الوردة الحمراء

الوردة الحمراء

15 0

الوردة الحمراء

ذابلة اللحن كلما ابتعدت عن مقلتيها.

سائر الأحداث ستحكي عن قصة حب جمعها نايٌ لم يعزف إلا لبُعدها.

سأحكي بلهجتي قصة نديم ورُبا.

كان يا ما كان، في قريةٍ كل اللي فيها بعرفوا بعض منيح منيح،

سنابل القمح بتموّج فيها،

والغيم بيحضن هالشموسة الحلوة.

وعلى أطراف الجبل، كان في شب عاش هناك،

معروف إنه يتيم الأم،

وشغلته بالحياة يرعى قطيعه من الغنم.

المهم، كان عنده ناي غريب الشكل،

منقوش عليه نقش مش مفهوم.

كل مسا، بيقعد جنب السنديانة العجوز ويعزف...

والناي يحكي ويتنهد.

إله قصة هالناي،

قالوا إنه ما بيسمع لحنه إلا اللي

"قلبه ناقص ضلع حب."

هيك حَكوا عنه كبار القرية.

وبيوم من هالأيام،

إجت رُبا عالقرية مع أبوها العيّان،

بثوبها الفلاحي ونظرة عينيها اللي عاشوا وجع النكبة.

سكنوا على طرف الوادي في بيت منسي

من الحجارة.

ومن وقتها، الناي صار يعزف لحاله.

نديم شاف نظرتها وشاف وجعها...

ما سكت الناي ولا زهق،

ضل ينشر ألحانه كأنه بيناديها

أو بتذكرها من قبل لا تيجي.

إسا رُبا كانت تروح كل يوم عالعين تعبّي مي،

ولما تمرق من جنب السنديانة كانت تسمع

كل مرة لحن جديد.

خبّت دموعها لأنها حست بإشي جواتها عم يتغير،

زي كأنها تذكرت حب ما عاشته.

وبنفس الليلة، طلعوا أهل القرية عبيت نديم،

طلبوا منه يوقف عزف،

لأنه نغمته كان فيها إشي غريب خلاهم يصيروا يحلموا

بأشياء ضاعت من زمان.

بس هو وقف، واطلع عرُبا وقال:

"أنا ما بعزف عليه...

الناي اللي بحكي، يمكن بحكي عنها،

ويمكن هي مفتاح صمته اللي ضاع من زمان."

ربا بعديها قربت منه، ومسكت إيده،

وكانت المرة الأولى اللي سكت فيها الناي.

ومن وقتها، صار ناي نديم زي الوردة

اللي بتذبل ببعد رُبا،

وبتتفتح بقربها.

جعلتني هذه القصة أكتشف أن المستحيل قد تهزمه بعض النغمات العذبة.

وهنا وضحها ناي غريب الأصل، عذب الأنغام،

قصة جميلة أعادت ذكرى المستحيل.

تذكرتها وعد من مفكرة سديل الصغيرة،

عندما اجتمع جميع الأحفاد حول الجدة وهي تنسج حكاية هذا الناي،

وبيدها تطرّز أشكالًا من الورود السجية،

بلونها الأحمر الذي يطرز على قماشة سوداء.

ــــ

عدنا إلى منزلها، "أم عنان"، ذات القلب الحاني

كغصن شجرة الرمان،

يعطي وفي المقابل لا يريد منك سوى الابتسام.

دخلنا والتعب واضح على ملامحنا،

الهلاك يتخلل عظامنا.

دخل بعدنا خليل، وبيديه يحمل نانسي التي أنهكها مشقة العودة.

قد جافاها التعب وهي برفقتي،

ولم أقدر على حملها، فحملها خليل تطوعًا.

أدخلها وصعد بها إلى غرفتنا.

تسلسل همسٌ إلى طبلة أذني،

ولا زلت واقفة عند الباب.

التفتُّ قليلًا نحو ذاك الواقف،

بابتسامة تنبض بإعجاب.

لاحظت عيناه التي انخفضت بسرعة نحو الأرض،

وبهدوء تكلم:

"جئت إلى بلدٍ غريبةٌ عن عيني،

قريبة لقلبي من جفوه...

غامرت وخاطرت بحياتي وحياة صديقَيَّ

فقط لتلك العيون الزيتية."

رفع نظره نحو عيناي،

نظرة خاطفة جعلت قلبي يتصلّب،

كأن الدم ما عاد يتدفق إليه.

أعطاني ظهره مبتعدًا،

لكنه رمى على الأرض وردة مميزة الشكل.

نفثت من رحيقها شيئًا عن حياة أخرى،

غريبة الحضور، مريحة المشهد:

شلالات، أنهار، عيون...

كلها تتخللها مياه عذبة تتدفق.

تقدمت نحوها، وانحنيت لالتقاطها،

دخلت مع خروجه من الباب.

التقت أعيننا لجزء من الثانية،

استطعت أن أستشعر منها دفئًا مهيبًا

وحنوًا عجيبًا.

صعدت نحو غرفتي بسرعة،

أستذكر كل الأحداث وأبتسم.

أخيرًا انزاح عني بعض الألم.

دانيال

ماذا أحكي أكثر بعد هذا اللقاء الجوهري؟

عيناها حفرت على جفنيَّ،

كلما أغمض أرى انعكاسهما الفتّان.

مشيت حتى لمحت ظلهما من بعيد،

يتسامران ويتحدثان قرب صورٍ عتيق،

فوقهما عمود إنارة يلقي بضوءه على ظلالهما.

اقتربت منهما، وابتسامة لم تفارقني،

وبصوتٍ يكتظه مشاعر لم أعد أفهمها قلت:

"جميلة... رغم أني لم أركز بملامحها.

وقفت بوجه المخاطر،

فقط لأراها وأشبع عيني منها.

آخ... وآخ، وأنا بضيع وما بعرف

أناظر فيها ولو ثانية،

لحظات صغيرة فقط..."

ربت عليَّ جابر برفق على كتفي،

واكتفى بالوقوف إلى جانبي.

نسير نحو دربنا الذي خططناه لأنفسنا،

سنكمل درب الشهادة وحدنا،

هذا ما عاهدنا به بعضنا.

"صاحب الوردة الحمراء..."

لا يزال لقبه يرن في ثنايا عقلي.

لا يهم إن أحبته،

المهم أن لا تترك ذاك الدرب الذي سلكته

لأجل قزحيتيها.

مرّ خليل من جانبنا مبتسم الملامح،

وهذا غير مألوف.

صوته رزين رغم ضحكته،

قال:

"شو شباب، حبيتوا زيارة الأقصى؟"

أومأنا له، وقلوبنا نارية الشوق.

تتخللني ريح ندية،

تذكرني بعطرها المميز.

حرصت أن أحفظ كل شبرٍ منه:

كل حفرة أو شق صغير،

جدرانه، مصلياته، ساحاته، وسبله،

كل صخرة قد خطتها قدماي

على سطحه المقدس.

في لحظة، مرّ طيف والدتي المرهق على عقلي،

شوقٌ ألمني وقطع وتيري.

أهمس بين سطور عقلي عن مدى أسفي لتلك اليدين،

ولخطوط وجهها التي رسمها الزمان.

"اصبري يا أماه،

أني قد اخترت دربًا لا يُهان،

درب المقاومة، سائرٌ على خطى الأجداد.

وعدتها أني إذا عدت سأحكي لها عن الأقصى...

ووعد."

المشهد الأخير

عدت إلى زيّ المقاومة،

عيناي مولعة بشرارة مقاومة جديدة.

بين أزقة المباني أسير،

لكي أدافع عن حق المظلومين.

بيدي أتمسك بسلاحي،

وعيناي تتجولان في كل اتجاه.

ألمح طفلًا جالسًا على جنب الطريق،

بيده باقة ورودٍ حمراء ذابلة.

اقتربت، وضعت يدي على كتفه،

وأردفت بنبرة دافئة:

"لا يجب أن تتواجد هنا يا حبيبي،

عد إلى المنزل قبل أن يحل الظلام."

رفع رأسه وابتسم باتساع،

تكلم بحماس وعيون متوهجة بالفخر:

"أنتِ مقاومة!"

أومأت وأنا أبتسم من تحت الكوفية.

اعتدل واقفًا، وفتش بين باقته،

ثم سحب وردة حمراء، رأسها مرفوع،

مدّها نحوي، فأخذتها برفق من يده.

ركض مبتعدًا بسعادة،

فضحكت وتابعت المضي نحو الأمام.

لست أبحث عن الحرب،

بقدر ما أبحث عن السلام.

أمضي قُدمًا،

وأبقي اسمي يُخط عرضه على صفحات التاريخ.

سأكمل ذاك الدرب،

فقد وعدت نفسي، واسمي... وعد.

..ـــــــــــــــ..

انتقدوا براحتكم وخلص هيك خلصت حكايتنا الوديعة

كيف كانت؟

وهل حبيتوها زي ما انا اغرمت فيها وببساطتها💞

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ما تبقى من أنوثة!

المؤلف waad hetham🎀
2025/07/23 مكتملة
قائمة الفصول (17)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة