ضوء الشمس

ضوء الشمس

20 0

ضوء الشمس

تحت ضوئها نصنع أحلامنا الولهى،

نختبئ تحت أشعتها التي تكسبنا

أحلى الذكريات،

ذكرياتٌ لن تُنسى إلا بزوالها عن الأنام.

تنتشر رائحة المحبة مع كل

نبتة تزهر،

تسقي الخيال خيالًا

وتزرع الدفء في القلوب،

أغلقت ملف ذكراها داخل ثنايا عقلي

في ملفٍ محكم الإغلاق،

ملفٍ أصفر كشعاعها الحلو.

ـــ

يتسلل ضوؤها ليرمي بظلاله على

ذلك النائم،

حُلمه ليس كباقي الأحلام...

صار يرى خيالها حتى في أحلامه،

هو من بعيد ينادي باسمها

بينما هي تجلس فوق العشب،

مغطاة بالكامل،

فقط عيناها تلمعان من وسط لباسها المحتشم،

كما رآها تمامًا،

بل وهي بصحة جيدة.

ينادي مرارًا وتكرارًا،

جسده متسمّر في مكانه،

لا يُحرّك منه سوى فمه،

يشعر بشيء ساطع يطغى على ملامح وجهه،

وفي لحظة، تلاشت من أمامه،

عيناه مواجهة للسقف الأبيض،

باقيًا على سجيته لبرهة من الوقت،

أفكاره متعلقة بها بقوة،

إنها المرة الأولى التي يفكر بفتاة

بهذه الطريقة،

يتذكر تفاصيلها المخفية،

عيناها ذات اللون الساحر،

لونٌ لم يرَ مثله،

يخفق قلبه بشدة على هذه الذكرى،

ما عاد كما كان بعد لقائها.

تقاطعه والدته، فاتحةً الباب باستعجال،

تقول بصوتها المختنق

من الحزن:

"لقد عادت الحرب أقوى من سابقها،

كل القنوات تتكلم عن الخبر.."

خانتها الدموع التي انسكبت على وجهها

الشاحب ذو القليل من التجاعيد،

لطمت خديها بحسرة شديدة،

نهض مندفعًا نحوها بقلق على حالتها،

أحاطها بذراعيه في محاولة لتهدئة

أنينها الخافت.

"لا تخافي يا أمي،

سأدعو.. الله بعونهم أكيد."

---

غرفة أحاطتها العتمة من كل اتجاه،

صوت بكائها الخافت

يكسر صمت الغرفة البكماء،

تقترب ذات النزيف منها

محتضنةً إياها بين ذراعيها،

صوتها يحمل طمأنينة

وثقة لا يعتريها شك بقدرة الجبار.

"شش.. لا تخافي،

اذكري الله عند المحن.. اُتلِ آياته،

علّها تكون ساعة فرج."

"قلبي قد هرم من قلة الحيلة التي وصلنا إليها،

ما عدنا نفرق بين الثانية والساعة،

حرمونا من أبسط مقومات الحياة..

حتى ذلك الضوء البهي.. ما عاد له مكانٌ

خلا ذاكرتي."

"لا تحكي بهذه الطريقة المتشائمة،

أنسيتِ قوله تعالى:

فَصَبْرًا جَمِيلًا ۝ وَجَزَىٰهُم بِمَا صَبَرُوا۟ جَنَّةًۭ وَحَرِيرًۭا، مُّتَّكِـِٔينَ فِيهَا عَلَى ٱلْأَرَآئِكِ ۖ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًۭا وَلَا زَمْهَرِيرًۭا."

بروحها المتفائلة أعادت خيطًا

من الأمل في قلبها،

تأملتها سديل بقلبٍ خشع لسماع

تلاوتها العذبة،

صوتها هادئ تعلوه نبرة إيمانٍ قوي،

شعرت بشيء من الإحباط لتفكيرها الغبي،

نفضت أفكارها بحثًا

عن ذلك الدفء..

ينبعث من هلال التي لا زال جرحها دامياً،

متسخًا لا يغطيه سوى قطعة قماش

مزقتها سديل من بنطالها..

اتكأتا على الحائط وهن يحتضن بعضهن،

أمالت سديل رأسها لتريحه على صدر

هلال.

"أيمكنكِ تلاوة ما تحفظينه من القرآن

علينا،

علّه يضاعف أجرنا عند الله؟"

خرج صوت سديل ناعمًا بشكل

نسبي،

وما إن طلبت ذلك من هلال حتى علا صوتها

بتلاوة آياته بخشوع.

تعود بي ذكرى اعترافي البسيط له،

تستحضر ذاكرتي

روح التجلِّي التي رافقتني عند تلك اللحظة،

أمامي يقف بدهشة،

غير مدرك لكلماتي التي هزت قلبي،

رؤى التي تراقب المشهد بعينين دامعتين،

أخذت أولى خطواتي أمامه،

أفتح ذراعيّ لاستقبال حضنه الدافئ،

يبتسم بدوره

ويحيطني بذراعيه بحبٍ واعد،

لم أتمالك شعور الضعف في هذه اللحظة،

كل ما احتجت له هو حضن

من الشخص الذي يُقدّم الأمان،

دون وعي أو إدراك

انفجر بكائي بين ذراعيه،

ومن بعيد، أحسّ ببكائها الشديد،

رؤى على مقربةٍ منا

تُغطي وجهها..

أصيح بانهيارٍ تام:

"لقد رحلوا يا فؤاد..

لم يبقَ لي سِواك."

يطبطب على ظهري بحنو،

يحضنني أقرب إلى صدره،

يحاول تهدئتي بهمساته

الهادئة.. .

كلما مرت تلك الذكرى الجميلة

على خاطري،

أحس بالسكينة تخترق قلبي،

أتذكر كيف بكى جميع من رأى هذا المشهد

وكأنه لقطة

من مسلسلٍ حزين.

آمال، وأماني، ورؤى،

أم محمد، المرأة القوية

التي دمعت عيناها في تلك اللحظة،

نانسي التي بكت

مع بكائي الحار،

جميع من كانوا حولنا تأثروا لرقة

قلوبهم.

أقف الآن وبيدي وردة صغيرة

قطفها لي فؤاد وهو قادم من إحدى المهام الأولى

التي قام بها هو وباقي المحررين،

ارتدوا اللثام كما حال الذين ساعدونا،

حملوا السلاح

وآبوا إلا أن يستعيدوا حق عائلاتهم

التي سلبها الاحتلال

كقطعة حلوى أُخذت من بين يدي طفل..

أحضر عدي معه فتاة

ذات جمالٍ مبهر،

(ذكرتني بأمل)

تُدعى هذه الفتاة "هبة"،

وكأنها الهبة التي أراد الله أن يعطيني إياها،

أحببتها رغمًا عني..

تعلقت بها بشدة،

قصتها كباقي قصصنا، ولكن ما ميّزها هو شعورها

بأنها يتيمة للمرة الثانية،

فارق والدها الحياة منذ زمنٍ طويل،

لكون مرضه قد انتزع من عمره

آهاتٍ من التعب الجسيم،

عيناها مملوءتان بقوة لم أرَ مثلها،

صمودها وتخطيها للواقع الأليم

أثر بشكل كبير على

أفكاري،

صرنا – وهي – كالأخوة تمامًا،

قصصت لها حكاياتنا الحزينة،

عن تضحياتهن بوهجٍ نابع من إيمانهن العميق،

عن عهد التي لبست أبشع أقنعة

الابتسام..

تألمت كثيرًا ولكنها لقيت جزاءً عظيمًا

إن شاء الله،

تبدلت ملامحي في لحظة إلى حزنٍ باهت اللون

حين ذكرت سديل..

وكذلك الرحيمة هلال.

"وصل أخبارهن قد انقطع بعد تلك الملحمة الدموية،

اختفيتا دون أثر يقودنا إليهن،

فُقدتا وذكرَاهنّ حاضرة في أذهاننا،

لن ولن ننسى ما حيينا."

---

جميع المشاعر متشتتة،

وحتى هذه اللحظة لم تصلهم الحقيقة الكاملة،

حقيقة أن الحرب لا زالت مشتعلة،

ولكنها لحقت الآن بأناسٍ أكثر،

فقط كلمات بسيطة تنطقها المذيعة الخرساء،

هو لم يعرف كل التفاصيل،

لكنه على الأقل تكلم وفضح الحقيقة التي يعرفها،

يضغط على فخذه بنفاذ صبر،

والداه يشاهدان الأخبار بحزن،

ما عاد يحتمل الوقوف خالي الوفاض،

يود الذهاب ليقاوم بطشهم مع المرابطين هناك،

يتنهد واقفًا، لا ترافقه سوى فكرته

المتسرعة بعض الشيء،

يخرج وهو يلتقط مفتاح دراجته من فوق الدرج،

يقودها إلى وجهة مجهولة،

وصوت هديرها قد دوّى في المكان...

يجوب الشوارع الخالية بعقله المتضارب،

يتوقف الآن أمام مبنى شاهق

لعمارة سكنية،

يدخلها متوجهًا إلى إحدى شققها التي يعرفها،

شقة تحوي اثنين من أصدقائه،

يفتح الباب بركلة من قدمه،

يجدهم يشاهدون التلفاز بتعابير حزينة،

يصيح بهم دانيال بصوته الذي يقطر

شيئًا شبيهًا بالغضب:

"جابر، علي...

لقد قلت لكم لكنكم لم تصدقوا،

وبكل صراحة...

لديّ استعداد للمخاطرة بحياتي

من أجل أن أراها ثانية!"

..ـــــــــ..

شاركوني أرائكم لانها مهمة جدا

ترقبوا الفصل القادم

في أمان الله 💚

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ما تبقى من أنوثة!

المؤلف waad hetham🎀
2025/07/23 مكتملة
قائمة الفصول (17)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة