اللقاء الأول
تتلاقى الأعين عند المضيق، ربما يكون الألم طاغيًا،
لكنه محب لكل جديد...
الصمود والإيمان،
فإذا اجتمعت هاتان الصفتان
تخلق إنسانًا يقف بوجه كل المحن والصعاب،
قد يتضرر
بشدة ويتعرض لأسوأ الجراح،
مع ذلك
لا يشعر بتلك الآم...
ليس فقدًا للإحساس، بل لأنه يؤمن بالدين
الذي أغرقه باللذات...
النهج الذي سار عليه الآف الناس،
كيف يشعر بالضعف أو الخوف
بعد ذلك؟
ـــ
لا أدري أين تقودني قدماي،
فقد أدفعهما بعيدًا عن
أغبرة الحرب،
أنظر إلى يدي التي قطرت من الدماء كما
هائلًا استنزف
من جسدي آلاف الكريات الحمراء،
طنين يغلق أذناي عن
الصخب الذي حولي،
على مرأى عيني اختفت خيالاتهم،
أمسك سلاحي لأتأكد أن مخزون الرصاص لم ينفد،
حائرتان أمامي سؤالان،
إما أن أعود أو أكمل مسيري للمجهول.
...
ها أنا أقابل المصير الذي اخترته...
أجثو على الأرض هَرِمة من التعب والإعياء،
لا أتذكر تفاصيل الأحداث فجميعها مشوهة
بخربشات...
رأسي منحني، أضغط على مكان جرحي لأخفف
من شعور الألم الذي يلاحقه،
عقلي مشوش،
غير مدركة للمكان الذي أتواجد به،
الشيء الذي أعرفه أني
على مقربة لطريق، فقبل أن أسقط لمحت ذلك الأسفلت
الأسود،
صوت هدير محرك لوسيلة نقل
أعاد سمعي إلى حالته الطبيعية،
خمنت أنها دراجة نارية،
لم أكترث ولم أحرك ساكنًا.
ينهض شاب طويل البنية من الدراجة،
يخلع خوذته ملاحظًا الدماء التي تغطي ذراعي،
اقترب بعد أن وضع خوذته على
الدراجة، خطواته هادئة
أشبه بهرة صغيرة تقترب من فراشة،
تكلم محاولًا مساعدتها.
"مرحبًا،
أنتَ منيح؟"
لهجته ليست كلهجتها تمامًا،
رفعت رأسها
غير قاصدة لتبادل نظراتها مع نظراته،
لبرهة من الوقت ظلت على هذا الحال،
أدركت أن عليها الابتعاد،
اعتدلت في وقفتها رغم الانحناء البسيط إثر
الإمساك بعضدها،
تفاجأ الشاب قليلاً من استدارتها.
شعور بالرهبة تملكني،
لا أريد أن أُريّ أحد ضعفي مع أني بحاجة ماسة لمساعدته،
تقدمت بضع خطوات لكني تسمرت مكاني
لما أحسست بيده على كتفي،
أبعدتها عني بسرعة
ثم استدرت إليه مجددًا بتعبير صارم مخفيةً
صوتي الأنثوي بصوتٍ رجولي
بعض الشيء.
"لا تلمسني."
"ما بالك يا رجل؟
ما المشكلة إذا وضعت يدي على كتفك؟
أردت فقط إيقافك لأساعدك."
تنهدت،
صوتي ضعيف...
ما عدت أطيق هذا الألم.
"لا شيء...
لا شيء..."
راقبني بتعبير قلق،
حاول الاقتراب لكني تراجعت،
هو يحاول مساعدتي
لكن هناك حاجز بيني وبينه.
"لا وقت للجدال، عليّ أخذك إلى المشفى."
عادت إلي بعض القوة
لكي أتحدث بوضوح:
"قصتي طويلة،
لن أذهب إلى المشفى بسلاحي."
استدرك كلامي وفهم
أنّي ربما أعمل
في دائرة حكومية أو شيء من هذا القبيل.
"حسنًا...
هناك مخزن قريب من هذه المنطقة،
أظن أن به إسعافات أولية،
هيا بنا إذا..."
صعد على دراجته ظنًا أني سأركب خلفه،
راقب نظرات عيناي
شعر ببعض الشك حول جنسي،
تنحنح مردفًا:
"عفوًا، هل أنتِ أنثى؟"
ـــ
"يقين، أمل..."
شعور بالذنب يعتلي كل منهما عند سماعهما
لكلمات "سديل" التي تبحث عن وعد
بالإرجاء...
الاشتباكات قد انتهت بعد انسحاب العدو
نتيجة للضربات
التي قتلت أعدادًا كبيرة منهم،
كانت كل من
يقين،
أمل،
سديل،
بسمة،
آخر من تبقى في ساحة القتال،
اختفت وعد ولا أثر لها،
صوت عدي الذي أتى من بعيد محدثًا لهن
بعد أن تجمعن فور انسحاب العدو.
"الحمد لله...
كنتن بطلات حقيقيات في هذه المعركة."
أصبح على مقربة منهن،
لاحظ تعبير القلق في أعينهن،
فهم أنهن فقدن واحدة منهن.
"أين هي الآن؟"
أجابت أمل بحزن:
"لا نعرف، كانت تقاتل معنا
وفجأة اختفت..."
"سديل" أكثر من أثر بها اختفاء وعد،
آخر شخص تبقى لها من عائلتها
اختفى بلمح البصر،
اقتربت يقين منها متحدثة:
"هيا لنعد مع عدي،
بالتأكيد هي بخير..."
"كيف ستكون بخير وقد رأيت الرصاصة تخترق ذراعها؟"
أجابتها بانفعال وحزن في آن واحد،
شعر عدي بتوتر الوضع بينهن.
"يا فتيات يكفي،
لا تقلقن عليها ما دامت في رعاية الله،
سنبحث عنها لنتأكد إذا استُشهدت
أم لا تزال على قيد الحياة."
بخطوات ثقيلة عُدن برفقة عدي إلى الملجأ،
شعوره غريب يشعر بشيء
من الفضول نحو تلك المدعوة وعد...
كان كل شيء على حاله في الملجأ،
الساحة مليئة بالجرحى،
آمال الوحيدة القادرة على العلاج
بجانبها هلال التي نجت من الموت بفضل آدم،
فقد حكت لآمال قصتها،
نانسي تركض وتلعب،
ضحكاتها تغطي ساحات المكان،
كسر تلك الضحكات دخول عدي والفتيات،
تبحث نانسي بعينيها عن وعد،
اقتربت من عدي بحزن:
"أين وعد، لما لم تحضرها معك؟"
ركع عدي أمامها وهو يخلع
اللثام.
"ستأتي، لكن ليس الآن..."
امتلأت عيناها بدموع صامتة انتثرت على وجهها،
جذبها عدي نحوه في عناق هادئ،
بينما أكملن الفتيات سيرهن إلى الداخل...
أجلس بهدوء على السرير المعدني
المتواجد في هذا المخزن،
ضمّدت جراحي بالشاش الأبيض الذي أعطاني إياه،
أشعر بتحسن أكبر الآن،
وجهي مليء ببعض الجروح،
وجدت مرآة اعتدت فيها لف الكوفية على وجهي،
لا أريد أن يعرف شكلي.
بعد مدة انتفضت على صوت صرير عالي إثر فتح
ذلك الباب الخشبي،
توقف أمامي مستغربًا من حرصي الشديد على
كتم هويتي.
"أنتِ لست من هنا؟"
"أنا لست فتاة."
"لا تكذبي،
كل الدلائل تشير إلى أنك فتاة، هذا واضح
بسبب قصر قامتك وهيئتك الضئيلة."
لم أنبس ببنت شفة،
فقد وجهت نظراتي إلى الأرض.
أهرب من استجوابه عن طريق تذكري للأحداث التي مررت بها في الحرب،
ليست لدي نية في قول أي شيء،
أحسست بأنه وضع شيئًا بجانبي وخطواته
تتلاشى عن سمعي شيئًا فشيئًا،
أمسك مقبض الباب لكنه نظر إليّ متحدثًا بصوت هادئ:
"خذي راحتك، لن أعود هنا حتى أتأكد أنك بخير."
خرج بينما أنا نظرت إلى جانبي،
وجدت كيسًا ورقيًا،
قمت بفتحه.. يحتوي على طعام صحي وبعض المسكنات
الطبية وقارورة مياه،
دعوت له في سري وقبل أن أنسى
أخرجت الختم من جيبي
وتلوت بعضًا من آيات القرآن في سري...
...
كل ما أتذكره من كلماتها عندما وصتني بالمحافظة على صلاتي،
الصلاة هي صلة العبد بربه.
ما عادت الكلمات تتدفق من فمي
كما في باقي الفصول،
أنه كمكافأة بسيطة على المجهود الذي بذلته،
لم أمتلك خطة محكمة لهذا الفصل،
فقد أردت منه أن يكمل
سائر الأحداث.
..ـــــــــــ..
أظن أن بعض حواراته تحتاج تعمق وكتابة أحداث أكثر
سأعدل عليها إذا أزعجتكم،
ترقبوا الفصل القادم
في أمان الله💚
waad hetham🎀