الأقصى

الأقصى

15 0

الأقصى

تخيطني ربوعها من فوق التلال البعيدة،

ألمح لمعانها من بين جبالٍ وسهول،

تمنح المُشتاق شوقًا للقياها،

على عتبات أحجارها المصقولة،

تنبعث ريحٌ تتخلل أنامل وجهي،

مسكُها قد امتزج بمسك الشرفاء الذين ماتوا بين ثراها،

جميلة الجميلات هي،

بمصلياتها وقبتها الذهبية والرصاصية،

وكأن مريم العذراء قد مرّت واعتزلت في محرابها

متقرّبةٌ من خالق الكون.

أحكي عنها بأحلى الأوصاف،

منقوشةٍ بنقوشٍ قد مرّت من عندها كثيرٌ من

الحضارات،

أعجز وكلي ولهٌ لمّا أتذكّر لقائي بقدسيّتها

ذات أيادٍ حنّاء،

مُخضّبة الأرض كيد عروسة،

صورٌ

تعبر مُذَكّرةً كلّ الشهداء.

ــــ

أصحو على صوت زقزقة العصافير،

يداها الصغيرة ملفوفة على خصري،

أقبّل رأسها بحنو،

ومن ثم أوقظها بهدوء،

تمدّدت ذراعاها وهي تتثاءب بكسل،

تحاول ببراءتها استرجاع بعضٍ من طاقتها

التي اختُزنت فترة نومها،

تنهض بجذعها العلوي وعيناها تبتسمان لي،

تردف بنبرتها الطفولية:

"صباح الخير يا وعد."

أجبتها بعدما نهضت وبيدي أسحب اللحاف

من الفراش لترتيبه،

وابتسامة لا تفارق وجهي:

"صباح القشطة يا صغيرتي الحلوة،

اليوم سنذهب إلى القدس..

ألستِ متحمسةً لزيارتها والتسكع بين شوارعها وأزقّتها العتيقة؟"

وقفت بعجلة أمامي بملامح قد رُسمت بعضًا

من العزم،

مقطّبة الجبين والحاجبين،

وشفتاها تطبقان على بعضهما بقوة كافية لرسم خطوط

متفرقة.

"بلى، أنا أريد الذهاب بشدة..

خاصةً معكِ."

تلين ملامحها البريئة عند ذكرها لحضوري،

أبتسم لها بدفء

بينما اقتربت منها ووضعت يدي على كتفيها،

أحنيت ظهري قليلًا

ليصبح وجهي قبالة وجهها.

"لا تقلقي، لن أتركك،

أعدك أني سأساندك وأبقى بقربك إلى أن يحين

أجلي..

سمّوني وعد.. صدّقيني، أنا أحبك أكثر

من أي شيء."

طبعت قبلة صغيرة على خدها الوردي،

ابتعدت وأمسكت بيدها برفق،

سحبتها معي خارجة الغرفة نحو المطبخ

عند أم عنان وباقي البنات،

نزلنا وضحكاتها تلامس وجدان روحي،

أضحك معها بعيدًا عن كل الضجيج،

بينما لم ألحظ الواقف عند أسفل الدرج

ينظر نحوي وعيناه تضحكان مع ضحكاتي،

سارح الذهن كما بدا لي،

تنحنحت بعد إدراكي أنني نسيت تغطية

شعري..

قصيرٌ جدًا أكاد أشبه الذكور، مع ذلك

حافظ على وهج الأنوثة

بملامحي التي طغت عليه،

تأسّف وهو يعطيني ظهره سامحًا لي بالمرور،

ركضت نانسي قبلي، وأنا تبعتها

بخطواتي السريعة.

"أظل واقفًا أم رحل؟"

أجابت نانسي بعد أن عادت من مهمة الاستطلاع،

كنتُ فضولية بشأنه

لذا طلبت من نانسي العودة والتأكّد منه،

أجابت وهي تجلس بحِضن أم محمد

وبيدها لعبة أهدتها

إياها أم عنان، تلك الجارة المخلصة.

"ظلّ واقف، وعندما سألته

قال بأن قلبه قد أُوقدت شمعته عندما رآكِ."

"صاحب الوردة الحمراء.."

قالتها أم محمد بصوتها الهامس

حاملًا معه غموضًا فهمته سريعًا،

بتوتر نفيت ملوّحةً بيدي

وصوتي متلعثمٌ قليلًا.

"لا.. لا ليس هو..

إنه شخص مختلف تمامًا يا جدّة."

أردفت بشك وعيناها موجّهتان نحوي،

مع ابتسامة صغيرة مطبوعة على شفاهها الكهلة.

"من يكون إذن يا وعد؟"

"شخصٌ لن تعرفيه بسهولة.."

أمسكت مكان إصاباتي القديمة

مستذكرةً ذاك اللقاء

وعقلي مشتتٌ بذكرياتٍ من عبق الماضي،

قاطعتنا أم عنان وهي تمدّ نحوي كيسًا

كبيرًا بعض الشيء،

أخذته منها وأنا أسألها باستغراب:

"ما هذا؟"

ابتسمت بحنان:

"خذيه يا حبيبتي، فستحتاجينه اليوم في لقاكِ

لأولى القبلتين وثالث الحرمين..

أعطيت الفتيات الأخريات، بقيتِ أنتِ."

فتحتُ الكيس لأجد أجمل ما رأته

عيناي..

ببساطته أعادني إلى الماضي من جديد،

أخيرًا سأرتدي الزي الشرعي

بعد أن حُرمت من ارتدائه

لأشهرٍ عدة..

---

باب العمود

وقفنا نتأمله وابتسامةٌ تشق وجوهنا من شدة الحماس،

أمسك بيد نانسي وأتبع

أخواتِ روحٍ قد فقدت أرواحًا لكنها تمسّكت

بمن تبقى، وأعطته مساحةً أخرى

في ثناياها،

بين سوقها القديم نمشي بهيبتنا المقدسة،

تفوح من جوانبها رائحة خبزٍ وكعكٌ

وأزكى الحلويات،

قلاداتٌ معلقة على أبواب المحلات

مع كلمات الباعة المعسولة،

أمشي وألمح عبقها المسكّر وذهولٌ يرافق شفتي،

يدها متمسّكة بيدي مستشعرةً الأمان،

سبقنا الرجال إلى داخل الأقصى،

بينما فقدتُ دفء يدها

من يدي،

استدرتُ وخوفٌ يعتلي وجهي،

بناظري أبحث عن حضورها الساجي،

أتنهد براحة عندما أراها تقف بجانب دانيال

الذي يناولها إسوارةً بسيطة

من عند بسطة الحلي لتاجرٍ طيب الأصل

كهل الملامح،

تراجعتُ بخطواتي وأنا أعود إليها،

وقفتُ بجانبها أراقب ابتسامتها وضحكتها الممتنة،

أقرص خدها برفق

معاتبةً تصرفها برقة:

"لمَ تركتِ يدي يا حلوتي؟

أقلقتِني عليكِ،

كان بإمكانكِ أن تطلبي مني أن أشتري لكِ هذه الإسوارة."

صوتها دافئ بنسمةٍ يعتليها الحب،

ذلك التاجر بسيط الشكل

محفوفٌ بذاكرةٍ خصبةٍ تكتسيها خبراتٌ وحكايا.

"هكذا هم الأطفال يا ابنتي،

لا داعي لأن تعاتبيها، ففي كل الأحوال ستعود لوحدها

إلى حضنكِ.."

"أعرف يا عم،

هيا يا نانسي، لقد سبقونا إلى الداخل،

علينا أن نلحق بهن."

أمسكتُ يدها مرةً أخرى بقوة،

بينما ودّعته بابتسامة

وكلمات بسيطة،

للحظة نسيتُ تمامًا وجوده، لكنه تنحنح

وهو يتبعنا بهدوء:

"أحم.. أيمكنني السير معكن؟"

حكّ رأسه بخجل وهو يسأل سؤالًا كهذا،

ضحكتُ بخفة وأنا أجيب:

"أجل يمكنك..

وأيضًا نسيتُ شكرك على تلك الهدية،

مع أنها لا تستحقها."

قلتُ آخر كلماتي لأرى الانزعاج عليها،

أدارت وجهها وحاجباها مقطّبان،

بهدوء سحبتها موضحة أنها مزحة،

سار معنا حتى أخيرًا وصلنا إليها...

وقفتُ مذهولة أتأمل كل شبر من ضواحيها،

أستذكر أول زيارةٍ كانت لي فيها،

قلبي يختنق من الحب،

عجزتُ عن التحرك لبرهة لولا إفلاتها ليدي وهي تركض

صوب الفتيات اللواتي يُلَوّحن لنا،

ألقيت نظرةً خاطفة على دانيال الذي

بدا مصدومًا أكثر مني،

ضحكتُ بخفة عليه،

بعدها تحركت بسرعة نحو الفتيات...

قبة الصخرة

دخلناها وتأملنا سقفها وجدرانها ذات النقوش

المبهرة والكثيرة،

الصخرة التي يُقال إنها كانت ثابتة في الهواء

تتربع في وسطها،

والأعمدة الموزّعة فيها...

اعتكفنا فيها وقلوبنا خاشعة،

ركعة تلو الأخرى،

ومن ثم ختمناها بقراءة ما تيسّر لنا من القرآن،

ومن حولنا نانسي التي لم تتوقف

عن الحركة،

مستمتعة بكل تفصيلةٍ فيها.

خرجنا بعد مضيّ وقتٍ طويل متوجهين صوب

المسجد القبلي

ومنبره الذي كان من حلب،

للأسف قد حُرِق جزءٌ كبيرٌ منه، لكن تمّت إعادة

ترميمه من قبل حرفيين...

دخلناه، ونسمات الهواء تلوح،

كبيرٌ وواسع، يبعث الطمأنينة في النفس،

الهواء يلوح من اتجاهاتٍ كثيرة،

قلبي بات أسيرًا في صفائه المريح،

صلينا وجلسنا متقاربين من بعضنا،

نتكلم وننسج قصصًا،

ونسترجع تاريخ مسجدنا المقدس،

الأقصى،

بعدنا بدقائق، دخل الرجال الذين رافقونا

إلى مكاننا الذي نقبع فيه،

توجهوا للصلاة مباشرة،

عائدين إلى ربهم، متقرّبين أكثر من رحمته،

دعواتهم قد داوت حِسّاساتِ

أنحاء المكان،

أكملنا حكاياتنا بهدوء،

ولا تزال نانسي تركض وتلعب مع ضحكاتها الحلوة،

أخيرًا هدأت قليلًا،

أتت ووضعت رأسها على حضني مستلقيةً بتعب،

بصوتٍ لاح، أردفت:

"لازم نيجي كل يوم هون..

كثير المكان حلو عشان ألعب،

صح يا وعودتي؟"

ابتسمتُ وأنا أنقر على أنفها،

وبيدي الأخرى أداعب صدغها الأحمر:

"صح يا قلبوشتي

أنتِ."

رفعتُ رأسي لأقابل نظراته الولهى،

ابتسمتُ له،

وبسرعة أعدتُ نظراتي إلى نانسي

التي بدأت تغط في النوم،

شيئًا فشيئًا،

ألقي بعض النظرات عليه لأتأكد أنه ما عاد ينظر إليّ،

لكنه سارح الذهن كثيرًا،

يُؤمّلني وكأني قطعةٌ نادرة

أو جوهرة لقلبه،

لحظة أدركتُ فيها أنه متيمٌ بي.

..ـــــــــــ..

حلو هاد الفصل صح المهم انكم قرأتوه بهدوء مع كاسة شاي أو قهوة، أهم اشي رأيكم لا تستحوا

انتقدوا براحتكم وترقبوا الفصل القادم

في أمان الله 💚

مهم جدا انكم تقرأوا الفصول بتمعن وهدوء، أكيد في أخطاء لاني لسا ما راجعت الرواية اساسا لاسباب شخصية.

بس 💜

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ما تبقى من أنوثة!

المؤلف waad hetham🎀
2025/07/23 مكتملة
قائمة الفصول (17)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة