البارود
رائحةٌ تنبعث منها أحلك الصرخات التي تصاحب الدم،
سلاح الحرب لم يكن
سوى أداةٍ لإخافة أشد الأعداء مكراً،
لست أستخف بقوة السلاح بل إثبات أن حاملها متحكمٌ
باتجاه تصويبها وتخليفها للبارود
أينما اتجهت،
وعند تلك النقطة...
تخترق الهدف وتسبب له عاهاتٍ وتشوهات
تلاحقه على مر التاريخ لتذكيره بالألم
وذلك الحدث.
لن أنسى تلك الرائحة،
ستدوم ذكراها معلقةٌ بكل أحاسيسي،
اخترت هذا الدرب بقلبي
وصار قطعةً من سجايا روحي...
ــــ
تشرق شمس صبح جديد، أستيقظ من هفوتي
وأعدل وضعيتي على السرير،
وبشكل تلقائي يعيد دماغي تشغيل أحداث الليلة الماضية
لما غادر تاركًا إيّاي وحيدةً بهذا المخزن
الشبه قديم،
تجول عيناي لاستكشافه،
به أغبرة وشباك عناكب وصناديق مرتصة
فوق بعضها وأكياس
وقلة من الخزائن،
بجانبي كذلك خزانة أفرغت عليها الأغراض
التي بحوزتي،
سلاح وختم الشيئان اللذان تمسكا بي طوال
مضيّ قدما تجاه مجهول.
أخلع قميصي وأمامي مرآة معلقة،
أتأكد من جرحي،
رغم أن الظلام كان دامسًا إلا أنني تمكنت من تضميد جرحي بشكل جيد،
أحدق في هيئتي...
جسدي أنحف مما كان عليه في السابق،
جروح تغطي كتفاي ورقبتي،
صدري الذي شددته بشاش يخفيه،
ساعدتنا أم محمد كثيرًا في هذه الخطوة،
مترددات من فعل ذلك
ولكن ما باليد حيلة،
أجبرنا نفسنا على تحمل الألم لكي لا نبرز معالم أنوثتنا،
ليس هدفنا دَمْسُها
بل إخفاؤها للتحرك بحرية...
ودون سابق إنذار فتح الباب
ودخل نفس الشاب،
بحركة سريعة حضنت القميص مخفية جذعي العلوي
عن ناظريه،
لم أخلع الكوفية، أبقيتها على حالها
لا تظهر سوى عيناي،
عيناي في هذه اللحظة حاكتا الخوف والرهبة،
انتبه الشاب أنه دخل في وقت غير مناسب،
استدار وبصوت هادئ.
"أنا آسف...
ارتدي القميص حالًا، أعدكِ لن أستدر
خلال انتهائك."
غضون ثوانٍ بسيطة أردف
بصوت شاحب:
"يمكنك الاستدار..."
استدار ببطء ملاحظًا ثباتي وتغير نظراتي،
جلست على السرير متأهبة لكل كلمة سينطقها
من شفاهه،
تقدم جالسًا على حافة السرير،
لحظة صمتٍ سادت كاسرها هبوب ريح طفيف
قادم من النافذة الصغيرة بجانبي،
نظري موجه للأسفل لا أراه لكني أستشعر حركته،
تنهد قبل أن يردف بفضول حقيقي
وأستطيع التخمين أن عيناه لا تفارق وجهي.
"أنتِ لا تعملين مع الحكومة؟
بل وشكلك يخبرني أنكِ لست أصلاً من هنا..."
تحدثت بهدوء دون أن أرفع نظري عن الأرض.
"أنا من الضفة ولا علاقي لي مع حكومة بلدك البتة."
"لحظة، هل حدث شيء لكم هناك؟"
تنهدت بضيق،
سؤاله فتح نفس الجرح من جديد.
"الكثير من الأشياء وأولها فصلنا عن العالم الخارجي
فصلًا تامًا،
لا أحد يعلم مأساتنا غير الذي عاشها،
قتلنا وأسرنا وارتكب فينا أبشع المجازر،
أنا واحدة من مئات الفتيات
اللواتي شاهدن مقتل عائلاتهن أمام مرأى أعيننا،
ليس هذا فقط بل وكانت لديهم نية
باغتصابنا وأخذنا لنكون عاهراتٍ في كازيناتهم..."
رفعت رأسي أنظر إلى سلاحي،
أحس أن تنفسي ثقيل ومثخن بأحاسيس صعبة النسيان
بينما هو نظر إلى الأسفل
وكأنه يشعر بالتعاطف معي.
"وفر ذلك التعاطف...
هذا واقع عشناه، أُطررنا فيه إلى ارتداء قناع
الرجولة،
ارتدينا ملابس كهذه لتستر عورتنا،
حتى إننا أخفينا وجهنا تحت تلك الكوفية
التي لا تظهر سوى عيوننا فقط."
"لم أكن أتصور أنني سألتقي يومًا
بفتاةٍ مثلك،
من لحظة التقاء أعيننا رأيت
تلك الأنوثة فيك،
تخفيناها لكنها واضحةٌ كوضوح الشمس."
رفع نظره نحوي وابتسامة تسحب زوايا فمه،
ألقيت نظرة صغيرة عليه لكني لم أطلها
كما البارحة.
"على كلٍ اسمي هو دانيال،
ولدي فضول كبير بمعرفة اسمك على الأقل."
استدرت مواجهًا إياه لكن دون النظر
في عينيه.
"وعد...
هذا هو اسمي، وأيضًا أشكرك على مساعدتك...
كنت بحاجة إليها لكن
لا يزال الحاجز بين جنسينا متواجد."
أزاح نظره حرجًا من شدة تمسكي
بالدين...
تمتمت:
"يليق بك..."
بعد برهة من الوقت تكلم.
"وعد...
ماذا حدث بعد ذلك؟"
فهمت ما يريد معرفته وبنبرة جادة أكملت،
لا أعرف لماذا ارتحت للتحدث إليه
ولكن شيء بداخلي يقول إن بعد هذه المحادثة
سيحدث الكثير...
الملجأ
حالة من الفوضى تقتحم كيان سديل،
لا يزال الحزن والقلق يتملكانها لفكرة أنها لربما ستفقد وعد،
خرجت تستنشق بعض الهواء،
الساحة مليئة بالفتيات،
آمال والفتاة الجديدة تساعد المصابين،
الملثمين يحرسون الملجأ رغم تعبهم،
نانسي بالقرب من فتاة سمراء،
تحركت ناحيتهم
حيتها الفتاة معرفة عن نفسها بابتسامة
تخفي طياتٌ من الأوجاع،
نبرتها هادئة ورزينة.
"مرحبًا، أنا أريام
رأيتك البارحة عائدة من تلك الحرب...
أخبرني آدم أنكِ من أقوى الفتيات هنا،
أظنكِ سديل، وهناك فتاة أخرى..."
"وعد، إنها ابنة عمتي...
أختفت ولا نعلم أين هي،
أنا قلقة من فكرة استشهادها أو حتى اختطافها..."
وضعت أريام يدها على ذراع سديل
لفتة لطيفة أعادت سديل
إلى حالة القوة التي تمتلكها،
لم أذكر قصتها سابقًا لأنها لم تكن الوقت المناسب،
وأظن أن الوقت حان لأعطيكم جرعة من المفاجأة.
أتذكر تلك اللحظات الجميلة التي كنا نقضيها
معًا،
عندما نلتقي تحديدًا،
أبوها كان أحد أكثر الأشخاص المهمين بالنسبة للمقاومة،
ساعدهم كثيرًا من الناحية المادية،
قدم لهم جزءًا كبيرًا من ماله في سبيل شراء أكبر عدد من الأسلحة والذخيرة،
متعاونٌ مع دائرة صغيرة من البشر كان من ضمنها
الشيخ إسحاق...
لم تخبرني قط عن هذا السر رغم أني بالنسبة لها
مستودع أسرار.
لحظة اقتحام العدو لمنزلهم حدثتني عن أدق التفاصيل،
عندما كسروا الباب وتقدموا إلى الداخل بوحشية،
كأي طفل صغير أخوها يركض ببراءة
وهم ببساطة قتلوه لما أطلقوا الرصاص على رأسه،
الآجِنِّي اللعين لم يكتفِ بذلك فقد بل أصدر ضحكة ساخرة وتابع بقية الجنود قتل باقي أفراد الأسرة،
وكعادتها هي في المطبخ
تقوم بغسل الأواني،
أوقفها صوت صرخات امتزجت مع طلقات،
آخرها صوت أبيها الذي أَرْدَف بكل
إيمان:
"أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله."
سقط الطبق من بين يدها على الأرض،
أكمل الجنود التقدم وبسرعة
تخبأت داخل الحمام وأغلقت على نفسها،
لم تكتفِ بذلك فقد
حاولت كسر النافذة للخروج من المنزل،
لاحظها أحد المارة،
لم يكن عاديًا إنه نفسه الشيخ إسحاق
الذي أرسل بدوره شابًا باغتهم محررًا إياها من
ذلك المصير البشع.
ما أن أوصلوها إلى هنا حتى انقطعت صلتها
بمنزلها القديم.
••••
المخزن
بينما أنهيت سرد أهم التفاصيل لدانيال
ألاحظ مدى صدمته،
وفي آنٍ واحد مدى إعجابه بشجاعتنا
وصمودنا.
"أنتن جبارات بكل ما تحمله الكلمات
من معنى."
تناولت سلاحي وأنا أنهض عن السرير.
"أظن أني بخير الآن...
عليَّ العودة."
أمسكت الختم بتعابير واثقة
وأخفيته داخل جيبي بحرص تام.
"كيف؟"
كلمة بسيطة فهمت أنها تخفي الكثير من المشاعر
داخله،
لم أفسر ولم أنطق بأي حرف،
فقد اتخذت خطواتنا نحو الباب
هو تبعني
بينما أنا فتحت الباب للمضي قدمًا للعودة إلى
الديار التي أجهل وجهتها بالتحديد،
راقبني، اختفى بالأفق
يشعر بشعور غير مألوف،
شيء أشبه بالذنب...
يحس بالعار لفكرة أن فتاة مثلي تحارب عدوا
غاشمًا مرتدية قناع الرجولة...
فتح هاتفه وضغط على أكثر التطبيقات شهرة،
ينشر على هذا التطبيق
كثيرًا من الفيديوهات التي تتعلق بشغفه في ركوب الدراجة...
لديه بالفعل جمهور كبير من المتابعين،
دون تردد
وعلى حاله قام بفتح بث مباشر
حكى فيه ما لم يصل إلى العالم
بعد.
..ـــــــــ..
رأيكم حول أحداث هذا الفصل
ترقبوا الفصل القادم
في أمان الله💚
waad hetham🎀