عسقلان...

عسقلان...

19 0

عسقلان...

ألقى بالكوفية على كتفيه، فاتحًا ذراعيه متأهبًا لاستقبال حضنها الدافئ.

ركضت والوشاح قد تطاير عن رأسها، بثوبها المطرز بخيوط حُمر،

قفزت بين ذراعيه، تردد اسمه كسحابة بيضاء،

كأن لقاؤه سيعيد وطنها المحتل.

معركة دامية تحسم كل التقدمات،

ما عاد لنا السكوت على قتل تلك اللحظات،

آن الأوان لننطلق،

ونتحرر من بطشهم...

---

ما لم يكن في الحسبان...

صباح يوم جديد، تشرق فيه شمس الخريف،

بعد شهور مكتظة بأحداث موجعة،

مرّ على اختفائهن شهرٌ كامل،

شهر انقطعن فيه عنا...

تعود بي الذاكرة إلى صواريخ الحرب التي تدفقت بأعداد كبيرة على المدن،

رغم بُعدنا عنها، إلا أن شظاياها نخزت قلوبنا من صوتها الدامي،

العالم بعيد عن كل هذه المجريات،

وكلّه بسبب انقطاع الكهرباء وكذلك الإنترنت بشكلٍ تام،

يستحيل إرجاعه،

استغلّه الاحتلال لارتكاب أبشع جرائم الحرب،

والأسوأ هو ذلك القرار...

قرار هدفه الأول جعل الإناث اللواتي في أول عمرهن

يُستعملن كأدوات تسلية للأوغاد...

لا يزال كل شيء على حاله،

كل ما فعلناه هو التخطيط لأجل الملحمة الكبرى،

كما سُمِّيت...

خطة عسقلان،

مخاطرة كبيرة ستحقّق ضررًا جسيمًا بنا،

نحن قلة أمام أعدادهم الضخمة،

وبطريقةٍ ما، لم نعد نقاتل وحدنا...

---

يومٌ جديد...

أستيقظ فيه قبل جميع الفتيات،

أبدّل ملابسي وأخرج بسرعة للأسفل،

ما لم أتوقعه...

واقفًا أمامي دون لثام،

اصطدم وجهي بصدره وبسرعةٍ تراجعت،

بنيته ليست غريبة،

أمعنت النظر في عينيه بفضول،

تعلقت نظراتي بنظراته.

"خليل..."

تراجعت محرجةً من الموقف الذي أقحمتُ نفسي به،

لقد كان في غرفة أم محمد،

بدا وكأنه يودعها،

هرعت نحو الساحة باحثةً عنه بعينَيّ،

لاحظني فاقترب مني بخطوات هادئة،

يعرف تمامًا ما سأفعله،

لكنه سبقني بعناق حانٍ، مقبلًا جبهتي بحنان الأرض.

"أستودعكِ الله يا أختي،

لن نتأخر...

تعلَمين أن هذا التدريب هو الحاسم."

خرجت كلماته بهدوء وإيمان،

كسر العناق مبتعدًا عني، فقد بدأوا بالرحيل،

كنت أرغب بقطف وردة وأهديها له،

لكن لم يُكتب لذلك القدر،

لوّحت له بابتسامة ناعمة ارتسمت على محيّاي،

ودعته ودعوت له في قلبي،

قادهم عدي وسامر، بينما بقي آدم وأحمد في الملجأ،

أتعقب أثره بعينيّ المبتسمتين،

فجأة، أحسست بشخصٍ واقفٍ بالقرب مني،

التفتُّ إليه برأسي بينما تورّدت وجنتاي خجلًا،

نظراته بعيدة عن هيئتي،

نطق بكلماته الواثقة:

"الفتيات هنا في حمايتكِ،

أرجو أن تكوني على قدرٍ من ثقتي...

أستودعكم الله."

أنهى حديثه وهو يبتعد عني،

يلحق بالذين سبقوه إلى مهمتهم الأولى.

"ليست عسقلان..."

أيَثق بأن أكون كفؤًا؟

أحمل على عاتقي حماية أخواتي...

نظرتُ إلى شباك غرفتهن وأنا بالأسفل،

شعرتُ بأن عليّ حقًا أن أنتزع ذلك القناع مني،

وإلى الأبد،

عالمُنا لا يحتمل المزيد من الضعف...

أفكارٌ تحوم داخل عقلي،

أشبعت قلبي بأحاسيس حامية،

أحاسيس تحمل طابع القوة والإصرار...

الإيمان الخالص، والثقة بخطط الله.

---

عالمٌ بعيد عن الصراع الملحمي...

دانيال، الذي يسابق الهواء وهو يقود دراجته النارية،

يتطاير الشرر من حوله،

خوذته التي تخفي ملامح وجهه،

أمامه كاميرا تصوره بدقة،

وقتٌ كالدقائق يمر...

قلبه يخفق متذكرًا إياها،

أخيرًا، توقف على جانب الطريق،

مكانٍ بعيدٍ عن البشر المزعجين،

يخلع خوذته ويثبتها على يد دراجته،

يجلس على صخرة عملاقة،

يراقب غروب الشمس وألوانها البهية،

يهمس مع نفسه بإحباط:

"ما عدت أطيق البقاء هنا...

أرغب في التواجد معها في عالمها ذاك،

أود أن أحسّ بتلك المشاعر الملحمية...

لكن كيف؟

كيف وأنا لا أفقه شيئًا عن الحرب؟

إيمانها، يقينها، قوتها،

أنثى بطابعٍ رجولي..."

يضحك بخفة على جملته الأخيرة،

حاول، لكن دون فائدة،

ظهر أمام أعينهم وحكى قصتها بأدق التفاصيل،

يرغب بالذهاب إلى هناك،

متخطيًا الأسلاك الشائكة دون خوفٍ أو رهبة،

على مقربةٍ منها بسلاحه الذي يقذف

الرصاص في جهة الأعداء.

اهتز هاتفه القابع في جيبه قاطعًا اندماجه

في أفكاره،

أخرجه ليجد رسالة من أصدقائه الذين أعلنوا بصريح العبارة عن خطتهم المجنونة،

هم الثلاثة فقط:

جابر، وعلي، ودانيال...

أقف خارج أسوار الملجأ،

أو على القول بأنها مدرسة نائية بعد الشيء،

على إثر الحرب اتخذوها ملجأ...

بيدي سلاحي، لا يبان من ملامحي سوى عيناي،

وكلني القائد آدم قبل رحيله

بمهمة المراقبة من الخارج،

لست وحدي فقد تطوعت أريام لهذه المهمة

رغم خبرتها البسيطة في استخدام السلاح،

على مقربة مني،

تحدثت بابتسامة واسعة:

"عندما واجهتِ أخاكِ بتلك الحقيقة،

لماذا عانقته وانفجرتِ بكاءً بين ذراعيه...

كان مشهدًا مؤثرًا،

راقبته باكيًا بشدة...

جميعنا بكينا في هذه اللحظة،

لم نتوقع رد فعل كهذا،

وبصراحة كل ما أعرفه عنكِ هو شجاعتكِ وقوتكِ..."

"أريام...

أعرف أن رد فعلي كان صادمًا، لكن هذه هي الحقيقة،

تتذكرين لحظة أخباركِ لنا بقصتك...

لما ما عدتِ قادرة على ضبط نفسك وانفجرتِ باكيةً؟"

ابتسمت بانكسار...

"أتذكر... بالطبع لن أنساها،

كنت أشعر بوحدة شديدة، لكن عندما تجمعتن حولي وحضنتنني جميعكن،

شعرت بالدفء حينها..."

اقتربتُ محوطة بها بين ذراعي،

جاذبها إلى عناق دافئ،

تداوت أصوات حركة حول المكان،

أمسكت بسلاحي موجهةً إياه نحو الصوت،

دون سابق إنذار انطلقت رصاصة

نحوي مباشرة،

لم أستوعب ما يحدث،

دفعتني أريام جانبًا في محاولة لحمايتي،

لحظة دامية جعلت الدم يتجمع في عروقي عندما اخترقت الرصاصة مكان قلبها،

مستقرةً داخله،

ركض الشخص مبتعدًا عنا بسرعة،

أطلقت صوبه رصاصتين قبل أن أسعف الواقعة أرضًا،

هرعت آمال وأماني نحونا،

بينما أنا أحاول سحب أريام إلى ساحة الملجأ،

فات الأوان...

قلبها لا ينبض، تنفسها قد انقطع،

على الأرض واقعة،

لا أنين ولا حراك،

ركعت بجانبها بفزع...

مددت يدي المرتعشة نحو وجهها الذي نُزع عنه الكوفية،

وجهها بارد بشكل مخيف،

فمها مليء بالدماء.

"عادت إلى بارئها دون وداعنا..."

نطقت أحرف كلامي بلغةٍ يملؤها الغبن،

القدر كوترٌ رفيع لا تتوقع متى ينقطع...

هذهِ حالنا تمامًا،

الأوتار تمثلنا نحن البشر، فحين تنقطع، هذا يعني

موتنا المحقق.

تركناها على الأرض ومسكها عطر المكان

برائحته العذبة،

نهضت معتدلة في وقوفي،

ما عادت مشاعري كما في السابق، أرغب بالبكاء،

لكن قلبي مشبع بالانتقام منهم،

أردفت أماني بنبرة يكسوها غصة مؤلمة:

"رحمها الله...

كانت خير صحبة صالحة."

ربّت على كتف أماني مواسية،

بينما سمعنا غناءها البريء الذي انساب في

أرجاء المكان،

بيدها دميتها وصوتها الذي يقترب منا أكثر فأكثر،

خرجت شهقتها بصدمة،

تبعتها بكاء حاد وفي مشهد مليء ببراءة تامة،

تجلس وهي تحتضن رأسها،

وبكاءها الذي يعلو شهقاته،

تتحدث بصوت متقطع أشبه بعتاب...

"أمي لا تتركيني مجددًا،

أستيقظي... أرجوكِ."

توقفت أمامها وأنا أمد يدي نحوها،

أكلمها بصوت حنون:

"تعالي معي يا نانسي،

هي بخير..."

تجاهلتني مكملة بكائها،

بينما أنا ركعت على ركبتيّ وحضنتها إلى صدري،

أطبطب على ظهرها لتخفيف بكائها،

بادلتني العناق بقوة،

بهدوء حملتها إلى داخل الملجأ...

---

عودتهم بعد الرحيل...

أخيرًا، بعد أسبوعين من بقاءنا في الملجأ لوحدنا،

وخسارتنا لرفيقة عزيزة،

عادوا محملين بنصر كبير،

لمحت من بينهم شخصًا بدا مألوفًا،

خرجنا أنا وآمال وأم محمد

لاستقبال حضورهم،

نقف عند المدخل...

أفتش عنه من بينهم، يراني واقفة هناك،

يقترب مني بخطوات سريعة،

بينما يخرج وردة من جيبه،

بدت جافة قليلاً لكن رائحتها أعادت نبض

قلبي للحياة،

ابتسم خجلاً على هديته الجميلة،

بادلني الابتسام مردفًا بهدوء:

"خفت أن أعود خالي الوفاض،

فأحضرت لكِ هذه الوردة...

اقتطفتها وأنا عائد من تلك المعركة."

"ما كان عليكَ أن تحضرها،

كنتُ سأكتفي بحضن وحتى بابتسامة صغيرة."

ربّت على رأسي،

بعدها ابتعد... همست آمال في أذني بفرح:

"أنتِ محظوظة لامتلاككِ أخًا مثل هذا..."

---

هدأت الأصوات وقدوم الليل الذي أنسى

عقولنا التفكير بأي شيء،

جميع الفتيات غارقات في نوم عميق،

لكنني لم أستطع النوم،

أرتديت ملابسي وأخذت سلاحي،

قررت الذهاب للحراسة متناسية وجودهم حولنا،

الليل حالك السواد،

لا يسمع إلا تطاير نسمات الهواء في الجو،

هدوء جعلني أقف،

أستنشق نسيم الهواء البارد،

جبت الساحة ذهابًا وإيابًا،

عقلي هدأت أفكاره أخيرًا،

أشعر بسعادة مفرطة كالإكستاسي،

مصطلح قد سمعت عنه فيما مضى من الماضي.

من بعيد يقف مراقبٌ إياي،

يكافئ محاولًا التقدم نحوي،

لاحظته يقترب مني أكثر فأكثر،

ملامحه غير واضحة،

لكن هيئته غير مألوفة فلم تمر على مرأيي من قبل،

أردف بنبرة جعلتني أحس بأني سمعتها

سابقًا:

"السلام عليكم...

أنا دانيال، أتذكرينني يا وعد؟"

أحسست بشعور غريب،

مزيج من الصدمة والشك،

تراجعت مبتعدة عنه،

صعدت إلى الغرفة بمشاعر معقدة صعبة الوصف،

فتحت الباب داخلةً من خلاله،

جلست متكئةً برأسي على الحائط،

أحاسيس غريبة تجمعت حول عقلي،

محاصرة أفكاري،

أتمتم مع نفسي بصوتٍ مرتعش:

"كيف... أنا أتهيأ أكيد..."

-----

نارٌ ورصاصٌ رمادي...

تعلو أصواتنا بتكبيرات، وأسلحتنا التي تسير شامخةً

بعلو أيدينا،

انطلقنا متفرقين إلى عسقلان...

المعركة الحاسمة التي خططنا لها منذ أشهر،

حملنا معنا السلاح وقلبٌ يصرخ بإيمان،

مشبع بآيات القرآن،

ودعتنا أم محمد ودموعٌ تسيل على خديها،

نانسي تتمسك بثوبها،

آمال بجانبهم مترددة، أترحل معنا أم تبقى...

سرنا على أقدامنا نحو مسير طويل،

تتلاشى ظلالنا عن مرآهن،

ساحة القتال قاب قوسين أو أدنى،

ما عدنا نحمل في قلوبنا سوى النصر...

على بعد أميال طويلة

بدأ المقاومون بالظهور من كل حدب وصوب،

لسنا وحدنا في هذه المعركة،

جميع سكان الوطن شدّوا سواعدهم كجذور شجرة

زيتون كبيرة.

أمر بعيني على كل واحد منهم،

أحفظ وجوههم لكي لا أنسى هذه الذكرى،

رؤى، أماني، وهبة،

ما تبقى لي من ركام الحرب،

وصلنا مع تطايرات الشرر من فوقنا،

انفجارات تصم الآذان من حولنا،

ضباب أفقدنا الرؤية...

بدأت الحرب!

أضرب الرصاص من فوهة سلاحي راكضةً في اتجاه،

وكل رصاصة أكبر بعلو صوتي،

ضرباتٌ لن تهدأ إلا بفوز أحدنا.

غطت رائحة البارود والرماد بطغي على جل حواسي،

أقاتل بقلب يحمل قسمات الثبات والقوة،

المح ظل هبة من بعيد،

تقاتل بقلبٍ مثخن بالإيمان،

تتتالي الرصاصات متطايرة من حوله،

بلحظة ملحمية تسقط على مقربة منها قنبلة،

تتعرقل قدمها بها مسببةً اختلالًا في توازنها،

تسقط، ويبتعد السلاح عن يدها،

تفتح عيناها وتجرّ نفسها لالتقاط السلاح،

لكن انفجار القنبلة كان أسرع،

تناثرت أشلاؤها وتطايرت مع استمرار الضربات،

قلبي شلّ عن النبض،

مذكّرًا إياي بمقتل عهد...

أمامي قنبلة لم أعلم بوجودها،

تلتف يدها حول معصمي، ساحبةً إياي بقوة يعجز اللسان

عن وصفها،

توقظني من صدمتي رصاصة مرت من جانبي،

تذكرني بأني لا زلت على أرض المعركة،

أتابع ضرباتي بجسد قد نسي معنى التعب،

أقاتل بروحي بجانب رؤى،

تتلاشى الضربات بعد وقت مرّ كسنوات،

تعلو أصوات التكبيرات في كل مكان،

تضح الرؤية أخيرًا،

المح من بعيدٍ قبتها الذهبية،

تنزلق دمعة من عيني متحررة من بحر الحزن،

صوتي كمن عادت له الحياة،

مرتجف لكنه نابض بالمشاعر الجياشة:

"الله أكبر."

..ـــــــــــــ..

رأيكم في هذا الفصل

توقعاتكم كيف استطاعوا الوصول إلى مكانهم

ترقبوا الفصل القادم

في أمان الله 💚

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ما تبقى من أنوثة!

المؤلف waad hetham🎀
2025/07/23 مكتملة
قائمة الفصول (17)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة