أخي الذي ولدته أمي

أخي الذي ولدته أمي

18 0

أخي الذي ولدته أمي

•••

تشاركنا الدم نفسه،

خلقنا في نفس الرحم،

تقاسمنا صفات كثيرة، أهمها الإيمان،

لم أُحِسَّ بوجوه قربي،

كان من بلدٍ آخر..

تعلّق قلبي به، وحاكى وجوده في عقلي،

وصنع معه ذكريات،

على الأقل تذكرني بملامحه.

ــ

تراجعت عائدةً إلى يقين، التي غطّت الدماء يدها

وقميصها الأسود الباهت،

أنينها خافت، لكن دموعها ضائعة،

جلست ووضعت رأسها على قدمي،

عيناي لا تخفيان ما بداخلي

من مشاعر كهلة،

أرهقتني وتسببت في حزن كاتمٍ للصرخات،

لا أجرؤ على البوح بتلك المشاعر،

لكن تستوقفني آياتٌ

تتمتمها يقين بخشوع تام،

تفيض دمعة من عيني، وصوتها الذي داوى كل حزنٍ

في قلبي،

بصوت مرتجف أهزها:

"يقين.. يقين،

أنتِ هنا، ستبقين بجانبي.."

سعلت ناطقة من بين ألمها:

"حتى آخر نفسٍ لي،

لن أتزعزع عن الابتعاد عنكِ."

وضعت يدي على جبينها المغطى،

تمتمت بأدعية وتارة

بتلاوة القرآن،

أكثرها تلك التي تلامس روحي.

•♥•

﴿فَٱتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًۭا فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًۭا سَوِيًّۭا ۝١٧

قَالَتْ إِنِّىٓ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّۭا ۝١٨

"أشهد أن لا إله إلا الله، وأن

محمدًا رسول الله.."

نطقتها من دون عناء، وهي تتشهد بسبابتها

على التراب..

بقيت على حالي،

لا دموع.. لا حزن.. لحظة جعلتني أحس بارتباط

روحي مع خالقي،

إيمانها زرع حبًا أكبر في قلبي

لأكمل ما بدأناه،

أغمض عيني في استسلام تام،

أصوات الأسرى تعج بالقوة،

القوة التي

تناولوها منا نحن..

الإناث اللواتي لم يبقَ لهن شيءٌ

في الحياة،

فقد أسرفن رزقهن فيه،

عهد.. أمل...

ثم يقين..

أتذكر ينال وسمية،

التوأم،

الحافظتين لكتاب الله..

متن برصاصات عشوائية من هؤلاء الوحوش،

وعلياء التي تذكرني

بصديقة قديمة،

استشهدت بأبشع صورة..

تطايرت الطلقات على كامل جسدها

وتلك الشظايا مزقت

ثياب طهارتها،

وهي بكل شجاعة وإيمان نابع من أعمق نقطة في

قلبها، تردد:

"الله أكبر."

ترنّ حروفها داخل عقلي،

"الله أكبر."

هيمنة وحِسٌّ عالٍ بالجبروت،

وكل هتاف

يذكرني بهن،

نظرات أعينهن، أنوثتهن المكلّلة بأثقل الأحاسيس،

ضحكاتهن أو حتى ابتسامتهن الرقيقة،

حبّهن لتلاوته..

أبكي، وتتطاير الدموع على كوفيتي،

ليس حزنًا بل شعور

لا زلت جاهلة إياه.

يوقظني هتافهم المبتهج من بعيد:

"انتصرنا؟..."

تعالت الأصوات، واختلطت بصوت واحد لا يمكن تكراره،

صوت أنثى أسمى ما يُقال عنه:

"الحضن الدافئ.."

آمال، بطلتها البهية، تتوقف على مقربة مني،

أعرفها من نظرة عينيها،

حتى وإن لم أراهما،

ترمقني بنظراتها الحنونة.. كأخت،

يقين على قدميّ

نائمة بسلام.

لا أودّ إبعادها، لكن يديّ آمال سبقتا أفكاري،

ركعت على ركبتيها أمامي،

أبعدت دفء يقين عني وألهتني بكلماتها

النقية:

"لندفنها هنا.."

"كيف؟.."

"لنحفر، حتى ولو بسلاحنا.."

لم أناقش، ولم أجادل،

بسلاحي أحفر في المكان الذي نطقت فيه الشهادة،

تعاونت أنا وآمال على هذا العمل،

وكأن الدنيا تبتسم لنا ولو قليلًا،

التراب طريٌّ بشكل مريح،

كأن الأرض تساعدنا على حمل جثة طاهرة داخل

جوفها،

وضعناها رغم ضيق المكان،

وتأكدنا أن وجهها مغطى بالكامل

بكوفيتها التي ابتلّت إثر تعرّقها

الغزير..

نهضنا بعدما ردمنا التراب على جسدها الطاهر،

أطلّ بعيني على كل شبرٍ

استشهدت فيه أنقى الوجوه..

تجتاحني غصّة

عندما أتذكر موتهن المؤلم،

تشعر آمال بوميض الضعف في جسدي،

تُسندني على ذراعها،

وكل كلماتها تعبر عن الأمل.

"هيا لنعد إلى البيت،

فقد طال غيابنا."

نتحرك متوجهين إلى مكاننا،

يقابلنا خليل مردفًا:

"الله يرضى عليكن، والله يرحمهن أجمعين،

ما شاء الله.. جد أنكن عظيمات."

"ما صفة العظيم إلا لله.."

أجيبه بتمتمات هادئة، أشعر بابتسامته من

تحت اللثام،

يرافقنا بعدها إلى مكاننا..

---

انتهت صفحة المواجع بخفة،

ما عاد لنا سوى الصبر والاحتساب،

ليس نصرًا حاسمًا،

وإنما وُعدنا بالنصر...

انقشع بدرٌ جديد لبدء الانتفاضة،

ليس لنا أحدٌ سوانا،

معسكر جديد لانطلاق شرارتهم،

شرارة الأسرى

الذين يتعطشون للصلاة في ساحاتها العتيقة،

برز اسمه من بين الأسرى:

"حسين.."

أقواهم وأكثرهم حنكة،

ربطته ذهنيًا بيقين..

الشيخ إسحاق، الذي ساعد كثيرًا في إمدادهم

بالسلاح التام.

سديل وهلال، أسماؤهن على لائحة

المفقودين،

رغم أن هلال لم تشارك في حربنا، إلا أنها اختفت،

أما سديل، فبعدما ابتعدت عنا

لم أسمع عنها أي شيء،

ها هو ذا غموضها، الآن لم يُفدها بشيء

سوى بعدها عني،

رؤى وأماني

اتخذت منهما صديقتين حميمتين،

ليس لملء فجوة،

بل لخلق حس شعوري دافئ،

مبهج ومميز.

---

عالم موازٍ للحرب التي تحاصرنا..

يقف دانيال يفكر بها، وكله فضول لمعرفة الحقيقة كاملة،

فالأخبار تغطي الأحداث التي

قالتها..

لكنها قد تغطي أشياء ليس لها ضرورة،

يتذكر كيف تفاجأ متابعوه من ظهوره المفاجئ

على البث..

كيف تحدث بصدقٍ كافٍ لجعل من قلبه قاسٍ

أن يلين،

صدقوه.. لكن لا دليل لنشره،

لا سبيل للوصول إليهم،

الليل قد غطّى..

المساجد تنادي بعذب كلماتها على الناس ليتوجهوا إلى

أداء الصلاة..

وكعادته توضأ وخرج،

ركب دراجته ووصل باب المسجد في دقائق،

خطا بخطوات كبيرة إلى الداخل،

رائحة مسك وبخور،

أغلبهم كبار في السن قد غطّت التجاعيد وجوههم

وكسى الشيب لحاهم وشعرهم،

وقف الإمام بعد ثوانٍ على المئذنة،

اصطفّوا جميعهم،

علت أصوات التكبير في المسجد معلنة

عن بدء الصلاة.

يتجول بدراجته عبر الطرقات،

سرعته هائلة مع هدير محركها،

مرتديًا الخوذة ويقودها بسلاسة،

حوله مجموعة من الأصدقاء يتنافسون فيما بينهم،

الليل حالك، يكسره ضوء أعمدة

الإنارة الموضوعة على جوانب الطرقات،

أخيرًا يتوقفون في مكان خالٍ من الأبنية،

يخلعون خوذهم ويتناولون أطراف الحديث فيما بينهم،

مواضيع تافهة بالنسبة لدانيال أمام الشيء الذي

عرفه منها،

على غير عادته، صامت كثيرًا،

يضربه صديقه بقوة على ظهره كاسرًا تأمله:

"لا تقل بأنك لا زلت تفكر بتلك الفتاة..

يا رجل، ربما هي تكذب،

أو ربما أنت تتهيأ."

لم يشعر بألم الضربة، وببساطة لأن جسده عضلي

مقارنة بصديقه،

وبنبرة حادة أجاب:

"هي لا تكذب..

عيناها بحرٌ من الحقيقة،

محتشمة رغم الحقيقة المُرّة،

والأهم: مؤمنة."

أضاف شخص آخر ساخرًا:

"لنكن واقعيين..

لا دليل على ذلك الهراء الذي تتفوه به،

وعلى أية حال، ماذا سنفعل حيال ذلك؟

نحارب معهم؟"

"ولِمَ لا؟

أنحن خُلقنا رجالًا عن عبث؟

فتيات في مقتبل عمرهن

تخلّين عن أنوثتهن من أجل الدفاع عن شرف الأمة،

سيأتي ذلك اليوم الذي نسمع فيه

عن بطلات."

شعروا ببعض الحرج من تفكيرهم،

صعد كل واحد دراجته، وانطلقوا في مساراتٍ لا نهاية لها،

دانيال، صاحب التأثير الكبير،

أثّر في ناس كُثر،

لكنه لم يتوقع ذلك التأثير من فتاة

ربما عابرة للبعض.

---

صبح كل يوم هو ولادة جديدة لنا،

ها هم الآن يسعون لأن يكونوا رمزًا كما نحن،

أتأمل أخي فؤاد بعيون مرهفة ومليئة

بالأحاسيس،

رائحته من والدتي،

من الرحم ذاته الذي خُلقنا فيه..

لا يعرف بوجودي حتى الآن،

لم أقف لمواجهته رغم تشجيع رؤى وأماني وآمال لي

بالتحدث معه.. عناقه،

أعطيه وردة حمراء.

..ـــــــــــ..

ملاحظة صغيرة هي أن المشاعر في هذا الفصل نابعة من أعماق قلبي نظرا لتجاربي التي مررت بها،

المهم رأيكم

وترقبوا الفصل القادم

في أمان الله 💚

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ما تبقى من أنوثة!

المؤلف waad hetham🎀
2025/07/23 مكتملة
قائمة الفصول (17)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة