باحة المساجد
منحنية الرأس، ذابلة اللون والوجدان،
حمراء لكن خذلتها والزمان..
ركامٌ متناثرٌ من حولها، وأشلاء متفرقة في مرآها.
خلفها شامخ المنار،
مسجد لم يمسّه ذاك الحطام المتناثر،
يعلوه صوت الأذان،
قد هُجر، لكن لن يطول الهجر،
أتذكره في ملفات عقلي، سموه
مسجد الأبرار.
ــــ
أتهادى في مسيرتي أنا وهلال المرهقة،
جميعهم تخطَّونا ما عدا خليل وذاك الشخص،
بقوا خلفنا رغم بطء خطواتنا،
تخنقني العَبرة كلما نظرت في وجه هلال المشوَّه،
تراودني رغبة عارمة في البكاء بقوة،
وهي تبتسم برقة كلما لاحظت نظراتي.
توقفنا بعد سيرٍ طويل أمام مسجد
نجا من ركام الحرب،
حوله يتناثر بقايا المباني المهدَّمة،
وبقربه لمحت وردة حمراء
منحنية بحسرة على ما حصل.
اقتربت منها بفضول،
أحاكي ذكرى عنيفة لما تلامست يدي ببتلاتها الذابلة،
اقتطفتها عائدًا إلى هلال،
التي تخطو والفتيات داخل المسجد،
تبعتهن وقبضتي تخفي أثرها،
تشتد بحنو عليها.
عبقٌ برائحة تذكرني بماضٍ قد ضاع،
أتمعن النظر حولي في أرجائه،
بساطٌ من الصوف يغطي أرضه بالكامل،
وعلى جدرانه كلماتٌ عبر مرّ الزمان،
نظيفٌ بشكل غريب.
تتربع الفتيات في وسطه،
منهن من انسدحت غارقة في نوم،
وأخرى تجلس بصمت.
أتقدم وأجلس بجانب هلال،
نظرتُ إلى عينها المغطاة بقطعة قماش مهترئة
عليها بقع دمٍ يابس،
أردفتُ بنبرة قلقة:
"ما بها عينكِ يا هلال؟
لِمَ تغطينها بقطعة القماش هذه؟"
ركزت نظرها نحوي متنهدة بضيق،
اقتربتُ منها أكثر،
بينما تكلمت بثبات يكسوه ألم خامل:
"عيني قد فقأوها يا وعد،
القماشة تخفي بقايا تشوّهها الخانق..
فقدتُ نصف بصيرتي،
وها أنا أبتسم."
ملامحها ذابلة كتلك الزهرة،
مددت كفي نحوها،
نظرت إلى الوردة الحمراء بحب،
تناولتها من يدي بينما اقتربت منا رؤى مردفة:
"أظن أنكِ بحاجة ماسّة إلى علاج يا هلال،
وجهكِ يروي قصصًا من الألم الفادح،
أتسمحين بأن أرى الجرح
علّني أقدر على تخفيف ألمكِ؟"
جاثيةً بجانبها تنتظر الموافقة،
تنهدت هلال،
لتمدّ يديها لفك القماشة المربوطة عن عينها،
أغمضتُ عينَيّ بضيق،
أمعنت رؤى النظر في عينها الدامعة،
لا تزال تذرف دمًا،
مدت رؤى يدها إلى جيبها مخرجةً شاشًا وقطنًا ويودًا أحمر،
فيما مضى شرحت بأنها أخذته من أم محمد
قبل أن نغادر احتياطًا إن أُصيب أحدٌ منا.
بللت القطن ببضع قطرات يود،
ونطقت بينما تمسك وجه هلال برقة:
"تحملي القليل من الألم،
سأحاول على الأقل تطهير الجرح ولو لشيء بسيط."
نمنا على أرض المسجد المفروش،
أخيرًا بعض الراحة.
صوتُ خبطٍ قوي على الباب المردود،
صحوت من غفوتي بفزع،
وقفت متقدمة نحو الباب الذي فُتح قبل أن أعرف
من خلفه.
"علينا التحرك من هنا،
لا وقت للشرح يا وعد، بسرعة أوقظيهن."
قلقٌ يجتاحه توتر طفيف،
قبل أن ألتفت للفتيات كنّ قد بدأن بالخروج،
واحدة تلو الأخرى من المسجد
تابعات مسيرتهن.
عدت داخلةً لأخذ سلاحي،
أغلقت الباب وما عدت قادرة على فتحه،
وأصوات انفجارات عالية تداوت في كل الأرجاء.
أحاول فتحه بقوة كبيرة.
"لقد علق.."
جثوت أرضًا بخوف شديد،
فما عدت أتحمل..
أكره الأماكن المغلقة بشدة..
ضربات قلبي تتعالى بشكل جنوني،
أشعر بثقل في صدري،
نسيت كيف أتنفس حتى.
من الخارج أصوات انفجارات ورصاص يتطاير
من بعيد،
أسمع ركضهم السريع وتكبيراتهم العالية،
الثواني كالساعات،
كل الأصوات اختفت، طنين مزعج يرن
داخل رأسي..
فُتح الباب بركلة قوية، وأنا على حالي،
بينما اقترب بصوت هادئ:
"وعد، أنتِ معي...
هيا، علينا اللحاق بهم بسرعة.."
رفعتُ نظراتي المفزوعة نحوه،
اتكأت على السلاح معتدلة الوقوف،
يقف أمامي شامخًا،
طاقتي قد استنزفت، قدماي لم تعدا تحملان
جسدي المرتجف.
رأسي يؤلمني بشدة، بينما جسدي
سقط على الذي أمامه،
رؤيتي مشوشة، بينما أحس بدوار
في رأسي...
عالم أخذني للبعيد..
بثوبها الأبيض الفضفاض ووجهها الذي يشع نورًا،
تقف أمام شجرة زيتون كبيرة،
ألمح هيئتها وأنا واقفة من بعيد.
سديل وهبة..
عهد وأمل ويقين..
أريام..
ينال وسمية وبسمة..
أمي وأبي وإخوتي..
خالي وأولاده..
ركضت نحوهم بخطوات متعثرة،
كلما اقتربت يبتعدون عني أكثر فأكثر.
أصرخ علني أجذب انتباههم،
بينما هم استداروا راحلين مبتعدين عني..
"لماذا تركتموني.."
تنزلق دمعة تفيقني من حلمي،
آمال متكئة على الحائط بجانبي،
بيدها مُصحف تقرأ به القرآن.
التفتت إليّ عند سماعها شهقتي الصغيرة،
ارتسمت ملامح السعادة على وجهها،
مردفة بصوتها الرقيق:
"الحمد لله أنكِ استيقظتِ،
اضطر ذلك المدعو دانيال – على ما أظن – لحملكِ
إلى هنا..
أخبرني أنكِ أصبتِ بحالة انهيار شديد،
لم يعلم لِمَ، لكن افترض أنه
خوف من الأماكن المغلقة بما أن باب المسجد قد علق،
وأنتِ وحدك."
نهضت بتعب بينما هي تحسست رأسي.
"أنتِ بخير الآن يا وعد،
لا تشعرين بأي تعب، صحيح؟"
"قليلًا فقط،
الحمد لله على أي حال."
دُق الباب ثلاث دقات،
قبل أن يُفتح ليدخل أخي..
وقفت سريعًا متناسية كل التعب،
أما هو فقد ظل واقفًا عند الباب، مبعدًا عينيه عنا،
وبنبرة هادئة تحدث:
"أرجو أن تكوني بخير يا أختي،
آسف لأني لم أتمكن من حمايتك.."
"لا داعي للاعتذار يا أخي،
كن واثقًا أني لن ألومك على ذلك،
كل شيء كان سريعًا وصعب الاستيعاب.
أفهم...
أحبك."
أنهيت كلامي بنبرة رقيقة،
لاحظت ابتسامته من تحت اللثام قبل أن يرحل،
مغلقًا الباب خلفه.
اقتربت آمال مني، واضعة الكوفية على رأسي،
غطت شعري ورقبتي،
قبل أن أنطق، سحبتني من يدي نحو الأسفل.
يراقب هيئتي من بعيد،
عيناه تبتسمان وقلبه يخفق بشدة،
بجانبه أصدقاؤه الذين رفضوا التخلي عنه،
يتبادلون أطراف الحديث فيما بينهم،
غير مدركين لصديقهم المتيم
في حبها دون أن تدرك.
..ــــــــــــ..
دعوني أتحدث بصراحة حول روايتي القصيرة
أعجب من الانتقاد لانه يعلو بي ساميا لاكون أفضل
أرجو فقد أن أترك أثرا طيبا في نفوسكم يذكركم باطياف ذكرى حلوة..
أرجو أن أرسم مشاعر الفرح والحزن والالم.. كل المشاعر التي وجدت في هذه الرواية،
أستودعكم الله حين أذن
في أمان الله 💚
waad hetham🎀