" عودة الورديِّ ." - " الفصل الثاني و العشرون ." وتبادلنا النظرات ، أبتسمتُ لها و قلت برغبة في النوم . - " و أنا أيضًا أحبكِ ، و أنتِ بالفعل لديكِ خادمة شخصية ." تحدثتْ هذه المرة بجدية . - " ما رأيك أن تبدلي أنتِ و إبريز الوظيفة ؟" نظرتُ لإبريز وجدتها مُبتسمة ، أليس من المفترض أن تحزن ؟! ، مريبة ، أردفتُ بتهرب و نعاس . - " سنتحدث في هذا لاحقًا دعيني الآن أذهب للنوم فالأحلام راودتني قبل نومي ." ابتسمتْ لي مبتعدة عن الباب ، قائلة . - " حالتكِ متدهورة ." __________________ - " أشتقتُ كثيرًا لأجواء المكتبة ." تبسمتْ الأخرى ، و أردفت بهدوء . - " من لم يأتي هُنا فاقد الكثير ." نظرتْ للكتب التي تقف فوق بعضها بعضًا كما يقف الجنود في الحرب ، كأن هناك شيئًا ما خفي تتكأ عليه ، قالت بتساؤل . - " أشرقت ، أبحثتي عن سبب التغيرات المناخية التي حدثت في الآونة الأخيرة ؟!" - " حقيقةً جمعت جميع الكتب التي تتحدث عن المناخ و هذه التغيرات الغريبة التي عرفت مؤخرًا إنها في جميع الممالك ." ثم أكملتْ بتعجب واضع في نبرة حديثها . - " و لكن عند بحثي عن كتب لهذا الموضوع ، وجدتُ كتاب صغير ، رفيع ، مكتوب بخط يد غير واضح ، بهِ صفح ناقصة ، مُهْتَرِئ من جميع النواحي ، وجدتُ اسمه "خِفية الأرض" ، و لأكون صريحة معكِ أنا لستُ من النوع الذي يقرأ الكتاب لمجرد اسمه !! ، فقلبتُ صفحاتهِ سريعًا ، وجدتُ ما ذكرته سابقًا ، حتى جذب إنتباهي و أنا أقلب بسرعة أن هناك صفحة فيها كلمة بخطٍ كبير يملأ الصفحة ، فتوقفت ، و كانت كلمة "مصر" ، برأيك ما هذا الكتاب يا سمو الأميرة ؟!" - " لا أعرف ما المشكلة أن يكون هناك هذه الكلمة في الكتاب ؟! ، و لكن يمكنكِ أن تقرأيه و ستعرفي كل شيء عن هذا الكتاب الذي أمره غريب نوعًا ما أو أأخذه أنا ." تبسمت أشرقت بضيق ، و قالت و هي تطرق بأصبع السبابة على المكتب . - " أعرف إنكِ تحبين القراءة و تعتني بأمور المملكة فأنا أعتقد إن هذا الكتاب مُضيع للوقت ، و لن يفيدنا في شيء ، سوف أحرقه ." - " حسنًا ، ماذا سيكون سبب هذه التغيرات ؟ ، أتعرفي إن بحر أكوا أصبح بهِ موجات عالية و أصبحوا لا يستطيعوا التحكم بهِ إلا إذا هدأت الرياح ؟! ، و عرفت إن جزء من البحر تحول لللون الأخضر !! ، و أشياء أخرى غريبة حدثت بالممالك الأخرى ، يا تُرى ماذا سيكون السبب ؟" - " قرأت من خمسة إلي ثمانية كتب ، ما أستفدته منهم إن هذه التغيرات التي حدثت لا يعرف بها إلا أربع ، الكتب جميعها ذُكرت شخصية واحدة ." - "و ما هي ؟" ____________________ تقف أمام باب الغرفة الخاصة بالأميرة ميلا بتوتر و خوف ، تقف بجانبها الخادمة الخاصة بالملك ، نظرت لها الخادمة التي كانت قصيرة القامة ، نحيفة الجسد ، طويلة الشعر ، ذو ملامح لطيفة و جميلة ، من ينظر إليها يظن إنها في منتصف العقد الثاني و لكن في الحقيقة هي لديها ثلاثمائة و ثمانية و خمسون (٣٥٨) عامًا ، و كل من بالمملكة يكون على هذا الحال حتى الطفل الذي تظن إنه لديه عشر أعوام يكون لدية مائة أو أكثر ، قالت لنيا بلُطف ممسكة بيدها . - " الأميرة ميلا طيبة ، حاولي إمتصاص غضبها ، قولي لها أولًا عن فرحة الأميرة ديما التي تسببتها ثورة و أخبريها بعدم نوم ثورة ثم تحدثي في الأمر ، سأفعل أنا ذلك أيضًا ." ضغطتْ على يد نيا تمدها بالقوة ، تبسمت لها نيا ، و طرقت الباب و دخلت الغرفة ، بينما خادمة الملك صعدت في الطابق العلوي الذي يليه ، فالملك لديه طابق بالكامل بمفرده ، وقفتْ الخادمة تُنظم أنفاسها فهي الآن ستكون أمام ملك أعظم مملكة ، ستكون أمام حبيبها الأول ، رسمتْ إبتسامة جميلة على وجهها ، هندمتْ ملابسها ، طرقت الباب ثلاثًا ثم دخلت ، لم تجده في الغرفة فعبست ، بحثت بعينيها عليهِ ، لم تجده ، فتذكرتْ غرفة مكتبهِ السرية التي تكون بغرفته ، و لا أحد يعرف بها غيرها ، أقتربتْ من مكتب موضوع بركنٍ من الغرفة تنظر حولها بحذر ، وقفت دقائق تنظر للمكتب بهيام الذي كان عليه القليل من الأوراق ، فشعور إنها بنفس المكان الذي بهِ حبيبها يجعلها في قمة سعادتها حتى إنها تناست سبب مجيئها ، وقع كتاب من على المكتب فأصدر صوتًا مرتفعًا ، مما جعلها تنتفض بفزع و تعود لأرض الواقع ، أرجعت الكتاب مكانه ، و نظرتْ حولها بحذر ، و أقتربت من الدرج الثاني من المكتب مع نظراتها الحذرة ، وقفت أمام الدرج بتذكر حتى طرقت ثلاث ثم اثنان ثم أربع ثم واحدة و فتحت الدرج و قفزت بداخله سريعًا ، من يراها يظن إنها مجنونة ، فكيف تقفز بداخل درج ؟!! ، و لا يعرفوا إنها الآن واقفة تتنفس بصعوبة و متعرقة و أمامها مكتب الملك الذي يجلس عليهِ و ينظر إليها بتعجب واضح ، قال بإستغراب . - " أهناك شيء ما حدث بالمملكة ؟!" فهو يعرف إنها لا تأتي لهنا إلا للضرورة القصوى بينما هي غضبت من سؤاله ، أنعقد حاجبيها بغضب و رفعت رأسها لأعلى في مُحاولة منها للهدوء ، أثار فضولها و هي ترفع رأسها شيء مغطى بقماش أسود خلفه ، قال مردف بنبرة ثلجية . - " لمَ لمْ تجلبيها معكِ ؟" - " هذا مكان سري ، لا يعرفه غيري ، كيف أجلب بهِ أحد ؟" قالتها بصدمة ، فهو دائمًا يحرص ألا يعرف أحد بهذه الغرفة السريه ، ما دهاه إذًا ؟ ، قال بنبرة حادة . - " أظن إن هذه غرفتي التي بقصري الذي في مملكتي ، أي أظن هذا من شأني و ليس من شأنك ." حدقت بهِ لثوانٍ فهي لم تعتاد هذه المعاملة ، و قلبها الرقيق لن يتحمل حديث بهذا القسوة من حبيبها الذي تُيمت بهِ عشقًا دون أن يعلم أحد غير عبراتها التي ملئت الوسادة ليلًا ، و ورقة متشابك حبرها مع الدموع ، تنفست بهدوء ثم أجابت بصوت مختنق . - " لم أقصد مولاي ، و عندما ذهبتُ لها وجدتها نائمة ." أشار لها بيده بالمغادرة ، فظلت تتراجع حتى أبتلعتها الحائط . ____________________ تقف ميلا أمام المرآة ، تنظر لنفسها بتفاخر و كِبر عاهدته ، تقف بالقرب منها نيا تحرك أصابعها مع بعضها البعض في توتر ، فمنذ إن قالت لها إن ثورة نائمة و لم تأتي معها و هي في حالة صمت غير المعتاد ، توقعت أن تصرخ فيها ، و لكن لم تفعل ، قالت ميلا بأمر . - " أخبري الأميرة تولاي و أشرقت و السيد بوغدان بإن ينتظروني في المكتبة ." - " أمرك مولاتي ." ____________________ - " أنتِ مميزة بطريقة مميزة ." - " منْ ؟" - " التسرع مثل الفأر الذي لا يري إلا قطعة الجبن و لا يري إنها بداخل المصيْدة ، ألا تتذكري هذه الجملة ؟ ، أممم من الواضح إنكِ لا تعملي بها . " كان هذا الصوت مألوف بالنسبة لي ، هذا الصوت الضخم المنخفض ليس بغريب عني ، قلت بصدمة . - " كيف عرفت بهذه الجملة ؟" صرخ في وجهي فجأة فقمت مفزوعة ، أتنفس بصعوبة ، صدري يعلو و يهبط ، و جبيني يتصبب عرقًا ، ألم تتوقف هذه الأحلام ؟ ، ألم أسمع هذا الصوت منذ مدة طويلة ؟ ، لمَ روادتني هذه الأحلام مرة أخرى ؟ ، أنني لا أستبشرُ خيرًا ، قمت وقفت أقطع الغرفة ذهابًا و إيابًا ، تحدثتُ لنفسي . - " هذا الصوت لا يأتي بعده خير ، هذا الصوت كيف عرف مقولة أبي ؟ ، متى عاملني ليحكم أنني مميزة ؟ ، و كيف أكون مميزة بطريقة مميزة ؟ ، و ما هذه الجملة من الأساس ؟" وقفتُ أمام المرآة ، أنظر إلى ملابسي الملطخة بالألوان التي رسمتُ بها ، نظرتُ لملامح وجهي الذي لم يتغير من الطفولة سوا بعض الهالات تحت عيني ، و بعض الخطوط على جبهتي التي تحاملت الصعوبات معي ، تنفست في محاولة مني للهدوء ، قلت بهدوء . - " ما بكِ ثورة ؟ ، ألم تمري بأصعب من هذا ؟ ، لمَ التوتر إذًا ؟ ، أهدأي يا ثورة ." تنفستُ بهدوء مظهرة على ثغري إبتسامة جميلة ، توجهتُ نحو خزانة الملابس أختار ملابس مريحة لأكمل رسمتي في غرفة ديما ، و لكن قبل أن أذهب لها أود أن أتجول في الحديقة قليلًا ، لعلي أقابل هذا الملك الوغد ، ثورة ... لم تكوني هكذا فلا تكوني ، وقفت أمام الخزانة ، أفكر ما سأرتدي ، وجدتُ فستان لونه أرجواني بأكمام شفافة مزينة ببعض الخرز اللولي ، إنه تقريبًا سيصل إلى الركبة ، أخذته و دخلت لأغتسل سريعًا ، دقائق و كنت أضع اللمسات الأخيرة لشعري القصير ، خرجتُ من الغرفة ، أتوجه إلى الحديقة بينما أنا في طريقي قابلت السيدة لادا ، قالت دون أن تنظر إليَّ . - " أنتظركِ في غرفتي ." أكملت سيرها ، نظرت إليها وجدتها إستدارت فاختفت عن أنظاري ، جريت خلفها فرأيتها تفتح باب غرفة في نهاية الممر ، دخلتْ و دخلتُ خلفها ، جلستْ على أريكة في وسط الغرفة ، جلستُ على مقعد قريب من الأريكة ، بدأت حديثها بهدوء . - " كيف حالك ثورة ؟ ، و ما حال الإبداع معكِ في غرفة الأميرة ؟" - " أنا بخير ." ثم أكملتُ بإبتسامة فهاهي تعترف بإبداعي . - " لم تُكمل بعد ، باقي القليل ." جلستْ في نهاية الأريكة بالقرب مني ، و قالت بهدوء و حنان أستشعرته . - " لمَ أنتِ هكذا ؟" رفعتُ حاجبي بتعجب ، تنهدتْ ثم أكملت حديثها . - " لمَ أنتِ قوية و جريئة و في ذات الوقت ضعيفة ، جناح مكسور يحتاج من يداوي جروحه و يحتويه ؟ لمَ أنتِ لديك أكثر من حرفة تجميلية ودائمًا تقليلين من نفسكِ بل كدتِ تقسمين ذات مرة بإن ليس لديكِ أي حرفة تجميلية ؟ لمَ أنتِ تريدين أن تُحبي و في ذات الوقت تسخرين من الحب و العشاق ؟ ، أنتِ تفعلين كل شيء و نقيده ، لمَ أنتِ هكذا ؟" صمتتُ ، هناك من دقق في شخصيتي ، شرح ما تخبأت منه لسنوات ، كَشف مخاوفي و وضعها الآن أمامي ، نظرتُ إليها ، "لمَ أنا هكذا ؟" ، وجدتُ نفسي أتحدث دون تفكير ، أكشف عن جوارحي ، أقول مخاوفي . - " لمَ أنا بالفعل هكذا ؟ أنا هكذا لإني وجدتُ إناس لا تفعل شيء غير السخرية ، إناس مهمتهم تحطيم الطموحات و الأحلام ، إناس إن لم تكوني قوية معهم ستكوني كالخاتم فأصابعهم ، إنهم ذئاب البشر ، و لكن ..." ركضت الدموع من عيني ، قلتُ بتمني . - " و لكن أود العيش في سلام ، أود أن أتعامل دون تفكير و تخطيط ، أن لا أتأخذ وقتًا في التبرير لشخص غير مهتم لأمري ، أن لا يكون معظم وقتي خصام و يكون عقلي يفتك من التفكير في كيفية إرضاء شخص ما ، أنا فقط أود العيش مع عائلتي في سلام و أمان ، كل ما أريده إن العفوية تكون عنوان حياتنا ، لا نفكر كثيرًا ، لا نضيع الوقت في التفاهات ، الخِصام دقائق ، مهما حدث بيننا تكون المودة في تعاملاتنا ، و يكون الغضب لا يمنع الاحتواء ، حياة هادئة لا يعوقها حقد ، حياة يملؤها السلام و الود و المحبة ، هذا كل ما أريده ." لا أحد ينجح في مواساتي غير أبي ، أشعر بالراحة بعد التحدث ، فأنا دائمًا أقنعني بإن هذه شخصيتي ، قوية طوال الوقت ، أتحدى بعند أي شخص ، ليس لديَّ ميزة أو هواية أو كما يقولون حرف تجميلية ، كنت أقنع دائمًا نفسي بإن هذه شخصيتي لم يؤثر عليها بيئة ، أهل ، أصدقاء ، إناس ، و كنت مخطأة ، فكلٌ منا يتأثر بكل شيء حوله ، بكل فعل ، بكل كلمة ، بكل همسة ، بكل شيء ، أعترف أنني أشتقتُ لأهلي ، أشتقتُ لأمي الذي حنانها يغمرني بطريقتها المريبة ، أشتقتُ لأبي الذي لم يفشل قط في إزالة حزني ، أشتقتُ لأخي الشقيُّ ، كنا لا نكف عن المشاجرات و لكن مشاكسته لي طوال الوقت كانت تشعرني بالسعادة ، أشتقتُ لعائلتي الصغيرة ، أريد أن أجلس بمفردي و أسترجع ذكرياتي ، و أحاول أن أجد حل لأعود ، وقفتُ فقامت و قالت لي بإبتسامة هادئة . - " أنتِ مميزة عن البقية ، يا ثورة تميزكِ واضح ، أنتِ مميزة في كل شيء حتى في طريقة تميزكِ ، أنتِ مميزة بطريقة مميزة ." ربتت على كتفي بحنان ، خرجتُ من غرفتها تائهة ... شاردة ، قادتني قدمي إلى الحديقة الذي قابلتُ فيها هذا الملك ، جلستُ على الأرض حولي العش ، كيف أنتقلتُ إلى بلد العجائب هذه حتى أعود منها ؟ ، ربما كانت هذه بلدة في عالم آخر ، منْ يعرف كل شيء عن البلدان ؟ أممم أشرقت ، سيدة المكتبة ، و هناك إحتمال صغير أن يكون هذا السيد الذي ساعدني من قبل ، ما كان اسمه ؟ ، الذي كانت لهُ ابنة عمة مُعجبة بها ، قال لي إنه رسول الملك ، ما كان اسمه ؟ ، ذاكرتي مثل ذاكرة النحلة أو الشمانزي كان عاصي يقول هذا دائمًا ، و لكن هذا الرجل الذي كانت ابنة عمته تدعي سيلين ما كان اسمه ؟ ، تذكرتُ حياة هذا الرجل كلها و لم أتذكر اسمه ... اا تذكرتُ كان يٌدعى بوغدان ، حسنًا ، عليَّ الآن أخذ قرارت بمفردي ، قرارت مصيرية ، أريد أمي و أبي ، سأتحدث مع أشرقت و بوغدان ، سأبحث عن كتب تدلني على طريقي الذي لا أعرفه ،و سأوافق أن أكون مُساعدة لديما لعل تقربي من العائلة الملكية يزيدني معلومة لعودتي ، سمعتُ صوت ما يأتي من بقعة مُظلمة ، أرتجف جسدي فالليل حلَّ و ليس هناك أحد حولي ، فمن أين أتى الصوت إذًا ؟ ، الصوت أقترب فوقفت أنظر حولي بخوف ، عيناي تبحث عن مصدر الصوت ، و أنا أبحث لاحظتُ ظل كبير في نهاية الحديقة ... أنتهى الفصل الثاني و العشرون أنتظروني . - تأليف : " ريتاج سامح ."
ريتاج سامح 🤎