الحقيقة المكشوفة

الحقيقة المكشوفة

19 0

الحقيقة المكشوفة

أمام عالمٍ أُشبع بأكاذيب لا حصر لها...

نقف في وجه الطغاةِ دفاعًا عن شرف أُمّة باعت مبادئها

من أجل سلطةٍ زائفة،

وتركت عبء الحقيقة على أكتافنا، ونحن فقط

إناث.

ــــ

قلبي معلّقٌ في ذِكرَاها...

لمحة تأخذني إلى البعيد،

كيف حالها الآن؟

وهل هي على ما يُرام؟

أين اختفيتِ يا سديل؟

قولي...

متربعة على الأرض وأمامي نانسي تلعب بدميتها

المشوّهة كما العادة،

أنفاسي ثقيلة كلّما عبرت تلك الفكرة،

فقدت الكثير، ولكن هي...

شيءٌ آخر،

اختبأت، وكل خيوط الذكريات معلّقة بنسيم رائحتها،

شعورٌ كالوَله.

انفتح الباب مستقبِلًا حضورها النَّدي،

طبق صغير يحتوي على شطيرتين

كفيتان لإشباعي أنا ونانسي،

تركت نانسي لعبتها راكضة نحو آمال بسعادة غامرة،

احتضنتها بعفوية كادت أن تُسقِط

الطبق من بين يديها،

اعتدلت في وقفتي وأسير باتجاهها،

نظراتها معلّقة عليّ وابتسامة

ترتسم على محياها، تزيدها فوق الجمال جمالًا،

أردفت برقتها المعتادة:

"أحضرت لكِ ولصغيرتي الجميلة طعامًا

ليمدّكن بطاقة.."

مدّت يدها لتناولني الشطيرة،

أخذتها من بين يدها بهدوء دون أن أعبّر عن أي شيء،

الحقيقة ليست كما الواضح...

ربما أتصنّع الحزن وربما الهدوء،

داخلي بركانٌ من المشاعر الجيّاشة التي حاصرتها

بذِكري لله،

عقلي مشتّت لكن قلبي متمسّك بكل شبر

صغير يقودني للسلام الداخلي،

تناولت الشطيرة مستمتعة بكل قضمة...

هي الآن متربعة على الأرض بجانب

نانسي...

جميع الفتيات خرجن...

أو ما تبقى منهن.

أرتدي الكوفية على رأسي لتغطية شعري

ورقبتي فقط،

تراقبني آمال بعيون عارفة...

كنت على وشك الخروج لولا تمسك نانسي بيدي

وببراءتها المعتادة تتكلم:

"خذيني معك،

مللت من البقاء هنا."

تنهض آمال هي الأخرى متقدمة نحونا،

تمد يدها لنانسي التي ترفض أن تفارقني.

"أستبقين هنا وحدكِ يا آمال؟"

"لا أدري،

في كل الأحوال سألحق بكن...

فقد ظننت أنكِ انزعجتِ من نانسي."

ابتسم، وبصوتي الهادئ:

"كيف أنزعج من جميلتي؟"

...

جانب من حياتها كان منقوصًا بالنسبة لي،

لم أتصور أن أعرف حقيقة كهذه من خلال أوراق

كُتِب عليها في بعض الأحيان بالدم،

أبشع الأشياء التي أُجبِر كل من

هلال وسديل على فعلها،

زنزانة نسيت معنى الضياء،

لا ثقب صغير يُسرّب بقعة من ضوئها...

رائحة رطوبة امتزجت مع رائحة دماء،

والأسوأ... رائحة الجثث المتعفنة من سنين طويلة.

فُتح باب هذه الزنزانة،

دخل جندي وهو يجرّ كلًّا منهما من ما تبقى

من شعرهن...

ألقاهن على الأرض الباردة

وهو يقهقه بسخرية،

يتكلم بلغة غير مفهومة لكن مألوفة بالنسبة لهن،

كما ذكرتها سديل على لسانها:

> [رمونا قبل ذلك في غرفة غريبة الشكل نسبيًا،

قدموا لنا طعامًا غالي الثمن كما هو واضح،

تقدّم منا رجل كهل

سمينٌ بعض الشيء وعيونه معلقة على أجسادنا،

أردف بعربية متكسرة:

"سأتحدث بصراحة تامة،

إن وافقتنّ على هذه المهمة الصغيرة،

فلكما مني الحرية والعيش بسخاء في البلد التي تحلمان بالعيش بها."

أجبته بنظرات مشمئزة

وصوتٍ ثابت:

"لا تحاول حتى...

عروضك لن تزعزعني عن قيمي التي عاهدت أن

أحافظ عليها،

وأما عن البلد، فها أنا واقفة على ثراها

المُغتصَب."

تردّد صوت ضحكاته الساخرة في ذلك المكان،

سحبني بقوة من ذراعي، هامسًا في أذني بحدة:

"لم أتوقع أنكِ حادة الكلمات كأفعالك،

فكّري جيدًا...

إذا أطعتني، سوف تعيشين أنتِ وهذه المسكينة حياة الرفاهية التي تتمناها أي أنثى،

أما إذا بقيتِ على رأيكِ...

أعدكِ أنكِ ستتمنين الموت ولن تحصلي عليه."

دفعني على الأرض ونظراته مثبتة على هلال،

بنبرة استخفاف، أكمل:

"أظن لكِ الحق في الاختيار بعيدًا عن قرارات

هذه الحمقاء."

"لن تحصل على مرادك، حتى لو عذبتني أشد

العذاب..."

أجابته بحدة، وقد ظهر التفاجؤ على قسماته

من كلماتها غير المتوقعة،

ضحك بمكر، مُشيرًا لأحد الأشخاص بالاقتراب،

همس في أذنه بتمتمات غير مفهومة،

ابتعد، وخلال لحظات عاد حاملًا أداة غير مألوفة،

أعطاها للكهل...

أحدهم حاوط ذراعيها مثبتًا إياها

بينما الآخر تقدّم ملوحًا بذلك الشيء

بين يديه.

"من الرائع أنكِ طلبتِ ذلك."

حرّكت رأسها يمنى ويسرى بتوتر،

ذراعاه قويان على جسدها الضعيف،

وفي لحظة...

اخترقت الأداة إحدى عينيها،

سلب منها عينًا واحدة، مخلفًا فجوة من دماء داكنة،

لم تصرخ ولم تستغث،

بل كانت تحدّق به على اتساع حدقتها.

أنا على الأرض متجمدة

لا أكاد أفقه ما حدث للتو،

هم يضحكون ويقهقهون وكأنما حققوا إنجازًا

يستحق الفخر،

بينما هي الآن جاثية على ركبتيها أرضًا،

الدماء تقطر من عينها المهشّمة.]

...

واقفة بجانب أم محمد أطالع وجوههم الكثيرة،

تحتضنني نانسي بتعب واضح

في عينيها،

من بعيد أرى وجهه، أتأمله بابتسامة ودودة،

اليوم الخامس،

خمسة أيام أراقبه دون أن يلاحظ،

مشاعري تهتزّ عند ذكرهم لاسمه،

لم أُبادر بالسؤال،

حائرة ومترددة...

لم أستشعر وجودها قربي،

تحدق في مسار نظراتي وتفهم سر ابتسامتي،

تتكلم بصوتها الحاني:

"اذهبي وكلميه...

لا داعي للانتظار بعد الآن."

استدارت أم محمد بنظراتها تجاهنا:

"أخوها؟.."

كلماتها البسيطة أيقظتني من عالمي

البسيط،

وجهت نظراتي نحو كلٍّ منهما

(أم محمد ورؤى):

"آه...

ليس سهلًا أن تقف أمام أخٍ

افترقتنا الحياة لسنين."

صوتها الذي يقطر حكمة،

نبرة الأم الحنون،

بيدها مسبحة... تحركها بهدوء:

"استمعي إلى رؤى،

آن الأوان لتواجهيه بتلك الحقيقة،

اذهبي وأسندي رأسكِ على كتفه

وقولي بأنه أخوكِ."

ابتعدت نانسي عني لتجلس في حضنها،

بينما رؤى سحبتني بقوة

لأقف أمامه، وأنا أقاومها بتوتر،

رائحة عطره تسللت إلى أنفي،

نظراته مثبتة على وجهي،

يعقد حاجبيه باستغراب...

أنظر حولي وقلبي يحرقه الشوق،

رؤى بجانبي مثبتة إياي

أمامه.

أردف مبتعدًا بنظراته عني،

يحك رأسه محرجًا من وقوفي المفاجئ أمامه:

"هل هناك شيء؟"

مرّت لحظة صمت كافية لأن تجعلني أشعر

بمزيج كبير من المشاعر،

صوته كلونٍ حلو أُضيف إلى لوحة باهتة،

ضاعت كل الحروف من فمي

أمام خجله.

"ألم تتذكرني يا أخي؟

أنا الأخت التي أتت بعدك من نفس الرحم."

أعاد نظراته إلى حضوري المليء بالمفاجآت،

تعلّقت نظراته بي،

وابتسامتي المعتادة مرسومة على شفاهي،

نبضات قلبي منتظمة

بعيدة عن هذه اللحظة الحميمة.

"ألن تعانقني، أو تناديني على الأقل بأختي؟"

..ـــــــــــــ..

شاركوني أرائكم حول هذا الفصل

بالاضافة الى بعض المقترحات لجعله أطول

وشكرا.

ترقبوا الفصل العاشر

في أمان الله 💚

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ما تبقى من أنوثة!

المؤلف waad hetham🎀
2025/07/23 مكتملة
قائمة الفصول (17)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة