عُرس صغير

عُرس صغير

17 0

عرس صغير

وهجُ نورٍ وسط عتمةِ خراب،

لا زغاريد، ولا فساتين من أجود وأجمل الأنواع.

يمكن فرحة صغيرة،

لكنها بداية حياة جديدة.

جفَّت دموعي مودِّعةً خليلتي آمال،

ضحكت من جوف آلامي البكماء،

أغنياتٌ شعبية نابعة من قلوب نساء هرِمت وجوههن،

فرحة كبيرة زُرعت في قلوبنا

بعد أن هدأ الدمار.

سمعتها كثيرًا من أم محمد وهي تحكيها من جوا قلبها:

"رح ييجي اليوم اللي رح نهز كتافنا فيه من الفرحة.."

أخيرًا أخذنا أنفاسنا الأولى من الحرب،

تراجعوا قليلًا عن محاربتنا لعجزهم أمام قوتنا،

لم تنتهِ الحرب بعد،

ومع ذلك لن نحرم أنفسنا من الفرح بعرس آمال.

تجلس سارحة الذهن،

هادئة الملامح، مغطاة الرأس،

ظله قد حجب أشعة الشمس عن وجهها،

التفتُّ، وإذا بعينيها ذات اللون العسلي

تتوقف أمام سواد عيونه،

خاطبها بصوت دافئ، بعيد عن جلجلة نبرته المعتادة:

"لو طلبت إيدك للزواج،

بتقبلي تكوني حياتي قبل ما تكوني مرتي؟"

لاحظناهم من بعيد أنا ورؤى وأماني،

احمرار وجهها وارتجافها،

تسللنا على مقربةٍ منهم، بينما حرَّكت شفتاها

بصوت منخفض، لم نسمع إلا

هسهساته...

أخبرتنا لاحقًا أنها أجابته بارتجاف وخجل:

"سأقبل،

لكن لما أ..."

قاطعها بكلماته المُغازِلة بعض الشيء:

"لأني حبيتك، بل وعشقتك كمان،

تملكين كل الصفات

التي ذاب قلبي في حبها،

لطفكِ، ورقتكِ، وصبركِ، وألمكِ...

أريدهم لي."

مشهد نُقِش في عقلي،

أثبت أن الحب لا يعرف المستحيل.

زيَّنا المنزل ببتلات ورودٍ مبتسمة المنظر،

ارتدينا تراثنا الغني،

ثوبٌ بأبهى الصور.

تسلل إلى قلبي راحة وطمأنينة كنت قد

نسيتُ كيف تكون.

بيتٌ كبير ذكَّرني ببيت جدتي الأرملة،

من الخارج ساحة زيَّنوها

بأبسط التزايين،

تخطف نظراتي إلى تلك النافذة التي أمرُّ من

عندها بين الفينة والأخرى.

أناسٌ ظهروا من عمق الحرب،

أمامنا يشاركون فرحنا الصغير،

نساءٌ بسيطات

أطلقن زغاريد من كل مكان عند خروج العروسة،

بعد أن صارت آية في الجمال،

رقتها وهدوؤها

جعلاني أبتسم من شدة حبي لها.

نانسي متعلقة بثوبها المطرز بألوانٍ بهية

بين البنفسجي والأخضر والوردي،

تطريزات خيطت من يد الجدات.

وفي لحظة،

لففتُ ذراعي حولها، جذبتها في عناق

استمر ثوانٍ

قبل أن يقطعه دف الطبول الصاخب في الخارج.

زفّوه وزيّنوه،

حملوه على أكتافهم، والفرحة تعتلي وجوههم.

حانت لحظة كتب الكتاب،

اختارت آمال الشيخ إسحاق ليكون وليها.

عُقد القران داخل غرفة الضيوف،

وبعد برهة

أردف الشيخ المسؤول عن الزواج:

"أعلنكما الآن زوج وزوجة."

آمال وعدي،

تقف بينما عدي احتضنها وهو يقبِّل جبينها.

سمعتُ دعواته الصامتة،

بينما آمال بكت من شدة فرحتها.

انسحبتُ ببطء

نحو الخارج،

جلست على عتبة الباب الخلفي

أمسح دموعي المتساقطة، مستذكرة لحظاتٍ من الماضي.

أحبها من كل قلبي،

لكن مرضي لا يسمح لي بأن أحضر عرسها كاملًا.

اعتدت دائمًا على الانسحاب بهدوء...

أشعر بغصة كبيرة في قلبي،

أشتاق لأمي بشدة،

أشتاق لذكريات قد فُقدت من خلايا عقلي،

كشلالٍ يعبر عن صفائه،

دموعي تتساقط بحرية على وجنتَيّ،

ترافقني ابتسامةٌ صامتة.

شعور الوحدة خانق...

خانق لدرجة أنه ينسيني من أكون.

يتقدَّم نحوي وخطواته بطيئة،

لمحتُ ظلَّه بطرف عيني،

مسحت دموعي واقفةً أنوي المغادرة،

أوقفتني كلماته التي أردفها بحنو:

"أيمكنني الحديث معكِ يا وعد؟

لطالما أردتُ ذلك،

أعدكِ، فقط كلام دون نظرات."

رفعتُ رأسي نحوه وصدمةٌ صغيرة

لمست وجهي.

"أنت دانيال...

ذاك الذي قابلته منذ زمن؟"

ارتسمت ابتسامة على وجهه عند

ردي:

"أجل...

دانيال بشحمه ولحمه.

قابلتِني كثيرًا لكن لم أنتهز فرصة الحديث معك.

خاطرتُ بحياتي وحياة صديقي

فقط لأكون مثلكِ..."

علَّقتُ نظراتي بعينيه التي تحمل

شيئًا من الحب،

لبرهةٍ من الصمت

ظلِلنا نحدِّق في عيون بعضنا،

هو يتأملني، بينما أنا أنتظر كلماته:

"سأعترف أني لم أستطع نسيان رجفة شفتاكِ،

جرحكِ المُصاب،

ألمكِ الضائع،

عيناكِ التي لم يسبق لي أن أرى جمالًا كجمالها.

ظلُّكِ ظلَّ يطاردني،

أشعرني بالضعف أمام جبروتكِ.

آهٍ يا وعد، قد علمتِني الكثير من الأشياء،

أشياء جعلت قلبي معلَّقًا بوطن...

بإنسان."

تأملتُ حروف كلماته بهدوء،

ابتسمتُ بخفة، بينما استدرتُ عائدةً للداخل.

أحسستُ بنظراته، لذا توقفتُ عند عتبة الباب،

وأردفتُ بصوتٍ يتكلله الرقة:

"أفهمك تمامًا يا دانيال.

من المدهش تخلِّيك عن أحبابك وأشغالك

فقط لتحارب إلى جانبي

في صراع

بين الموت والنصر.

دُمتَ بخير، وأتمنى لك كل الخير.

مع السلامة."

رحلتُ عنه، تاركةً طيفي الذي رافقه

نحو مسيره.

رجعتُ إلى فرحنا الصغير،

لتقابلني الصغيرة نانسي بحضنٍ كبير

تلومني على تركها بعد أن تركتنا

آمال.

أمسكتُ بيدها وتقدَّمت نحو أم محمد،

أخذتُ يدها لأعطيها قبلة دافئة،

تنهدتُ وأنا أنظر في عينيها المبتهجة بهذا

العرس.

"الله يرضى عليكِ يا بنتي،

روحيله بأحلامك، ما تخجلي منه."

قطَّبتُ حاجبيّ باستغراب:

"من هو يا جدة؟"

"صاحب الوردة الحمراء...

قال بأنه سيأخذكِ للأقصى."

وقفتُ أقلب كلماتها داخل رأسي،

أعطتني لغزًا عليَّ حلّه...

فاجأتني نانسي التي سحبتني من يدي متجهةً نحو

الخارج،

تشير بإصبعها نحو خليل،

مردفة ببراءة:

"أخبرني العم خليل أنه يريدكِ في موضوع مهم،

ومكافأةً لي سيعطيني وردة حمراء."

وقفتُ مصدومة بلا حراك،

بينما هو بادر بالتحرُّك نحوي،

توقفت خطواته على مسافةٍ مني، مردفًا بصوت

هادئ:

"أردتُ أن أخبركِ...

الأقصى تنتظركِ أنتِ وتلك البطلات."

أنهى حديثه وغادر بعدها بهدوء،

عدتُ إلى الداخل مع نانسي،

التي طلبت مني اللعب معها، وأنا بكل صدق رحَّبتُ

بذلك.

---

دانيال

غادرتْني بهدوء، ومشاعري التي اعترفتُ بصدق

لقلبها،

ضياعٌ كبير أحسستُ به،

لكنها استحقت تلك المخاطرة.

عدتُ إلى أصدقائي بعدما أرحت قلبي من التفكير بها

ولو قليلًا،

جلستُ في وسطهم، مردفًا براحة:

"تحدَّثتُ مع قلبها قبل شفتاها،

عيناها قد نُقِشت تفاصيلهما في كامل عقلي،

ربما لن تكون لي،

لكنها ملكت قلبي.

أريد أن أقول أني سأكمل ما بدأته،

لن أعود إلى بلدي إلا إذا انتصرنا."

أومآ برأسيهما لي، والبسمة

تشقّ وجهيهما،

وبصوتٍ واحد تكلَّما:

"نحن معك يا صديقنا."

أرضٌ قد تملَّكت سجايا روحي من تعلُّقي

بإنسان من تربتها،

لاحظتُها مع تلك الطفلة وهي تجرُّها إلى الخارج،

اقترب منها ذاك المُقنَّع الغامض،

ثوانٍ وبعدها غادر عنهما،

بينما عاودتا الدخول إلى الداخل.

كلماتها تدقُّ على جدران قلبي،

صوتها حفَر نغمه على صدري،

أريد أن أكون فقط شريك مقاومتها.

..ــــــــــ..

أعلم أنه قصير لكن لا مشكلة

أستودعكم الله في لقاء أخر

في أمان الله 💚

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ما تبقى من أنوثة!

المؤلف waad hetham🎀
2025/07/23 مكتملة
قائمة الفصول (17)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة