1- "وعائِظ أب لطيف." استمعتُ إلى صرير الباب من رغم أنه جديد؛ لكن حدث هذا بسبب عدة مرات فتحه؛ فأمي دخلتْ إلى الغرفة أكثر من سبع مرات تطلب نفس الطلبات المتكررة، ألا هي تمل أم لا تعلم بوجود اختبار غداً؟! بدلاً من أن تحفزني فهي تعيقني، شعرت بها بجانبي، وقبل أن تفتح فمها؛ لتتحدث، صحتُ بغضب، رافعة يدي في الهواء أحركها بسخط: - اتركيني وشأني. حدقت بي أمي بأعين متسعة من الصدمة؛ فهي لم تتوقع قط ما فعلْتَه، صاحت هي الأخرى بغضب، أقسم إنني بسبب صياحها المستمر على وشك فقدان السمع: - أردتُ أن أسألك ستأكلي معنا أم بمفردك؟ ولكن بعد هذا إن أكلتي أو لم تأكلي فهذا ليس من شأني، ومن الآن فأنتِ المسئولة عن نفسك. ولم تُعطي لي فرصة، وخرجتْ مِن الغرفة بخطوات سريعة غاضبة، مغلقة الباب خلفها بِقوة. تركتُ القلم بعنف على المكتب، أتنهد بقوة؛ فِي محاولة مني لتصفية ذهني من أجل اختبار الغد، فالاختبارات ليست بشئ هيْن أو سهل. أتخيلُ أمي الآن تبكي، وبجانبها أبي يواسيها، ومن المؤكد أن يأتي أبي إليَّ الآن، وبالفعل وجدتُ أبي يدخل وخلفه أمي، نظرتُ إلى أبي أرسمُ التعجب و الاستغراب من مجيئه! وقبل أن أتحدث سبقني أبي وهو يجلس علي سريري بهدوء تام، ابتسم أبي إبتسامةً لن أنساها؛ تتكرر فِي كُل خلاف مع والدتي! وما يجعلني فِي حيرة هو عدم فهمي لتلك الجملة التي يكررها أيضًا فِي كل خلاف: - التسرع مثل الفأر الذي لا يري إلا قطعة الجبن، ولا يري إنها بداخل المصيْدة! صمتُّ موجهة أنظاري لأبي، أتمنى هدوئه، وياله من هدوء! نظرتْ أمي إليه بغيظ، وخرجتْ مغلقة الباب بعنف! ظلَّ أبي ينظرُ لأثرها بإبتسامة وعيون لامعة، قبل أن أحمحم لأجذب أنتباهه، نظر إليَّ أبي بنظرات حنونة وغاضبة بذات الوقت، تحدث بهدوئه المعتاد: - ألم نتفق يا "ثورة" على أن تكُفي صنع مشاكل مع والدتكِ؟ ثم كيف تصيحين هكذا بوجه والدتك؟ نظرتُ إلى أبي بحنق، أعلم أنه محق، ولكن أمي دائماً ما تغضبني، فَهِمَ أبي نظراتي المعترضة، أردف واغظ بحزن لم أفهمه إلا بعد تحدثه: - عزيزتي، أتعلمين إنكِ تذكريني بنفسي في الماضي؟ كنتُ مثلكِ تمامًا، يغضبني أبي فأصيح، ينصحني فأسخر من نصائحه، يرشدني فأعانده، يستشيرني فأعارضه، لم أريحه يومًا، وكنتُ مِن وجهة نظري إنني المظلوم ذو الروح الضعيفة! ولكن موت أبي عرفني الحقيقة، أنار بصيرتي بعد عمى لسنواتٍ طويلة، لأعرف أنَّ أبي لم يتمني لي سوى الخير! ورغم ذلك عصيته، إنني أندم الآن؛ لإن ذكرياتي معه كلها معارضة لقرارته، لإرشداته، حتى لحبه! فلا تكوني مثلي، فأنا لا أريدكي أن تقولي في إحدى الأيام ياليتني. وياليتني ما صحتُ علي أمي؛ لكي لا أسمع هذا الدرس الطويل، على أية حال ابتسمتُ أظهر امتناني لأبي الذي يقدم لي أفضل النصائح دائمًا، أردفتُ بإبتسامة صغيرة علي ثغري: - سأحاول يا أبي، سأحاول أعدك. ابتسم لي أبي، حفزني قليلاً لِلدراسة، وطلب مني الإعتذار إلى أمي العزيزة، تذمرتُ قليلاً ولكني وافقت فِي النهاية. ________ بعد برهة مِن الوقت، كنتُ أعتذرت إلى أمي، وأكلت، وأكملتُ دراسة حتى غفوت وأنا جالسة على المكتب، حَلِمتُ إنني.... ولِلخيال بقية! - الكاتبة/ ريتاج سامح.
ريتاج سامح 🤎