سجن عوفر

سجن عوفر

19 0

سجن عوفر

يمامة بيضاء تحمل في منقارها رسائل

رسائل تعبق برائحة الزعتر وخبز الطابون،

خلف القضبان سجين يرى

والدته بثوبها الذي تفوح منه رائحة أشهى

الطبخات..

حلمٌ صغير وأملٌ كبير،

صبرهم هو إيمانهم الشديد،

حالة حرمان، وسائل تعذيب تنقص من شأنهم

وبأبشع الصور الممكنة

يمحون وجودهم من هذه الدنيا.

ــ

أتعرق بشكلٍ مفرط،

أحس ببردٍ قارص رغم سخونة أطرافي الشديدة،

أكاد أختنق من هذا الشعور،

تنفسي غير منتظم، وضربات قلبي

فوضى عارمة داخل رأسي،

حلقي جافٌ بشدة،

أوشك على فقدان وجداني،

عقلي مبعثر،

بل كل شيء مبعثر حولي،

أفتح جفوني ببطء،

لا شيء واضح، وجوههم غير واضحة،

كلماتهم كبعوضة تطن داخل

أذني...

أشهق بقوة، أنهض، فأسقط مرة أخرى،

شيءٌ باردٌ يحيط بجبهتي،

أعطاني شيئًا من الانتعاش،

لا أفهم شيئًا،

أنام لأدع عقلي يرتاح،

لمساتهم دافئة على وجهي.. لا أريد منهم الابتعاد..

لا أدري كم من الوقت مضى وأنا على هذه الحالة،

كل ما أتذكره هو أطيافهم،

كلامهم وذكرياتي معهم..

رغم الأحلام الغريبة التي راودتني،

كانت أشبه بالكوابيس

تجعلني أنهض فزعة من نومي

مقلقةً الراحة التي بصعوبة حتى أحسست بها.

أخيرًا،

أستيقظ، هذه المرة أشعر بنشاطٍ كبير،

هناك تعبٌ طفيف،

ولكن إذا ما قورن بالإعياء الذي أحسسته

طوال تلك الفترة،

فهو ببساطة:

"لا شيء".

أفتح عيناي على صوتها الذي يلامس وتيني من رقته،

وكذا صوت آخر يعيد لي ذكرياتي،

وصوتها الحنون ذو النشج الجميل،

وصوت آخر لم أستطع التعرف عليه.

"الحمد لله..

أنتِ منيحة، لقد أقلقتني عليكِ كثيرًا."

ممسكة بيدي بقوة والقلق واضح

في عينيها،

أردف وأنا أعتدل بوضعيتي لأتكئ على الحائط

بجانبي.

"الحمد لله،

أنا بخيرٍ الآن يا آمال..

لا داعي للقلق."

جلت بناظري حول الغرفة،

آمال وسُدَيل راكعتان بالقرب مني،

وكذلك فتاة..

إنها المرة الأولى التي أراها فيها.

وفي لحظة،

أذرع كثيرة أحاطتني من كل مكان،

يعانقنني بقوة كبيرة،

عرفت أن هذا سيحدث

لكن ليس بهذه السرعة،

تحدثت بشكلٍ درامي بعض الشيء.

"آه.. يا بنات،

أوه.. أكاد أختنق."

ابتعدت كلٌ منهن عني

لمحة من الحزن بادية في عيونهُن.

أردفت سُدَيل بنبرة

تحمل الأسى:

"أين اختفيتِ؟

ظننت أنني لن أراكِ مجددًا.."

وأضافت آمال:

"يا فتاة،

كنا على حافة الانهيار، أأنتِ متصورة ذلك؟

ولحظة عودتك وأنتِ بتلك الحال

جعلتني أصبح حطامًا."

جاهدةً أحاول استيعاب كلماتهن،

لاحظتني آمال

وبهدوء أبعدتهن عني حتى آخذ نفسًا قبل أن

أتكلم بشيء،

طمأنتُ تلك الفتاة بابتسامة ودودة.

"لا داعي لأن تجيبي على أسئلتهن..

هن الآن في حالة سعادة لرؤيتكِ بصحة جيدة،

وبالمناسبة أنا هلال."

---

حان الآن انطلاقة حرب جديدة،

تم تزويدنا بكمية كبيرة من الذخيرة وكذلك الأسلحة من مختلف الأنواع،

عرفت أني في تلك الفترة قد أُصبت

بحمى شديدة،

ازداد تكثيف تدريبنا، وخصوصًا مجموعتي،

تدريجيًا عهد تشافت من جرحها،

لكنه لا يزال محفورًا على جسدها،

إصابتي بذراعي لم تكن بليغة،

ولحسن حظي أنها لم تؤثر عليَّ كثيرًا،

لم تكن بليغة، فقد احتاجت أن تُضمّد لبضعة أيام حتى ينمو الجلد من جديد،

باقي الفتيات تحسنَّ،

تعرفتُ على الأربع فتيات جيدًا، وما لفتني هو قصة

أريام..

تفاصيلها بشعة،

وأكثر ما يمزقها من الداخل لحظة اغتصابهم

لها واحدًا تلو الآخر،

تركوها تتألم،

دمها ينزف على الأرض لوحشيتهم،

وفي لحظة ضعفها،

هم ببرودهم كانوا على وشك أن يأخذوها،

لم تسكت، صرخت حتى

سمعها آدم الذي يراقب تحركات العدو،

هرع بسرعة إلى المنزل،

باغتهم برصاصٍ مستمر أطلقه عليهم،

سقطوا أرضًا بعد أن كاد السلاح ينفد من الرصاص،

تقدم نحوها

وهي منهارة أرضًا،

بحث بسرعة في أرجاء المنزل عن غطاء ألقاه عليها

ليستر به جسدها،

رشّ على وجهها بعض الماء حتى

استفاقت،

ثم أحضرها إلى هنا مع تلك الفتيات.

شكلها ذكرني بشخص عزيز عليّ،

هي فتاة..

تشبهها كثيرًا في الشكل،

لفتني سمارها الخلاب،

وما لفتني أكثر هو تعلق نانسي بها،

تظل تكرر:

"تشبهين أمي."

لدي فضول حول قصة نانسي،

براءتها تجعلني أشكك في قدرتها على استيعاب الأشياء،

أعلم أنها لا تزال طفلة،

لكن شيئًا يقول إنها تخفي شيئًا تحت هذا القناع،

هل يمكن أنها تعرضت لصدمة عاطفية

أفقدتها الشعور؟

لكن كيف وهي تتفاعل معنا بكل الأحاسيس؟

ربما لن أعرف،

ولكن أستطيع أن أستنتج،

ورغم ذلك،

نانسي بالنسبة لي هي لغز كبير.

...

ها نحن ذا قد تأهبنا لهذا اليوم.

سنتقدم ونقتل كل الأعداء،

ما عاد للظلم أن يطغى على الخير،

سنحرر أجسادًا في السجون مُدججة،

طهارة ألبسوها زيّ الانكسار.

سجن عوفر

فوق تلال رام الله،

واحدة من المدن التي تم قصفها من قبل طائرات الاحتلال،

لم تقتصر عليها فحسب بل على جميع المدن الرئيسة

في الضفة،

القرى تعرضت لأشرس الاشتباكات،

اعتُقل عددٌ كبير من الشباب والمراهقين..

قُتل أعدادٌ كبيرة من كبار السن الذين وقفوا للدفاع عن الصغار.

"حان الوقت."

صوته اهتزت له خلايا جسدنا كلها،

صوته الذي يعطينا قوة

تتسلل بسرعة إلى شراييننا،

نتقدم بخطواتٍ سريعة فوجهتنا بعيدة جدًا عن

ملجأنا...

وصلنا أخيرًا،

أومأت لنا يقين لنبدأ بتنفيذ خطتها،

لا أحد سوى مجموعتنا المكوّنة من اثنتي عشرة فتاة،

جميع الملثمين معنا لكن يقاتلون بتخفٍ

سامحين لنا بأن نكون بطلاتٍ حقيقيات،

أخذتُ موقعًا استراتيجيًا

مكنني من قتل اثنين فور بدئي بالقنص،

ملتفين حول السجن رغم مساحته الكبيرة،

خطتها بسيطة لكن محكمة بشدة،

إيهامهم بأن عددنا كبير بإطلاق الرصاص بشكل مستمر

وفي بعض الأحيان عشوائي،

على مقربة مني كانت يقين وكذلك آمال،

سديل اختارت موقعًا بعيدًا قليلًا،

سديل المقاتلة المتخفية بإحكام،

لا نراها سوى مرة قبل بدء المعركة،

وأثناء المعركة تكون حركتها غير مستقلة لكنها مدروسة بشكل مدهش...

لنعد إلى الأحداث،

لحظة بدء الملحمة وصوت صفارات الإنذار متزامنًا مع طلقاتنا المستمرة،

أختفي وأرمي طلقات من بارودتي،

هم متسلحون ومُحمَون من رأسهم حتى أخمص قدمهم،

إلا أن ذلك لن يكون كافيًا..

من يخدعون؟ أنفسهم أم نحن؟

بكل سهولة يمكنني التصويب على مكانٍ حساس في وجههم.

ــ

ضرباتٌ بالمئات تعود علينا بالآلاف،

أصبحنا في نصف الطريق تقريبًا،

طلقاتنا مستمرة،

لا يروننا لكن رصاصاتنا تغطي على تخفينا،

تزداد همجيتهم،

فجأة وبكل سهولة يقذفون قنابل علينا،

أنا وآمال ويقين لم نُصب بأي مكروه، ومن جهة

عهد، قد انفجرت قنبلة تمامًا في قدمها،

أطرافها تطايرت..

وبقعة كبيرة من الدم خلّفت أثرًا وراءها.

منظر بشع جعلني

أتوقف بصدمة، وفي لحظة أخرى، رصاصة اخترقت صدر يقين،

ركضت صوبها بسرعة،

أمسكتها قبل أن تسقط أرضًا،

جثوت وهي بين يدي،

دامية ولا حول لها ولا قوة،

وضعت يدها على مكان إصابتها، صوتها ثابت

رغم نزيفها الحاد:

"أكملي يا وعد...

لا تنتظريني."

مشاعر متضاربة،

قلبي ينبض بقوة،

تذكرت آية من القرآن رددتها على لساني بخشوع

تحت ضجيج هذه الملحمة،

وقفت، لكن لم أبتعد عن يقين،

ظللت على مقربة منها وأكملت ما بدأناه...

وحدي أنا وآمال نقاتل،

جميعهن قد استشهدن،

بصوت عالٍ محمل بطاقة من الإيمان صرخت:

"الله أكبر."

وفي لحظات أصبحت الهتافات أعلى وأوضح،

استطعنا تحقيق هدفنا الأساسي،

إلهاء العدو عن المساجين حتى تتمكن رؤى من التسلل

إلى الداخل لتحريرهم،

شعرت بقوة أكبر لما رأيت اندفاعاتهم،

وفي لحظة،

ركزت عيني على آمال،

تقف موجهة مسدسها نحوهم،

بشكلٍ غريب يشع منها نور،

عيناها تحملان إيمانًا وصمودًا عجيبًا،

رصاصة تخترق عينها بالتحديد،

وخلفها العديد من الرصاصات التي اخترقت جسدها

من جميع الاتجاهات،

هبّ هواء رافقه رائحة دمائها التي كالمسك.

راقبت الأسرى وهم يحاربون

بعصيّ من حديد...

تراجعت وأخذت بارودة يقين،

من بعيد ألقيتها على أسير

لكنه ليس كباقي الأسرى،

هو فؤاد.

"أخي..."

تمتمتُ من تحت نسمات الهواء الضائعة، وأصوات الرصاص من كل الجهات.

..ــــــــ..

رأيكم وترقبوا الفصل القادم

في أمان الله 💚

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ما تبقى من أنوثة!

المؤلف waad hetham🎀
2025/07/23 مكتملة
قائمة الفصول (17)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة