ذاكرة مثخنة

ذاكرة مثخنة

19 0

ذاكرة مثخنة

أحداث وهمية،

خيالات شبه واقعية،

والأهم ذكريات كأوراق الخريف،

جميلُ اللون، مبهر المنظر،

لكنها تحمل في عروقها

مشاعر منهكة،

ربما متكررة

وربما مريرة أو مؤلمة،

ظاهرها جميل

لكن واقعها مأساوي...

أدمغة كل بشري تحوي جزءًا مخصصًا

يرتب كل ذكرياته التي

أفجعته بطريقةٍ

أو بأخرى.

ـــ

صوت ضحكات إخوتي

رافقني كطيفٍ حر،

مذهولة من سرعة اختراق الرصاصة

لذراعي،

أقف وحيدة، لا أعرف أين الفتيات...

رؤيتي مشوشة،

صوت كصوت الراديو القديم يطن

في أذني،

أعود بذاكرتي صفحات إلى الوراء،

قبل موتهم...

عندما كنت على هاتفي

أراسل صديقتي والابتسامة تعلو وجهي،

عائلتي في الخارج

يتناقشون في أمور عادية،

فجأة أظلمت الغرفة التي كنت جالسةً بها،

صوت انفجارات في كل مكان...

ليست صواريخ،

وإنما قنابل...

تنبح الكلاب بوحشية شديدة،

دخلوا وأغلقوا الباب،

هرعت جريًا إلى النافذة...

"يا إلهي..."

أمسك رأسي بألم، فقد اجتاحني صداع

رهيب.

"وعد.. وعد، أنتِ هنا؟"

انقطع حبل الذكريات وأنا أسمع صوتًا

بدا لي وكأنه

أضغاث أحلام،

صوت احتكاك الأقدام على العشب

داوى صميم أذني،

أحسست بيدٍ أمسكتني من

بطني، يد امتدت كعونٍ لمساندة جسدي...

فركتُ عينيّ لمحاولة الرؤية بوضوح،

ضربات قلبي تزداد بقوة،

ألهث طلبًا لشيء يهدئ جسدي.

...

مكانٌ آخر،

ليس بعيدًا عن ضربات الشرار المشتعلة

التي تمر بها كل من ما تبقى

منهن...

تتكئ "عهد" بكف يدها أرضًا،

لرفع نفسها قليلًا،

الألم يرفق جسدها،

عقلها باع الواقع

مبتعدًا عن صخبه إلى ضجة أقوى شعوريًا.

لحظة رميها في الشارع،

لم تتجاوز التسع سنوات،

ولازالت صدمة خيانة والدة أبيها

لوالدها بل وقتلها له

تطوف داخل عقلها،

عندما رأت دمه يقطر من بطنه،

عيناه على اتساعهما من

المنظر البشع الذي رآه أمامه.

وبكل هدوء بعد انتهاء الرجل من

تعديه على تلك الطفلة،

ببساطة أخذوها لمكان بعيد مهجور وموحش،

لا أحد سيعرفها،

ولن تستطيع النجاة،

عمارة قديمة مهدمة،

بقلب خالٍ من المشاعر، ابتسمت اللئيمة بشماتة،

رمتها هناك بعد أن

ضربتها ضربًا مؤلمًا،

شوّهت فيه كل جزء من وجهها الصغير

وجسدها البريء...

بعدها رحلت، وتركت جرحها

ينزف بقسوة.

ولأول مرة، سقطت دمعة

من عين "عهد"،

لحظة تذكرها لتلك الذكرى جعلت ألمها

لا يتساوى ذرة مع ماضيها

الموحش،

"نانسي" تلك الصغيرة التي لا تفقه

في الحياة شيئًا سوى اللعب بتلك الدمية

المشوهة،

اقتربت منها، وبلطف شديد مسحت سيل الدموع

الجارف الذي يتساقط على وجنتيها

بيديها اللطيفتين.

"خلص، لا تعيطي، بعطيكِ لعبتي

بس ما بدي أشوف دموعك."

وكأن شيئًا في داخلها عاد ينبض

لسماع كلمات تلك الصغيرة،

رغم براءة كلامها،

إلا أنه أرجع قطعة أولى من أحجية،

تبعتها "آمال" بنظرتها

المعتادة،

تحمل من الطيب ما يعوّض نقص

الحنان لأي إنسان.

"الحمد لله، هاا... أرى تحسنًا واضحًا فيك،

فجلستك تبعث الشك إلى قلبي.

وأيضًا، خذي هذا الدواء،

بإذن الله ستتعافين ما دمتِ مؤمنة بأنكِ

قوية."

راحة كبيرة تسللت داخلها،

أفسدتها نانسي بجلوسها على قدميها،

أبعدتها آمال بسرعة

قبل أن تحس بالألم.

"شكرًا... لا أعرف، لكن هل يمكنك

أن تكوني كأختي؟"

ابتسامة صادقة انتشرت على وجهها ردًا

على طلبها.

"بالطبع، جميعنا عائلة هنا... لا تكوني سخيفة،

إضافة لذلك،"

أخذت يدها ووضعت فيها ختمًا صغيرًا.

"خذي... أريد منك المواظبة على قراءة

القرآن،

لا أريد أن تقصري بحق الله."

...

تتنقل المشاهد لتعيدنا إلى تلك اللحظة،

اللحظة التي شعرت فيها

بمرارة الضعف،

طوق نجاة امتد ليساعدني على الوقوف ثانية،

أفتح عيناي مجددًا،

رؤيتي تتضح تدريجيًا،

عينان لا تخفيان القلق...

هيئة تعيد إلى نفسي طاقة،

أقف بقوة

أتجاهل صرخات الألم،

أمسك السلاح

وأكمل ما بدأته...

آمال تحدق فيَّ بذهول لكنها تعود إلى الحاضر

عندما أبدأ بالتحرك،

اشتعلت تلك الشرارة فيها من جديد

لتعيدها إلى هذا الصخب الذي نعيشه.

مع استمرار عملية إطلاق النار،

افترقت عنهن رغم أنهن

على مرأى عيني،

لا أدري ما أصابني من جرأة

كون أن هذا التحرك سيكون خطرًا كبيرًا عليّ،

لكني مؤمنة بشيء

واحد:

"إما النصر أو الشهادة.

لن أتراجع أبدًا، بل سأظل أتقدم."

...

راقبتني "يقين" بعيون عارفة،

فتحتها إلى تذكر

شخص عزيز عليها...

حدثتني عن أخيها الذي يعشق فلسطين

بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ،

لحظة تخليه عن أحلامه وطموحاته ليحقق

شيئًا أعظم بكثير:

الجهاد.

في ريعان شبابه وتفكيره منفتح نحو ذلك العالم،

أمه وأبوه اعترضوا بقوة على تهوّره،

بينما هي قابلت أفكاره بصدر رحب،

شاركته في مخططاته

وشجعته على فكرة المقاومة،

اختفى بعدها فترة،

لكن هذه الفترة لم يعد فيها على قدميه،

عاد جثة هامدة تنبعث منها رائحة المسك...

بكل هدوء اقتربت من جسده،

عانقته ودموع عارقة تنزلق من عينيها،

أحسّت أن هذا اليوم قادم لا محالة،

نخزات قلبها المتكررة

كانت إنذارًا بسيطًا لتذكيرها

بحقيقة أن هذه الأرض

أرض رباط إلى يوم القيامة...

ستحدث تضحيات لتحقيق ذلك النصر،

تضحيات تتطلب

إعادة الروح إلى خالق الأرض والسماء.

"رحمك الله يا أخي."

أغمضت عينيها وجرحٌ انطفأت دماؤه،

لم تتوقف عن إطلاق النار

من سلاحها البتة،

وإنما توقف القلب ليريها ذكرى مشبعة

بالمشاعر.

...

من خلف الأسوار ساد

صوت احتكاك الأقدام بالعشب الذابل،

آدم وأحمد،

أحد أبرز المقاومين الذين يتربع اسمهم

بعد كلٍ من خليل وعُدي،

يتقدمان وتعلوهما أصوات أخرى، لمجموعة من الفتيات

دخلن الملجأ متوجهات إلى أم محمد،

واحدة من هؤلاء الفتيات لفتت نظر "نانسي"

بشدة،

طويلة الجسد، سمراء البشرة،

دون مقدمات، سارت إلى جانبها ممسكة بيدها،

سحبتها إلى "آمال" الجالسة على مدرّج.

"آمال... انظري إليها،

تشبهني كثيرًا."

ضحكت بسعادة وهي تكمل بنبرة

مليئة بالإعجاب:

"إنها جميلة، وطويلة، وسمراء كأمي."

تركت يدها وأغرورقت عيناها بدموع

طفلة فقدت

شيئًا تعلقت به وبشدة،

نهضت آمال بقلق واضح، جاذبة نانسي إلى حضنها،

تُطبطب على ظهرها لتشعرها

ببعض الأمان.

راقبتهن وشعور بالحزن يتسلل إلى داخلها،

نظرت حولها ورأت العديد من الفتيات مصابات،

لم تتفاجأ لأن آدم أخبرهم

عن ذلك...

لم تعرف ماذا تفعل، عاودت اللحاق بآدم وأحمد

وكل من "هلال"، و"سماح"،

و"رنا"...

لكل من هؤلاء الفتيات قصة،

لكنها تجهلها إلى الآن.

"أم محمد"، وبنفس الأسلوب الحنون،

حضنت كل فتاة

ورحبت بها،

تقدمت السمراء إلى أم محمد،

صافحتها وهرعت إلى عناقها بسرعة،

ما إن أحاطت ذراعا أم محمد

جسدها حتى أجهشت بالبكاء،

بكاؤها كان إثر صدمة

قوية حاصرتها،

لحظة تعديهم على حرمة البيت

وقتلهم لعائلتها بكل وحشية،

ثم ببرود،

اغتصبوها، واحدًا تلو الآخر...

...

قد ينقشع ضوء صبحٍ جديد،

ينهي بطلّته كل حزنٍ

ومواجع،

لربما تنتهي الحرب ويعمّ السلام،

لكن هذا النور

لن يُخفي تلك المشاعر المكتظة بالأقاويل،

لن يُسكت فمَّ

إنسانٍ يبحث عن زلّة غيره

ليُعايره بها طول الزمان.

..ـــــ..

أحد أكثر الفصول المليء بالعاطفة، جميل رغم قساوته

أؤأكد لكم أني كتبته من أعماق قلبي

دمتم سالمين وأستودعكم للفصل القادم

ترقبوه بقلوبكم لا بكلماتكم

في أمان الله💚

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ما تبقى من أنوثة!

المؤلف waad hetham🎀
2025/07/23 مكتملة
قائمة الفصول (17)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة