سِلاحٌ وَبَارُود
آلاف الشهداء يرقدون تحت ترابها المُسكر، ملايين الأبناء عمروا مبانيها..
---
أتذكرها كذِكرى وحشية، انطوت بين كل الذكريات، داخل ملفٍ مميز اللون، تنبعث منه
رائحة الخوف والدم... والغدر الذي داهمها
وقطَّع القضايا الإنسانية.
يتربعها صورةٌ لصهيوني، بدمٍ أرعن
عيونٌ زرقاء مملوءة بالبغض
جسد ممتلئ،
قصير البنية..
ولكن ما ترسّخ في خبايا هذا الملف
هو رائحته النتنة التي ما إن تلقيتها عبر مستشعراتي الحسيّة أطبقت شفتاي على بعضهما،
فقد أحسست بالاشمئزاز والقرف،
وبرغبةٍ عارمة في التقيؤ.
ـــــــــــــــــــــ
إنه صباحُ يومٍ خريفي،
ليس هادئًا كعادته... اليوم الذي سُلبت أنوثتي مني وخبّأتها تحت قناع الرجولة..
أخذني إلى مكانٍ أجهله، كتيبة من الشباب كما ظهر لي في البداية، لكن لم أتفاجأ عندما علمت أنهنّ مجرد فتيات حالهن كحالي،
عائلة تُقتل أمام ناظر كل واحدة، ثم محاولة تمزيق ملابسها ليتم نهب أغلى ما تملكه هذه الضعيفة، التي لا حول لها ولا قوة، وتحت هذه الصدمات يقتحم ملثم لكنه ليس كباقي الملثمين، يرتدي على رأسه "كوفية" وعلم أخضر مربوط على جبهته..
يقتل الجنود ثم يُحرّر الفتاة ويحضرها إلى هنا كونها سلاحًا، لكن ليس أي سلاح...
ستكون الآن مجاهدة على أرضٍ عمّت الحروب أعلاها، وأزعجت من تحت التراب، إنها الوديعة التي ستحقق النصر الموعود.
تعرّفت على المكان، كأنه بقايا لمستشفى أو لمدرسة، شيءٌ من هذا القبيل، عرّفني الملثم على "الختيارة" أم محمد
عرفت بطريقة ما أنها ربما تكون أمه، استقبلتني بحضن دافئ كحضن الجدات، حضن أعاد لي شمعة الانتصار، بعد أن أُخمدت المشاعر الملتهبة التي تحرق روحي.
وأطبقت بيدَيّ على يدها وطبعت قبلة دافئة عليها احترامًا لحنانها، أمسكتني بعدها وقادتني إلى مكان تجمّع فتيات أصغرهن على الأقل في الثانية عشرة...
من بين هؤلاء البنات وقعت عيناي بتركيز على ابنة خالي، هل أنا في حلمٍ أم واقع؟
هل لا زالت رائحة الأحباب في الجوار؟
ركضت تجاهي غير مصدّقة، عانقتني وقد خانتني دمعة تطايرت على خدي..
"يا الله، الدنيا صغيرة.. لم أتوقع أن أراكِ في هذا المكان يا ابنة عمتي بعد ما حدث ذلك الخراب في البلد."
ضرب صوتها قلبي بنخزاتٍ متتالية، كأن نبرتها تحمل أوجاعًا لسنين مضت وسنين عدّت، بادلتُها العناق وابتسامة ارتسمت على محيايّ.
"سديل..
أنتِ من رائحتهم.. لا أصدق.
الحمد لله الذي جمعنا في هذا الوقت.."
.....
خيّم الليل بحُلّته القاتمة، ظلام دامس لكن من بين ثناياه ينقشع نور دافئ حول أولئك الفتيات اللواتي يجتمعن في غرفة واحدة، أم محمد تجلس على كرسي بلاستيكي أمامهن مباشرة،
تعظهن وتروي لهن قصص أروع البطولات
التي حققها ولدها الذي استُشهد
في لحظة مباغتته للاحتلال..
تروي قصصًا من الماضي القريب، قبل أن تنتهي الحرب على سكان القطاع،
بيدها عكازة خشبية، ترتدي عباءة باللون الأسود
محتشمة بالحجاب الذي يعتلي رأسها،
معلّقٌ على رقبتها مِسبحة
خضراء، وقلادة سوداء مكتوب عليها أعظم الآيات
(آية الكرسي).
تنهدت بتعب، لكن صوتها يحمل نبرة قوة،
الله وحده القادر على أن يعطيها تلك القوة.
"الله أكبر... رددنها دائمًا في معارككن القادمة،
وللهِ يا بناتي ربنا رح يعطيكن القوة،
ما دمتن على صِلة قريبة منه، سواء بالصلاة
أو الدعاء..
أنا واثقة بكن.. واثقة بأنكن ستكونن
أقوى من مئات الرجال،
ما أجمل أن تحظين بشرف كهذا...
شرف الجهاد."
تأمّلتنا بعيون تحمل شيئًا من الحسرة، غطّت فمها بيدها
كأنها تكبت مشاعر ضعف،
لا تريد سوى أن تظهر لنا بهيئة المرأة الفلسطينية
الأصيلة...
كجذع شجرة زيتون... قوية وتحمل بين تجاعيدها قصصًا عن مختلف الأنواع.
تأملناها نحن بعيون حنونة، تذكرنا ماضينا مع هذا الاحتلال..
"لا وألف لا.."
التفتت إليّ يقين عند سماعها لهمستي الخافتة،
فتاة دقيقة الملاحظة وتمتلك من الحِنكة والذكاء
ما يفوق آلاف الأشخاص،
من أوائل الفتيات التي سحبتني معها إلى عالمٍ
قد يكون مجهول الأحداث،
لكن نهايته ستكون..
إما الموت أو الشهادة.
مرّ على قدومي إلى هذا المكان، ما يقارب الشهر،
تدريبات راعت كوننا إناثًا لكنها نسيت أن نار الانتقام أقوى من أن تتحملها أية طاقة أنثوية،
وجدت نفسي مندمجة مع رائحة البارود،
حين أشمها أشعر بأني خُلقت لأكون في هذا المكان،
أقتل الأعداء وأُضحي بنفسي لأجل الوطن.
"عن ماذا تتكلمين يا
وعد..
أيبدو أنك عدتِ إلى عالمك الوردي."
أيقظني صوتها الهادئ من سرحاني، أجبت بعد أن أدركت ما قلته:
"لا.. الأمر ليس كما تعتقدين،
فقد كنتُ أخاطب نفسي لما كنتُ أتأمل أم محمد."
ضحكت بخفة، تدري أن حسّي الشعوري قد يتملكني في أية لحظة، ويسافر بي إلى أبعد الأحاسيس..
يبدو أن هذه الحالة قد تسبب لي
بعض المتاعب..
أسندت ظهري على الحائط القريب، الغرفة ليست كبيرة
لكن عددنا كبير نوعًا ما،
إثر كل الانتهاكات بحق سكان الضفة
كنا نحن وغيرنا من الصبيان
والبنات وربما الشباب،
من نجونا.
بجانبي الأيسر سديل التي أسندت رأسها على كتفي لتستريح قليلاً، ومن اليمين أمل،
الفتاة التي يقولون عنها
"إنها آية في الجمال.."
جميلة جدًا رغم هالة الألم التي تحيط بها،
من يُنكر أن صبرها هذا
أعطانا الأمل..
"أتعرفين يا وعد أني مشتاقة لحضن والدتي."
قابلتها نظراتي، وابتسامتي التي تحمل معاني
الصفاء...
إنه التعبير الوحيد الذي أستطيع وصف شعوري به،
لا أحمل أي كره أو حقد،
شعور شبيه بالراحة والسكينة.
أردفتُ:
"أعلم يا حبيبتي،
أعلم...
أنتِ تعرفين أن عوض الله كبير."
"أعلم، لكن..
أحس أني لن أشتاق له طويلًا."
عقدتُ حاجبي باستغراب طفيف.
"هل تقصدين أنك ستُستشهدين؟"
ابتسمت برقة، دائمًا ما أحسست بطاقتها
الأنثوية العالية،
رقيقة جدًا كقطعة حرير قد تمزق من أقل خدش.
"لا أحد يعرف ما هو مكتوب له،
الله وحده الذي يعرف..
أنا فقط .. أردت إخباركِ عن إحساسي، لأني أعرف
أنكِ ستفهمينني."
"آها.. فهمتكِ، لا تقلقي."
غطت فمها لإخفاء تثاؤبها،
أمالت رأسها حتى أراحته برفق على كتفي،
تارة أنظر يمينًا وتارة يسارًا،
في كلا الاتجاهين
أرى الارتياح واضحًا على وجوههن، تركنني مع أفكاري
وهن بكل هدوء غططن في نومٍ هادئ.
كان يومًا عصيبًا،
في هذا اليوم تدارسنا كل التدابير حتى نبدأ بالهجوم
المباشر على المستوطنات،
رغم قلة الذخيرة إلا أننا على الأقل نستطيع تدبير أمورنا
ونستطيع كذلك إثبات أنفسنا أمام
الاحتلال، إنها فرصتنا الأولى حتى نشعرهم ببعض الإحباط..
قُسِّمنا إلى ثلاث مجموعات، كل مجموعة تحوي على اثنتي عشرة فتاة،
إنها مخاطرة بالنسبة لِـ"خليل"
لكن ما دامت أم محمد واثقة بهن،
لن يقف أبدًا مكتوف الأيدي،
لا يعرف كيف ينقذ الشباب المتواجدين
في جميع السجون.
"لن نخذل من كان لنا سندًا عند استغاثتنا من مصير كان سيُجبرنا على أن نكون عاهرات."
بالضبط هذا ما يطمح له الاحتلال تجاه أغلب الفتيات،
يريد أن يُريَ للعالم بأننا بعنا أغلى ما نملك
في سبيل منعتهم هم وأعوانهم.
يا لهم من حمقى، حقًا لأنهم حمقى... حب الحياة ملازمهم،
يخافون من الموت ونحن نركض إليه
في سبيل الله،
لا ولن نخاف منهم،
يضعون حفّاضات أثناء حربهم علينا،
يخافون أن يبللوا سراويلهم
لكن لا يخافون من أفعالهم التي سيلاقون فيها
وجه ربهم،
يظنون أن الحياة لهم وكذلك الآخرة لهم.
فليبقَ ذلك الغشاء ملاصقًا
لأعينهم إلى يوم
الحساب.
..ـــــــــــــ..
تجربة أولية لبدأ نشر الفصول واحدة تلو الأخرى،
قد أضيف على هذا الفصل لمسات أكثر إتقاننا للغة الروايات
لكني سأوضح أن هذه الرواية تميل بشكل كبير إلى طريقة الاسلوب
الشعري هذا توضيح سيعرفكم أن أسلوبي قريب لسرد الشعري.
وشكرا لقرائة عملي
أنتظروا الفصل الثاني
أستودعكم الله💚
waad hetham🎀