا رأسيهما، ثم تحركتا نحو الباب بهدوء.
ومع خروج آخر واحدة منهما… أحسست أن الغرفة أصبحت أضيق، وأن الهواء صار أثقل.
جلست روز مقابلي، أسندت ذراعيها إلى الطاولة وقد تلألأت عيناها الذهبية تحت ضوء الشموع.
قالت بنبرة دافئة:
"هل استمتعتِ بالحفل يا أختي؟"
هززت رأسي بخفة، وشعرت بسعادة خجولة:
"نعم… أحببته. الجميع كان لطيفًا جدًا… وكأننا عائلة واحدة.
ظلت روز تنظر إليّ بصمت لثوانٍ… كانت تقيّم شيئًا ما في داخلي.
ثم تمتمت بصوت منخفض، عميق، يلامس جرحًا دفينًا:
"ولو كانت لكِ فرصة لتأخذِي حقكِ… هل ستفعلين؟
شعرت بشيء ينفجر داخلي. كل ذكرياتي، كل ألم، كل خوف.
فقلت بصوتٍ جادّ:
نعم.
ابتسمت روز… لكن تلك الابتسامة لم تكن من هذا العالم.
كان فيها شيء حزين، وشيء شرس، وشيء… يعلم أكثر مما ينبغي.
إذًا… ستحصلين على انتقامك.
في الغرفة المعزولة من السيرك،
فتح الفتى الصامت الباب.
الهواء كان خانقًا، باردًا، كأن كل نفسٍ يسمح لك به هو هدية منه.
المجرم مقيّد، جسده يرتجف من الخوف. لا أحد يخبره أين هو… أو لمن ينتمي هذا المكان.
اقترب الفتى خطوة… ثم توقف.
وجهه بلا تعبير. عيناه تلمعان بجمود غريب، كأنهما تفهمان تفاصيل جروح الرجل دون أن تنظر إليه.
ثم استدار نحو تمثال المهرج الأسود والأبيض.
ذلك التمثال الذي يراقب كل شيء منذ البداية.
مدّ الفتى يده وضغط زرًا صغيرًا في صدره.
صدر عن المهرج صوت، ليس صوتًا بشريًا… بل أشبه بطقطقة عظام تُعاد إلى مكانها:
"مرحبًا بك أيها الضيف…"
"هل أنت مستعدٌ للَّعبة؟
بدأ سائل أسود ينساب من عينيّ المهرج، لزجًا، بطيئًا.
لامس الأرض، وانتشر، يلتهم الضوء من حوله.
كانت رائحته كأنها خليط من التراب المبتل والحديد والليل.
ومن وسط هذا الظلام…
خرجت لوسي.
لا
خرجت نسخةٌ منها.
نسخة مصنوعة من الظلال والسواد والكوابيس.
ابتسامتها واسعة بشكل يكسر التوازن.
عيناها حفرتان بلا قرار.
أصابعها تحولت إلى مخالب طويلة تُصدر خشخشة عند ملامستها الأرض.
وقفت أمام المجرم.
لم تتكلم أولًا… فقط انحنت على مستوى وجهه.
كان الرجل يرتجف
ثم همست النسخة بصوتٍ يشبه صرير باب قديم:
من اليوم… أنت لست إنسانًا…
أنت… دميتي.
وفجأة، انطلقت خيوط رفيعة، حادّة، قاسية، من أطراف الظلال…
انغرست في عظامه، كتفيه، جمجمته، ضلوعه.
صرخ الرجل… لكن الصوت اختنق داخل فمه، كأن الهواء نفسه رفض أن يساعده.
اقتربت النسخة منه، وضعت على وجهه قناعًا مبتسمًا، قناعًا ثابتًا لا يتحرك،
ثم طوت رأسها قليلًا، كما لو كانت تضحك على بداية عذاب طويل.
وبينما تختفي في الظلام، قالت بصوتٍ خافت يترك بردًا في العمود الفقري:
"نلتقي غدًا… يا دميتي البشرية.
Viper🐍