عُيونُنَا فَقْد

عُيونُنَا فَقْد

20 0

عُيونُنا فَقد

كالسيف الحادّ عينيها، بنظرةٍ واحدةٍ ينزفُ المرءُ

دمًا.. لا يشفى إلا من عطف أناملها عليه.

---

أروي حكاية أحداثها من نسج الخيال،

مع ذلك،

حسّها مُرهف ومُحمّل بطاقة

شعورية ووجدانية

عالية،

هل كان من الصعب التعايش مع واقعٍ

مؤلم؟..

واقعٍ أراد منّا الاستسلام والرِّضا

بالذلّ والهوان؟ ليس مفاجئًا أنني اخترتُ

بطلةً للرواية،

ليس غريبًا أن النساء هنّ من سيُحاربن،

من سيدافعن عن الوطن، ولا يوجد

أبناءٌ للدفاع عنه...

توضيح بسيط:

"لا أحد من الدول المجاورة يساعد، لأن لا أحد

يدري ما يحدث.. داخل هذه

الساحة التي امتلأت بأجساد البشر

الذين لا حول لهم

ولا قوة..."

ـــــــــــــــــــــ

أقبل الصبح بأضوائه التي تجلب النشاط،

يتسلل الضوء من الشباك الصغير الذي

يقع داخل الغرفة.

استيقظت وعد على أصوات حركة البنات وهنّ يرتدين

تلك الملابس التي اعتدن ارتداءها دائمًا،

جسدها مستلقٍ على فراشٍ أرضي،

تنهض برفق مستندةً إلى الجدار،

بعينين تبحثان عن شخص، تدور بهما في أرجاء الغرفة،

لا أحد سوى نانسي الجالسة على الأرض تلعب بدميةٍ

قطنيةٍ ممزقةٍ من كل مكان.

خرجن جميعهنّ قبل أن أستوعب أي شيء،

تثاءبتُ قبل أن أردفَ بصوتٍ مُتعب:

"أين باقي البنات يا نانسي؟"

دون أن ترفع نظرها عن الدمية أجابت ببراءة:

"لا أعرف، فقد أتت أم محمد وقالت بأن يتجهزن

لأن عُدي قد يُعلن الحرب في أي وقت."

انصعقت من إجاباتها، اعتدلت في وقفتي سريعًا،

وفي لمح البصر كنت قد ارتديتُ

الملابس التي حدّدناها مذ أتينا

إلى هذا المكان...

أو كما نُسميه "الملجأ".

...

أذكر تفاصيله جيدًا،

يستحيل لذاكرته أن تخون عقلي..

"بنطالٌ أسود عريض لا يشفّ ولا يُظهر ما تحته، مريحٌ للحركة ولا يُعيق تحركاتنا،

قميصٌ أسود مُعلّق عليه جيوبٌ كثيرة،

لباسٌ أشبه ما يكون بالرداء الإسلامي،

وتحته كانت قمة الألم حين شددنا صدورنا ولففناها بشاشٍ أبيض، ساعدتنا "الختيارة" أم محمد

في شدّها حتى لا يُبان أننا إناث.

اعتدنا عليها، بل وتأقلمنا معها بسهولة، لأن كلّ واحدة منا تحمل جراحًا لا تزال تنزف في قلوبنا.

أما شعرُنا.. ببساطة قصصناه حتى صار عند نهاية الوجه،

لففنا رأسنا بـ"كوفية بيضاء"،

لا يُرى منها سوى عيوننا التي تزأر للانتقام

وتحقيق نصرِ الله

المحتوم."

"عيوننا فَقد!"

لاحظت نانسي أنني في عجلةٍ من أمري،

خافت، وهي ترى أنني غطيت جسدي كله،

لم يبقَ شيء واضح من ملامحي

سوى عينَيّ،

ظهر عليها الخوف والرهبة بعض الشيء، الدمية التي سقطت من يدها

وعيناها اللتان اتسعتا قليلًا.

تقدمت نحو الباب، وقبل أن أفتحه انطلقت نانسي باتجاهي متمسكةً بذراعي كقطةٍ صغيرة،

تخاف البقاء وحدها بعد تلك الصدمة التي

تعرّضت لها،

لم تحكها لنا مباشرة، لكننا فهمنا أنها تعرّضت لنفس

الإجرام الذي تعرّضنا له جميعُنا.

سرعان ما خرجنا من الغرفة وبدأنا بالتوجه نحو الساحة الكبيرة في الأسفل، سمعتُ أصوات

طلقات نار،

هل يكون تدريبًا سريعًا قبل بدء المعركة

الحقيقية؟

تمسكت بي بقوةٍ أكبر، تفهّمت خوفها، لذا لم

أُعلّق أو أضحك كعادتي،

فقد أكملت طريقي...

وها أنا الآن أمام الساحة الكبيرة،

ساحة التدريب الوحيدة،

عُدي وخليل واقفان بالقرب من أم محمد،

عرفتهما من نبرة صوت كل منهما،

رغم أنني لم أرَ وجه أحدٍ منهما،

إلا أنني أحفظ صوتهم،

حضورهم،

والأهم نظرة كل واحدٍ منهم.

اقترب مني سعد وناولني السلاح وهو يضحك بخفة من تحت اللثام (الكوفية):

"هيا يا بطل، أرِنا قوتكِ في قتل الأعداء..

فكما تعلمين،

الحرب قاب قوسين أو أدنى...

ولن تنتهي إلا عند النصر."

لم أنبس ببنت شفة، بهدوءٍ تحركت حتى أصبحت في المكان المخصص للتدريب،

كما توقعت، ثلاث أهداف

وثلاث رصاصات...

كل هدف بعيد عن الآخر مسافة كبيرة،

اعتدلتُ بجسدي في وضعية

تسمح لي برؤية الهدف،

لكن الهدف لا يستطيع رؤيتي...

بالضبط هذه الوضعية التي تدربنا عليها.

أمسكت السلاح وقربت

العدسة من عيني،

بدأت من الأبعد حتى الأقرب،

والحمد لله

نجحت إصاباتي للأهداف بكل سهولة،

ضربتُها في أماكن، على الأرجح، لو كان بشرًا لخرَّ

على الأرض ميتًا.

وقفت بفخر على إنجازي الذي حققته،

اقتربت آمال مني بعد أن نجحت هي أيضًا

في التخلص من أهدافها.

"أحسنتِ وعد، لقد تحسّنتِ كثيرًا عن آخر تدريب

قمتِ به."

أومأتُ باحترام لها،

إنني أعتبرها بمثابة أختٍ كبيرةٍ لي،

فهي من بين كل البنات أكبرنا سنًا،

تحفظنا جميعًا رغم كثرة عددنا نوعًا ما،

ماذا أقول عنها...

لقد أحببتها بشدة، لطفها.. حنانها وقلبها الطيب،

بشوشة الوجه كثيرة التفاؤل،

لقد واجهت صعوبةً كبيرة في التعامل مع السلاح،

لستُ وحدي، جميعنا واجهنا صعوبة

بذلك، لكنها كانت المنقذ،

تعلّمت بسرعة وعلّمتنا ذلك من بعدها.

جميعنا تعلّقنا ببعض،

أصبحنا نُعامل بعضنا كالأخوات،

نحن عائلة واحدة الآن...

الساحة كانت مليئة ومكتظة بأصوات إطلاق النار،

سعيد ومسعود يُراقبان كل إصابة

تُصيبها الفتيات،

ليس هما فقط، بل مجموعة من الملثمين،

لم أحفظهم جميعًا لأني لم أتعامل معهم،

لكن على الأقل أتذكر بعضهم.

بحثتُ بعينيّ عن أمل وسُديل،

آخر شخصين تواجدتا بالقرب مني،

أُريد أن أُوبخهما على

تركي نائمة رغم أن التدريب قد بدأ.

لاحظت آمال، الواقفة أمامي، الغضب الذي يظهر في عينيّ وأنا أجول بهما في الساحة.

"أتبحثين عن سُديل وأمل؟"

توقفتُ بنظراتي عليها بصدمة:

"كيف عرفتي؟"

خرجت ضحكةٌ صغيرة من تحت الكوفية

وهي تُكمل بنبرةٍ عارفة:

"لا تقلقي، أنا من طلبت منهما أن تُبقيانكِ نائمة...

أعرف كم عانيتِ وتألمتِ بسبب

آلام الحيض."

قلبتُ وجهي إلى الجانب الآخر ببعض من الخجل:

"ما كان يجب أن تتكلمي هنا..."

مشيرةً إلى الرجال الملثمين المنتشرين

في المكان،

ضحكت وهي تلف ذراعها حول كتفي ثم سحبتني أقرب إليها:

"إنه أمرٌ طبيعي، لا تشعري بالخجل،

فهم بالطبع يعلمون."

كنتُ على وشك الكلام حين فجأة صفق عُدي ليوجه تركيزنا إليه،

ثم تحدث بصوتٍ جهوري

اهتزت له خلايا أجسادنا:

"أرى من خلال هذا التدريب أنكنّ جاهزات

لمواجهة العدو الحقيقي.

أبليتن بلاءً حسنًا، وأثق أنكن

قويات بما يكفي

لخوض معركة لا رجوع بعدها،

فعندما نبدأها،

لن يرمش لنا جفن

إلا عندما نرى أن كل شبرٍ

في فلسطين قد تحرر.

الأهم هو أن نؤمن بنصر الله،

ونعمل بالأسباب التي ستمكننا من الفوز،

وأخيرًا شعارنا الأساسي:

إما النصر

أو الشهادة."

انتهى من كلامه، وعيناه تقطران بمزيجٍ من القوة والثبات،

يجول بهما على كل الواقفين أمامه...

نحن...

إنها اللحظة الحقيقة

التي سنتخلى فيها عن أنوثتنا

ونرتدي ثوب الجهاد.

نانسي التي تجلس في حضن أم محمد، تحتضنها

براحة،

أمل، سُديل، يقين مجتمعات مع بعضهن،

عين كل واحدةٍ تروي

قصصًا

بكل الأحداث...

سُهى، ينال، عهد، أماني، يارا،

سُكينة، صفاء، آلاء، آية،

رُؤى، سُمية،

وعلياء...

جميعهنّ يحملن تلك النظرة، رغم اختلاف نظرة كل واحدة،

لكنها تشترك بنفس الحِدة والشعور

المتبادل...

أهو الانتقام؟.

..ــــــ..

وأكون لهنا ختمت الفصل الثاني

رغم أني عند كتابتي له كانت سني تؤلمني بشدة

أحببت أن أشارككم هذه التفصيلة

وترقبوا لان الاجزاء سانشرها الليلة كلها.

دمتم سالمين وأستودعكم لحين أتمام الرواية

ترقبوا الفصل القادم

في أمان الله💚

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ما تبقى من أنوثة!

المؤلف waad hetham🎀
2025/07/23 مكتملة
قائمة الفصول (17)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة