بنت خالي🥀
زغاريد الفرح تتجمع، كاسرةً جحيم الحرب الدامي،
لكن من بعيد ألمح ظلّ طيفها،
النازف الصارخ...
سأحرّركِ من قفصكِ اللعين،
أعدكِ، لن يطول الأسر.
ــــــ
ما زلت لم أجدها...
نكمل مسيرتنا الطويلة نحو عسقلان،
نمر على كل البيوت المهدّمة التي يكسوها الركام،
أصحاب الديار قد اختفَوا،
لا أثر لوجودهم غير ظلالهم...
في كل اتجاه، أقف ثانيةً لأتأمّل...
ألمح الظلال بين الحين والآخر،
كل بيت يحمل عبيرًا يميّزه عن غيره،
ماضٍ انقبض قلبي لحضور ذكراه،
لما كنّا نلعب أحلى الألعاب وأبسطها،
مستهلكين طاقة جسدنا باسمين ضاحكين لتلك اللحظات الهادئة...
لا همّ يراودني، ولا خوف يداهم عقولنا.
صار الواقع صعب التعايش،
هواجس تحتضن عقلي، جاعلةً منه حبيسًا بين ذراعيها،
أنستني كيف أضحك راكضةً خلف خُطاهم،
بين ركام البيوت أقف وحيدةً،
مع ذكرياتي،
أبتسم من تحت اللثام بانكسار،
لا يزال المشوار بعيدًا،
كله فوق طاقتي كأنثى نسيت كيف تكون.
برهة من الوقت،
أفاقت مشاعر الصبر من جديد،
ردّدت في سرّي آياتٍ جعلتني أزيح همًّا عن صدري،
أرفع رأسي متباطئة،
ألمح هيئة جسدٍ ضخم،
يقع قلبي أرضًا من حميمية الموقف،
خليل بشحمه ولحمه يقف أمامي،
بصوته الذي يقطر حنانًا وقلقًا موجّهًا نحوي:
"اصبري يا وعد...
صبرٌ جميل والله المستعان."
رنّت كلماته في عقلي، وهو بدوره استدار،
متقدّمًا ببطء نحو الأمام،
فهمت العديد من كلماته،
لكن ما لم أفهمه...
هو: كيف عرفني من بين كل هؤلاء؟
تبعته بهدوء، مكمّلةً المسير،
نمضي نحو تحقيق وعد الله المحتوم.
---
سديل...
داخل زنزانتي أجلس، وبجانبي هلال،
صبرها وإيمانها أنساها عاهاتها،
ليس فقط فقد عينها، بل وكذلك جسدها...
كنت ضحية لمشهد جعل من الصعب على ذاكرتي نسيانه،
عذّبوني بطريقة بشعة،
وما كان يستفزّني أكثر...
أصواتهم التي تعلو بالضحكات حين يضربون أناسًا أبرياء،
مدجّجين بالزنزانة منذ عقود،
لا يُعرف عنهم غير أنهم قد ماتوا منذ الأزل...
هكذا كانت كذباتهم.
جوّها العتم أرهقني من العجز،
كلما حاولت مداواة جروحها،
عيناي تغرغر دموعًا،
رؤيتي تنعدم،
لا ضوء... لا صوت...
لكن هذا اليوم كان مختلفًا،
بدأنا، أنا وهلال، بنسج حكايا من قصص الخيال تارة،
وتارة نغني بهدوء،
نردّد كلماتها التي فُقدت من عالمنا،
لكن ذكراها محفورة في صدورنا:
"كان يا مكان،
الحبّ مالي بيتنا ومدّفينا الحنان..."
دفء ينسكب مع كل كلمة نردّدها،
نرتّلها كشعر، لا كموسيقى محرّمة،
من وسط الحزن ترسينا إلى ماضي الحب،
يقاطعنا اقتحام جندي من الباب،
كاسرًا عتمة السجن بضوء الشمس الذي تسلّل،
كاشفًا عن هيئتنا...
ردّد كلماته بغضب، ممسكًا ما تبقّى من شعري بقوة،
جرّني إلى الخارج، مغلقًا الباب على تلك المسكينة،
رفعني لأقف على قدميّ،
أشعر بغضبه الذي يتسرّب من شرايينه،
أحسّ بانتصار،
أرفع رأسي، متناسيةً قبضته التي تقتلع شعري من الجذور،
يلاحظ الهدوء، فيبرحني ضربًا،
لا أنبس من خلاله بآهاتٍ أو استغاثات،
يردف بنبرة تكتسي الحقد والبغض تجاهي:
"أنتِ عاهرة وألف عاهرة...
أشفق على والدتكِ التي تحملت ألم المخاض لإنجاب نكرة مثلكِ...
ستموتين هنا، وهذا وعد..."
كاد أن يُكمل، لكنني قاطعته بنبرة واثقة،
متكئةً على الحائط، وابتسامة تعلو شفتاي:
"على الأقل سأموت شهيدة،
أدخل الجنّة دون حساب أو عقاب..."
أخرج مسدّسه، مصوّبًا فوهته على جانب رأسي،
مرتطمًا به،
قال:
"تحلمين يا هذه...
من قال أصلًا أنكِ لن تُحاسبي على الجرائم التي ارتكبتِها؟
دينكِ خطأ، وديني هو الصحيح..."
خرجت ضحكة ساخرة من بين شفاهي،
جعلته يستشيط غضبًا أكثر من سابقه،
يده ثابتة على وشك الضغط على الزناد...
لكن فجأة...
صفارات إنذار وصوت انفجارات
قادم من بعيد...
عقلي يطرح تساؤلات:
هل وصلوا؟
---
أنا الآن واقفة على أرض عسقلان،
أبشع سجون الاحتلال ظلمًا،
أكبر بعلو صوتي الذي يتداخل مع الانفجارات المتتالية،
ضربات الرصاص موجّهة من جميع الاتجاهات،
عيناي بحر من معاني الصمود،
أقاتل بجانب رفيقات الروح: رُؤى وأماني،
عاهدنا بعضنا أن نستشهد نحن الثلاثة معًا،
ضاربين أروع الأمثلة عن الصمود والشجاعة.
يُحاصرنا جنود مدجّجون بالأسلحة المتطوّرة،
وبكل براعة، ننسحب بعد أن فجّرناهم بقنبلة رُمِيت وسطهم،
متمسّكين ببعضنا...
نرى الأبواب قد فُتحت على مصراعيها،
يخرجون والخوف ملتصق بهم،
يركضون حفاة،
ونحن نتابع ضرباتنا الملحمية.
بدأنا بتنفيذ باقي الخطة،
دخلنا بعد أن أمّنّا أسلحتنا وأبعدناهم عن تحركاتنا،
يقف أمامي عجوز كهل،
يسجد على ركبتيه أمامنا، مترجّيًا ألا نقتله،
قلبي يقول: "اقتليه"، لكن عقلي يعارض.
أماني سألته بهدوء غير مكترثة لصوتها
الذي تعتليه نبرة أنوثية:
"هل قمتم بقتل أحد من هذه الزنزانات قبل أن تهربوا؟
لا تحاول الكذب حتى."
أنهت حديثها، بينما الآخر رفع رأسه،
وابتسامة ساخرة تسحب زوايا شفتيه،
وبلهجته المتكسّرة يتحدّث:
"إذًا أنتن فتيات..."
"أجب على سؤالها قبل أن تلقي حتفك."
وضعت سلاحي على رأسه،
ونبرتي خالية من أي تعاطف،
بقي صامتًا، بملامح خبيثة كشيطان،
ضغطت على الزناد
لتستقرّ رصاصة داخل جمجمته.
أكملنا تحرّكنا، ونحن نفتح أبواب الزنازين،
كاشفين عن أجسادٍ منهوشة العظم.
بينما نُسارع لفتح الأبواب،
ألمح في آخر الممر جثة، على ما يبدو لفتاة،
أنادي عليهنّ للتحرّك نحو ذاك الاتجاه،
مع كل خطوة نخطوها،
تتجمّد أطرافي،
وتتّسع حدقة عيني من الصدمة،
أجثو على ركبتيّ مقتربة منها،
أتحسّس وجهها الدامي،
بعد أن كان عندي بصيص أمل بعودتها سالمة،
وجدتها الآن ملقاة، وبجانبها دفترها الأسود...
تتتابع الدموع من عيني،
أقف بعد أن أحسست بثقل في مشاعري،
أراقب وجوههنّ التي اصفرّت من الصدمة،
أردف بصوتي المرتجف:
"علينا تحرير باقي الأسرى،
لا وقت للبكاء."
أستدير، موجّهةً نظري نحو باب حديدي كباقي أبواب السجن،
أفتحه لأنشر ضوء الشمس على الجالسة خلفه،
هلال، وعينها المسلوبة،
تركض نحوي بلهفة حقيقية،
تسأل بقلق عن سديل، بعد أن أخبرتني
بأنها سمعت إطلاق نار بعد أن خرجت سديل بدقائق...
احتضنتها، وأنا أقول بانكسار:
"رحمها الله...
استشهدت وتركتنا نحارب لآخر نفس."
أتممنا مهمّتنا في تحرير باقي الأسرى،
وبرفقتنا هلال،
واقفِين على باب السجن،
أنظر نحو جثثهم المهزومة،
أطلق رصاصة عاليًا في السماء إعلانًا عن النصر،
ليس نصرًا كاملًا، لكنه جزء كبير.
أسقطت هلال رأسها على كتفي بتعب،
وبدأنا بعدها بالتقدّم...
فما عاد للظالم أن يظلم،
وما عاد للباطل أن يُصدق،
ظهرت قوّتهم الحقيقية،
وبرزت شجاعتنا المستحيلة،
سنحيا رغم الألم...
لأجل من ضحّوا بأرواحهم في سبيل الوطن.
..ـــــــــــــ..
شاركونا أرائكم حول هذا الفصل
وترقبوا الفصل القادم
في أمان الله 💚
waad hetham🎀