حربٌ
قلّةُ الذخائر لم تُعِق هدفَنا الأول…
فالفوزُ غيرُ مرتبطٍ بعدد الأسلحة أو الذخيرة،
بل بالحِنكة، الصبر، والصمود،
والأهم...
الثقة بالله.
أولُ رصاصةٍ تعني بدايةَ حربٍ ذات وجهين،
أخضرٍ وأسود،
بينهما لونٌ أحمرٌ قانٍ.
ذكرياتٌ تؤثر على صحتِنا النفسية،
وبذلُ طاقةٍ كبيرة، وتحركاتٌ، وطلقاتٌ نارية
من أسلحتِنا،
تؤثر في أجسادِنا الهشّة...
---
"بدأت الحرب."
بصوته الذي زلزل كيانَنا وأشعل نارَ القوة في عيوننا،
قسمونا إلى ثلاث مجموعات،
كما تدربنا تمامًا،
أنا وأمل، المحاربة التي تخلّت عن ملامح الأنوثة
بكل ما تحمله الكلمة من معنى،
ويقين، الأكثر إيمانًا وحنكة،
فهي ببساطة،
من ستكون قائدةَ كتيبتنا (مجموعتنا).
سديل وأنا،
ما يميزنا هو الهدوء
الذي ما بعده عاصفة من الحقد والانتقام.
لن أُبالغ إذا وصفتُ دقّتنا في إصابة الأهداف،
مهما كان بُعدها عن مرأى أعيننا،
أليس غريبًا وقد ذكرت سابقًا
بأنه كان من الصعب عليّ استخدام
السلاح بصورة جيدة؟
مهما يكن...
أنا سريعة التعلّم
واستدراك الأخطاء.
كما أن عهد،
من أبرز الفتيات اللواتي
يتواجدن في فرقتِنا،
الفتاة التي تدور حولها آلاف التساؤلات،
ليس بسبب غموضِها،
إنما لقدرتِها العجيبة في سرد قصة حياتِها،
تسردها...
بوجهٍ لا يخطه تعبيرٌ مناسب
لكل كلمة...
ولن أنسى بسمة،
كما يُقال
"اسم على مسمّى."
بشوشة الوجه، حسنة الخُلق،
كأنها نَسمة بحر
تهب أول الصيف،
تمدنا بالأمل،
وتسحب ملامحنا لنرسم مثل بسمتها
الحلوة،
تزودنا كذلك بجرعةٍ من الصبر واليقين.
سهام،
هدوؤها يُذكرني بخالتي المتوفاة
"رحمها الله".
صفا،
كبحيرة مياه هادئة، بعيدة عن ضجة
العالم...
للأسف، آمال لم تكن في فرقتنا،
لكن هذا بكل تأكيد لن يُعيق تحركاتِنا
التي بدأت الآن.
أمر القائد خليل
فرقتنا بالتحرك،
مكوّنين من عشر فتيات،
وبالنسبة للخطة،
عددنا موفقٌ جدًا، لن نقاتل وحدنا بكل تأكيد،
ففرقة الملثمين ستحيطنا من الخلف،
وكذلك باقي
فرق البنات سيتواجدن في الأرجاء...
"بدأ التحرك، استعدوا جميعكم،
والأهم تسلّحوا بالإيمان."
هذا ما قاله القائد خليل أمامنا،
تجمّعت كل فرقة مع بعضها
لنستعد للهجوم،
تسلّحنا جيدًا،
والأهم، تأكّدنا من أنهم لن يستطيعوا التمييز
بيننا وبين الرجال.
ذهب باقي الملثمين إلى مكانٍ بعيدٍ عنا
ليتيمموا...
للصلاة هنا في هذه الساحة...
أعطونا مساحة لأخذ راحتنا
لخلع الكوفية الملفوفة على رؤوسنا،
أتذكر أول مرة شرحت
لنا أم محمد
كيف نتيمم بالتراب،
جميعُنا،
وفي آنٍ واحدٍ وروحٍ واحدة،
نوينا في قلوبِنا التيمم من أجل الطهارة...
ركعنا أرضًا لنكون على مقربة
من التراب،
مددنا أكفّنا، ومسحنا بالتراب على يدينا،
ثم وجوهنا بخفة،
ثم بكفّنا اليمين مسحنا على اليسار،
ونفس الخطوة لليد اليمنى.
ما إن انتهينا،
كانت أم محمد تراقبنا بعيون
ترأف على حالنا،
نانسي التي غفت في حضنها،
ساعدنا بعضنا في ارتداء الكوفية
كما كنا نرتديها سابقًا...
تُغطّي كامل الرأس ما عدا العينين.
عادوا بعد برهة،
تأكدوا قبيل عودتهم أن جميعنا
محشمات.
وقفنا خلفهم بينما هم تمركزوا في المقدمة،
أمّنا إسحاق،
الشيخ الأكبر سنًا،
كبّر بصوتٍ عالٍ،
ونوى جمعَ صلاة الظهر والعصر.
...
انتقلت الأحداث بعدها من شيءٍ مشبعٍ بالإيمان
إلى دمار...
تشكلت فرقتُنا دائرة، ظهورُنا إلى الخلف، وأسلحتُنا موجهة
أمام دبابات الأعداء.
"الله أكبر!"
رجّت أصواتُنا العالية قلوبَهم الجبانة،
حوالي خمس دبابات،
المقاومون تخلصوا من أربع،
نحن نطلق رصاصاتِنا باستمرار...
انتابني شعورٌ بالقوة،
لم أشعر بالخوف أو الرهبة في هذه اللحظات،
مع كل رصاصةٍ تسمع تفجيرًا،
هم بعيدون عني، لكن أُصيبهم بكل سهولة،
كل فرقة تقوم بعملٍ ممتاز،
لا مصابين... لا جرحى.
في هذه اللحظات الملحمية قررت يقين اتباع
خطة أخرى...
من نظراتِها نفهم ما تريد قوله،
نتفرق عن بعضنا،
أركض ولا أدع أي رصاصة تُصيبني،
أتخفّى بين العشب، خلف الأحجار،
أو حتى الغبار الذي خلّفته
هذه النزاعات الملحمية...
مكان مفتوح، بعيد عن الملجأ
كيلومترات كثيرة...
أدقّق النظر في الأفق، يبدو أننا في منطقة مرتفعة
نسبيًا،
بعيدة عن المقدسات والأماكن الدينية
والأثرية...
(الخلا).
من وجهة نظر أمل،
تقول إن تجربتها أحيتْها وأعادت لها ذكرياتٍ
قديمة، تُفرغ طلقات سلاحِها
على كل شيءٍ يصادفها.
عهد، وتلك الأطياف التي تُطاردها،
تركض وتقتل أرواح من سلبوا حقوقها،
تكرههم بشدة،
تريد فقط قتلهم...
ينفتح باب الذكريات...
جُرح لا يزال ينزف داخلها.
> ["صوت أنثوي ناعم جدًا، قادم من المطبخ:
"عزيزتي عهد، تعالي هنا رجاءً."
تركت عهد ألعابَها وتوجهت إلى الصوت، تنظر لها بعينين واسعتين...
أبوها يحتضنها برفق إليه.
"عهد... انظري، لقد جلبتُ لكِ أمًّا."
"أم؟..."
"نعم يا عزيزتي، أنا هي أمك."
وضعت المرأة يدَها بلطف على كتف عهد وهي تركع أرضًا لتصير بنفس طولها.
"لكن أمي ماتت..."
"ليست كما وصفتَها لي يا والدي."
قالتها بدمعةٍ سقطت حرة من عينها.]
فجأة، أحسّت بشعور
غريب،
ظلّت تركض، إصبعُها يضغط على الزناد
بضغطاتٍ متتالية...
توقفت، تنظر إلى جسدِها بصدمة،
لحسن الحظ، كنتُ قريبةً منها،
بحثتُ بعينَيّ عمّن تسبب بتلك الرصاصة التي اخترقت بطنها.
"يا الله... هم كُثر، لكن علي أن أحميها."
ركضتُ بأقصى سرعة تجاهها،
غطى الغبار مجال رؤيتي،
أسندتُ عهد بذراعي،
وبيدي الحرة بقي السلاح يُطلق رصاصاته
على أي أحدٍ قريبٍ منا،
أصوات إطلاق النار اجتاحت حاستي السمعية،
عهد في حالةٍ يُرثى لها.
مددتُ يدي في أحد جيبي،
وجدتُ قطعة شاش مع قطنٍ صغير،
اضطررتُ لإبعاد القميص عن بطنِها لمحاولة الضغط على الجرح ولفّه بالشاش،
كان ثقبًا صغيرًا، الرصاصة سريعة لدرجة أنها خرجت من جسدها دون عرقلة،
ثقب صغير على جانب بطنِها،
وبين محاولاتي للف الشاش سمعتُ صوتًا مألوفًا...
صوتها داوى المكان وأحياني من صدمتي.
"وعد..."
ركضت ناحيتي والصدمةُ اجتاحت كيانَها،
وقفت بجانبي
في محاولة لحمايتي أنا وعهد،
اطمأننتُ قليلًا،
وبسرعة أنهيتُ تضميد الجرح،
اعتدلت واقفة، وأسندت جسد عهد
على جسدي،
أُمسكها بإحكام، بينما سديل
تمشّط المكان بعينيها،
تُطلق رصاصات دقيقة وأحيانًا
عشوائية،
لاحظت وقوفي، وبسرعة ساعدتني هي الأخرى في
سندِها،
حاولنا الإسراع في خطانا لكن تفاجأنا بالأسلاك الحديدية.
"هل هذه الحدود البرية بيننا وبين الأردن؟"
سألت سديل باستغراب.
"أجل... إنها حدود برية،
هيا لنعد بسرعة."
سرنا عائدين إلى أصوات الرصاص،
رائحة البارود قد غطت،
لا ندري كم من الوقت مضى ونحن نسير،
لكن فجأة...
توقفت أمامنا دبابة ضخمة،
ومن الخلف، صوت تكبيرات.
"علينا الركض، عهد هل تسمعين؟"
تئنّ بألم، لسنا على استعداد لتركها،
أسرعنا بخطواتِنا أكثر حتى شعرنا بخفة،
أجل، إنها تُقاوم،
رمَت ألمها جانبًا وتعدّتنا ببعض الخطوات،
ركضنا نحن بسرعة،
مُمسكين بيدي عهد...
عهد هي بطلةٌ بنظرنا جميعًا،
تلقت أسوأ معاملة من زوجة أبيها،
تغار منها لأن أباها يحبها
أكثر منها...
لم يعلم أي شيء،
لكن ما قلب الموازين أنه في أحد الأيام دخل رجل غريب إلى منزلهم،
نظر إلى عهد بخبث، ثم إلى
زوجة أبيها،
كأنه يطلب الإذن بفعل فعلته الشنيعة،
اغتصبها بوحشية أمام ناظري
تلك الحقيرة،
تجلس قدمًا على الأخرى، وبيدها تُدخن سيجارة،
تضحك بصوتٍ عالٍ غير
مباليةٍ بصراخات الاستغاثة من تلك الصغيرة،
للأسف، في هذه الأثناء دخل والدُها وصُعق مما يحدث،
ببرودٍ اقتربت زوجته وطعنته أمام
ابنته...
"عهد... عهد."
تنظر عهد إلى نفسها، يبدو أنها في لحظةٍ ما فقدت وعيها...
لا تتذكر متى، لكنها تصعق أكثر عندما تجد نفسها
في ساحة الملجأ،
ليست وحدها، بل العديد من الفتيات،
مُستلقيات أرضًا،
مصابات في أماكن مختلفة.
تقدمت آمال منها بابتسامة،
الغريب أنها لا تُغطي وجهها بالكوفية،
بل على العكس، ترتديها
كحجابٍ يُغطي شعرها ورقبتها فقط.
"ماذا حدث؟"
توجّه سؤالها إلى آمال الجالسة على مقربة منها.
"لا تقلقي،
كل شيءٍ على ما يُرام،
لا تزال الحرب قائمة،
وأنتِ كنتِ من اللواتي أُصبن في ملحمة
المعركة...
بالإضافة إلى أنه تم إحضاركِ إلى هنا من قبل
سامر، ذاك الملثم الذي يُلقي النكات دائمًا."
"حقًا؟"
"أجل، إصابتكِ كانت بليغة،
وأيضًا أُغشي عليكِ وأنت تركضين مع وعد وسديل.
والحمد لله أن سامر كان على مقربة منكن، لأنه ما إن رآكِ
حتى حملكِ وعاد بكِ إلى هنا."
...
انقشع ستارُ النور أخيرًا،
بدأ العدو بالانسحاب تحت ضرباتنا المستمرة،
أطرافُ المشاركين هم نحن فقط،
نحن وذخيرتنا، نرجو ألا تخذلنا
في هذا الوقت بالذات.
افترقنا، أنا والفتيات مجددًا،
ولم أنتبه أني أبعدتُ مسافة كبيرة
عنهن...
فجأة، رصاصةٌ اخترقت عضدي
وتركتني جسدًا ينزف
من أثرها دمًا.
..ـــــــ..
رأيكم في تسلسل الأحداث
بالاضافة إلى قصة عهد،
ترقبوا الفصل القادم
أستودعكم الله💚
waad hetham🎀