المغادرة دون وداع.

المغادرة دون وداع.

61 0

"عودة الورديِّ." - "الفصل الواحد وثلاثون." لمْ يجب فأجاب أوليفر بدلًا عنه بثقة عمياء. - "أنتَ فقط." لمْ يفهم مقصده، بدا عليه إنه فهم عندما أقتحم قصره أعدادٍ مهولة من كُل الفئات وكُل الممالك حتى مملكته في جيش العدو! ___________________________________ هزيمةٌ مميتة أم نصرٌ ساحق؟ حقًا لا يُهمني، كُل ما أريد بيتٌ دافئ، أسرة دون شرط حبهم لبعضهم لبعض دون حدود، حديثٌ لا ينتهي في الليل والنهار، أفئدةٌ تعانق بعضها لبعض في أمنٍ وسلام وطمأنينة. أريدُ حبيبٌ في حرب أو أسرة في سلام غير ذلك لن يستوعب عقلي ما يحدث ويفرُّ قلبي هاربًا. ولكن هناك إناسٌ أفئدتهم تُجاور أفئدتنا فنتقبل كُل ما يحدث من حدث، مثلما أفعل الآن. بعدما مات كُل من حارب فِي صالح نجريوس عدا هو بالطبع، بدأت خطةٌ أخرى كُنت أقترحتها وأخبرتها للملك سالار أثناء الحرب وهي: إن يتسلل السريوس مُختبئين في إحدى الغرف المظلمة في القصر وبينما أوليفر يتفادي ضربات ذاك الوغد نفتح ستائر النوافذ فيصبح هباءً منثورًا. ها هي الإشارة، كان الجميع من كل الممالك يقفون حول أوليفر ونجريوس منتظرين النتيجة المزعومة، ولكن شيءٌ غريبٌ يحدث أوليفر لا يُحارب يتفادى الضربات وحسب لايهجم كان الهجوم من نصيب نجريوس، إنها اللعنة التي تُضعفه، كيف يُمكنني إنقاذه؟ تسللتُ بخفة بين الحشود حتى وصلت لأشرقت سألتها بِقلق وكانت أجابتها "إبريز" لمْ تقل غير ذلك، نُفذ الجزء الأول من الخطة تبقى الجزء الثاني والأخير، ارتفعت ستارةً تلو الأخرى بينما ظلَّ نجريوس يحارب بدهاء في الظل حتى ارتفعت الستائر كُلها فاختبأ في ظل كرسيه الضخم، وفشلتْ الخطة، كان يجب على أحد التدخل كانوا يفكرون ولكني لمْ أتيح لهم الفرصة وتقدمتُ ببطيء وخطوات بطيئة حتى لا ينتبه لي، خطوةٌ تلو الأخرى قُلصت المسافة إلى ست خطوات، دقات قلبي تعلى رويدًا رويدًا... طعنة أخترقت مُنتصف ظهره والمفاجأة ليست هُنا بل إنها في جسده الذي ابتلع السكين وفي دمائهِ السوداء التي تناثرت ثُم تحولت للون الأحمر! ما هذا الكائن بِحق السماء؟! تفاديتُ عدة ضربات وسددتُ له أكثر من لكمة، حاولتُ بكل الطرق أن يتعرض لإشاعة الشمس، ولكنه كان يلتف كالثعبان حولي، يتحرك وفي ذات الوقت لا يتزحزح عن مكانه شبرًا، وأخيرًا سقط على الأرض؛ أثر قدمي الذي لم ينتبه لها، سقط في أيادي آشعة الشمس... إحساسٌ بالإنتصار يراودني، العجيب في ذلك إنه أصبح قصير القامة في طولي تقريبًا، وجهه كالطماطم تمامًا؛ أعتقدُ إنه نتيجة الضوء عليه، والأعجب من ذلك إنه لمْ يخشى الضوء ووقف مُستعدًا للقتال، هجم عليَّ في قوة... فتفاديتُ لكماته العنيدة المُحملة بالغضب، أسقطه مرّة أخرى وكان لِنفس السبب! فيثور ويعود يلكمني بغضب... فأسقطه مرّة ثالثة! وأصبحنا في دائرة مغلقة وحان وقتُ فتحها... ها هي المرّة الرابعة، تلك المرّة لمْ يثور، ولمْ يلكمني، ولم يقم من الأساس بل ظلَّ كما هو لِبعض الدقائق مستلقيًا على الأرض، ظننتُ إنه مات وللتأكد حملتُ سيفَ أوليفر؛ لِقتله، أقتربتُ خطوة.. خطوة وقُلصت المسافة لخطوتين فحسب، ودون سابق إنذار وقف أمامي كليث مُستعد لِأكل فريسته، وفي غمضة عين وجدتُ نفسي أرتطم بحائط الغرفة... تاركة السيف؛ أثر ضربته التي غفلت عنها، ألمٌ يجتاح جسدي بل يحتله ورغم ذلك قاومت، ليس لي بل لِذلك الشخص الذي تودد القلب لهُ ؛ حُبًا، وربما لأرواحٍ بريئة لا ذنب لها في كُل هذا، أصابني لكمة في وجهي؛ جعلت توازني يختل، أستندتُ على الحائط بتعبٍ وإرهاق بدا على وجهي كالشمس وقت الظهيرة، ها هو يسدد لكمة أخرى... أصابت الحائط مهشمة عظام يديه، وقف يُمسك بيديه يتفحصها... ظلَّ فترةً كانت كفيلة بِقتله! فقد جلبتُ سيفَ أوليفر مجددًا... شهرتُ بالسيف أقصد إقتلاع تلك الكرة التي تعتلي جسده، المقصد أقتلع في مشهد دموي تمتزج فيه المشاعر بل تشترك في شعور واحد وهو: الفرحة، تبدو الفرحة العارمة على وجوه كُل الملوك بل كُل كل من أراه... لا بل كل من يحيّ في الممالك الخمس! _بعد مرور ثلاثة أشهر_ من أصعب اللحظات التي قد تمر على الإنسان هي لحظات الوداع، لحظةٌ تُملئ بدموعٍ وحزن وكلمات وداع، لحظةٌ تأتي تُفارق بِها مكانٍ وزمنٍ وأشخاصٍ صنعت معهم ذكريات، قد يأتي الفراق دون لحظة وداع وهذا أفجع شعور، هذا الفراق كفراق الأحبّة عن طريق الموت أو المغادرة بهدوء كإنه لمْ يأتي... مثلما حدث معها عندما غادرتْ عائلتها، ربما لو كانت تعرف لقضت معهم وقت أكثر، ربما لو كانت تعرف ما كانت تنم يومها، ربما لو كانت تعرف ما قضت وقتها في البكاء تاركة قلوبهم تفزع عليها، ربما لو كانت تعرف ما تضايقت أو بالغت في شكواها منهم، ألف لو تنتهي بمعرفتها ولكنها لم تعرف، هيهات لا تُجدي الندامة. كانت هي تدرك إن حيثما أحبت غادرت؛ ولذلك كانت شاردة معظم الوقت فالآوانة الأخيرة... بعدما انتهت الحرب بِتدحرج كرة ما على الأرض، بدأت الأمور تعود كما هي وأحسن عدا مملكة تنبريس لم تعد من الأساس بل أصبحت هباءً منثورًا كإنها لم تكن، السريوس عاشوا متفرقين... كل مجموعة منهم في مملكة، لمْ تكن خسائر الحرب فادحة كانت عدة مصابين، وأرواحٌ مقتولة تُعد على أصابع اليد الواحدة! ويدٌ مكسورة لِصاحبة الإنتصار الذي حُقق؛ لإنها لا تهتم بالتفاصيل الصغيرة... لمْ تهتم بِسُلمة بإكملها فسقطتْ من على سُلم القصر الكبير؛ فأدى إلى تهشم عظام ذراعها... قضت وقت أقل من الطبيعي في العلاج لِقوتها الجسدية التي تتمير بِها لِكونها "خفية الأرض"، ولكن ذراعها ما زال يؤلمها في حركاتٍ بسيطة... ولكنها تتناسى ألمها كُلما تذكرت إهتمام أوليفر بِها الذي شُفيَّ من اللعنة، كان شفاؤه في دِماء الإنسان! وليس أي إنسان بل إنسان وُلد في ذات مملكة الملك... ولم تكن غير إبريز ذاك الإنسان... فأبيها أتى إلى مملكة أيار مثلما أتت ثورة تمامًا، يأس من العودة فتزوج من فتاةٍ تعيش في مملكة مجاورة، مع مرور الوقت أكتشف إن تلك الفتاة ليس لديها هوايات وإن فصيلتها نادرة، وقيبلتها تعيش تحت الأرض ولكنها تمردت وخرجت... وكان خروجها يعني موتها ولكنها لمْ تمت، وكانت الدليل على قصتهم تلك "إبريز" ابنتهم الوحيدة، تركوها خلفهم ورحلوا عن الحياة، أكتشف الجميع مؤخرًا إن والدها هو من خطَّ قلمه كتاب "خفية الأرض". اقتُحمتْ الغرفة فجأة وانتشرت بِها رائحة نفاذة، تحدث المُقتحم بِدهشة. - "لمَ لمْ ترتدي الفستان حتى الآن؟ الحفلة أوشكت على البدأ." تنهدتْ ثورة بِحزن وهم يُثقل قلبها، مردفة في هدوء تحلت بهِ مؤخرًا. - "فستانكِ جميل يا تولاي، أعتذرُ إن كنت أزعجتُ أحد منكم بتأخري." أومئت تولاي بإبتسامة تُزين ثغرها وغادرت. _بعد دقائق_ كانت تقف في الشرفة بِفستان إرتدته خصيصًا للحفل، أقل ما يُقال عنه أنه "رائع"، فستانٌ أرجواني اللون مُميز كزهزة مميزة تترعرع في بستانٍ مليء بالورود! كان مُميز في كُل شيء مثلها!.. كان ضيقًا من الخصر... يبرز نحافة خصرها وقوامها الممشوق وكان الجزء العلوي من الفستان مُغطى بالزهور الأرجوانية ذات اللمعه البسيطه و المميزه، زهرةٌ تلو الأخرى حتى بدى الجزء العلوي بِهذه الطريقة، ومن الخصر بدأ في الإتساع حتى النهاية، كان قطعةً فريدة من نوعها مثلها!.. وفي النهاية كان فستانًا لا يليق سوى بها، كان شعرها قصير كاد أن يصل إلى كتفيها، وخصلاته مموجة ذهبية، كان منسدل بشكل يُخطف الأنفاس.. تمردت بعض الخصلات من الأمام وسقطت على وجهها.. ذلك الوجه المستدير الذي وُضِعَت عليه بعض مساحيق التجميل البسيطة التي لمْ تُخفِ ملامحها الجميلة التي تزداد جمالًا يومًا بعد يوم. طرق أحدٌ ما على الباب فتحركتْ تفتح لَهُ الباب، انفتح الباب وظهر منهُ فتاةٍ ترتدي فستانًا أزرق يتدرج للأفتح كلما وصل لِنهاية الفستان، وشعرها الطويل المنسدل جزء منه على ظهرها وجزء على كتفها من الأمام، كانت ملامحها حادة عندما فتحتْ الباب ثُمَّ تحولت لِلصدمة والدهشة مِن جمال ثورة التي رأته لأول مرة، قالت بلا وعي. -"ما هذا الجمال يا ثورة؟" ابتسمتْ بِخجل... حركت يديها في توتر تُعيد الخصلات خلف أذنيها، وانتفضت كإنها لدغة مِن عقرب للتو، تحدثتْ بوجه مذعور. -"الحفلة، الحفلة يا تولاي." تحركا الاثنين بِخطوات سريعة للغرفة المزعومة، فتحتْ تولاي باب الغرفة ببطأ؛ حتى لا يُصدر صوت، دخلتْ هي وثورة في خطوات بطيئة؛ حتى لا ينتبه إليهم أحد، ألقتْ ثورة نظرة على الغرفة... وكانت صغيرة نوعًا ما، يتوسطها طاولة صغيرة... مُلتف حولها أربعة مقاعد، تجلس ميلا على أحد المقاعد الأربعة... وتبدو شاردة، وفي ركنٍ من الغرفة... طاولة كبيرة عليها مشروبات عديدة، وأنواع من الأطعمة شهية ولذيذة، يقف بِجوار تلك الطاولة أوليفر مُستندًا على الحائط وأمامه لوكاس، ومن الواضح إنهم يسترسلان الحديث فيما بينهما، هما الاثنان كان ظهرهم لِباب الغرفة، هكذا الغرفة إعتيادية وهذا أمرٌ عجيب، فلم يكن هناك شيء إعتيادي في هذا العالم! لذا كان هناك شُرفَتَان أمام بعضهما البعض، واحدة تَطُل على القصر من الخارج، وواحدة على القصر من الداخل! الْتفَّا أوليفر ولوكاس على أثر الروائح النفاذة التي أخترقت أنفهما، سُلبت أنفاسهم مِن جمال الأخريات، فكان لِكل واحدة مِنهم أسلوب في الجمال مُختلف عن الأخرى، تحرك أوليفر ناحية ثورة كمَن نُوم مغناطيسيًا، وبادر في الحديث بِغزل صريح. -"كان للقلب مَطلبًا    ووجد المطالب كلها عندك    وما للقلب مطلب     بعد إذ رآكِ حلوةً." أبعدتْ نظرها عنه بِخجل، فكان هذه المرة الأولى التي يغازلها فيها وجهًا لوجه! كانت هذه المرة الأولى لها فجرعة الحب، وكانت بِرفقته! وهذا أكثر ما أسعدها. صدح صوت في أرجاء المملكة ولم يكن سوى مزمار للإعلان عن الحفل، كان الصوت منقذًا لَها! تحرك أوليفر ناحية الشرفة المُطلة على القصر مِن الخارج وخلفه ثورة وتولاي وميلا. كان لوكاس مازال واقفًا عند الطاولة... نظراته مُثبتة على تلك اللصة التي سرقت قلبه، يعرف إنه مُستحيل أن يتزوجها فهي أخت الملك! وما هو إلا حارسه! ___________________________________ - "أكتبُ ذلك كُل يوم؛ لعلها الليلة الموعودة، عودتي لعائلتي باتت مُستحلية، ولكن أيوجد شيء مُستحيل في تلك البلاد؟ في الحقيقة لاشيء مُستحيل لطالما تؤمن بتحقيقه في بلادنا أو في البلاد تلك، اعتاد الجميعُ عليَّ حتى إنهم نسوا قصتي! ألا يعلمون بأنني يجب أن أعود لِعائلتي؟ أشرقت فقط هي مِن تدرك ذلك، هي الوحيدة في هذه المملكة التي تبحث عن طريقةٍ ما لِلعودة او حتى ترياق! كُل يوم تُعطيني أعشاب غريبة الشكل، مرةُ المذاق... وياليتني أعود." تنهدتْ بإشتياق، فهي بين حُب العائلة، وحُب العشّاق، أحبّت بِصدق أوليفر... وتريد أن تُكمل حياتها معه، ولكن... ولكن أتترك حُب سبعة عشر عامًا مُقابل حُب بِضعة أشهر؟ أيعقل هذا؟ فأيًا يكن هم عائلتها الودودة التي تُموت اشتياقًا لهم فِي كُل دقيقة تُمر، تشتاق لمشاجرتها هي وأخيها، كانت تلك الخلافات لهَا لذة مُحببة لِقلبها، تشتاق أذنيها لِسماع صوت والدتها، يشتاق قلبها قبل عقلها لكلمات أبيها الوعظة، تتذكر تجمعم كُل أسبوع... يالها مِن أيام جميلة! شقت عبارتها الطريق لوجنتيها، أدارتْ الورقة ومسكت القلم بيد مهزوزة، كتبت بألمٍ يجتاحها. -"لمَ لا أعيش مع عائلتي وحبيبي أيضًا؟ لمَ هو يضع الصعابات في طريقي؟ لمَ لا يدرك إن عليَّ المغادرة فيهاجرني بِلطف؟ على الأقل سيسهل لحظة الوداع، الخطوة التي يقتربها أبتعدها أنا! لا أريد ذلك... ولكن عليَّ ذلك، وهذه المرّة هناك مُستحيل وهو زواجِنا!" جففتْ دموعها بيديها المرتجفة، نهضت مِن على المكتب الذي يقبع في غرفتها.. وقفت أمام الفستان الذي ارتدته في الحفل وضمته إليها، تعلقت رائحة اللافندر بِها.. الرائحة تملئ الغرفة بإكملها، عادت إلى سريرها.. جلست عليه بإبتسامة بلهاء تزين ثغرها، تذكرت تغزله فيها اليوم.. وتغزله فيها عندما رآها لِاول مرة، نامت بتلك الإبتسامة على شفتيها ورغم إنها كانت تحمل همًا على قلبها إلا إن تذكرها ذلك جعل الغرفة لا تتسع أجنحتها! ___________________________________ وفِي بقعة مِن بقاع الأرض، تتميز الجدران المُحيطة بِهم بِاللون الأبيض، في ركن مِن تلك الغرفة.. سرير مُتحرك كالذي يكون في المُستشفيات، كانت تنام على السرير بِملامح باهتة.. مرهقة، كإنها كانت بِحرب دامت طويلًا.. وبِالفعل لم تكن سوى في حرب واقعية وداخلية! يجلس في نهاية السرير والداتها.. لمْ تكُف عن البكاء مِن وقت إغماء ابنتها، مقعد مقترب مِن اليد اليسرى.. يجلس عليه فتى نائم، يتململ بين الفنيةِ والأخرى ويُلقي رأسه بِجانب يد الفتاة، وجسدٌ على أريكة في ركنٍ بعيد عن السرير. يتحرك جفنها فِي حركة ثقيلة كإنه يحمل أطنانًا مِن الهموم، فتحت عيونها بِحركة بطيئة.. لا تستوعب ما تراه! -"أنتِ بخير؟ كيف حالك الآن؟ أترينني جيدًا؟ كم أصبع ترين؟" تحدثت بِها والدتها_ميسان_ فِي صوتٍ عالي أيقظ النائمين فِي الغرفة، أنتفضت الرأس التي بجانب يديها بِحُب وخوف، ضمَّ جسدها لهٌ دون حديث.. فكان لا يعرف التعبير عن شعوره سوى بإن يضمها هي خاصةً، كان يقف على باب الغرفة مع الطبيب يتحدثان في أمورٍ عدة بعدما أيقظته زوجته مِن صوتها، لمست يد أخيها بدموعٍ تترقرق في عينيها، لا تصدق إنهم حقيقة.. تشعر إنه مجرد حُلم؛ لإن الشيء الجميل لا يدم طويلًا. أقترب ذاك الشخص مِنها وضمها فِي عناقٍ طويل، تلك الساعات مرّت كإنها أشهر! أردف بِلهفة وحُب غلّف كلماته. -"أُصِبيتِ وأصيب معكِ قلوبنا، ألا تعرفين أن قلوبنا أرق مِن ورق الشجر فِي الخريف؟ قلقنا عليكِ فاق الحدود يا حبيبة أبيكِ." تعلقت فِي عناق أبيها بنفسٍ مشتاقة لَهم، ها قد عادت كما تمنت. _بعد مرور ثلاث سنوات_ رمقتُ تلك اللافتة المعلقة على ذاك المبنى الضخم التي تحمل جملةً محببة لِقلبي ولمْ تكن سوى "كلية الفنون الجميلة"، تلك الكلية التي دخلتها بِنفس رحبة رغم إن مجموعي كان جيد بالنسبة لِكليات القمم ولكني أخترت تلك الكلية. صديقةٌ لي بِجوراي وضعت ذراعها على كتفي، وقالت بصوتٍ منخفض كمَن يقول أسرار حربية. -"ألَا أخبركِ بِسرًا؟ إنني دخلت هذه الكلية؛ لإنكِ قررتِ ذلك." أخذت الإبتسامة مجراها على شفتيَّ، فقد تعرفتُ على "كارلا" في إختبارات الثانوية العامة... فقد كانت منهارة بعد خروجها مِن إختبارٍ ما، هدأت مِن روعها.. وصادقتها! ومِن يومها لمْ نفترق. دخلنا الكلية قاصدين المكتبة.. وبالطبع لمْ يخلُ طريقنا مِن ثرثرة كارلا، وكان مِن عادات كارلا الحديث المتكرر قي المواقف المتكررة مِثل: بداية الحديث الأول لَنا في بداية كُل عام جامعي، بدأت ثرثرتها بِقول. -"اليوم العام الثالث لنا في الكلية، أنرنا الكلية بنورنا بالطبع!" ابتسمتُ عليها، أحبُ نرجسيتها... قالت فجأة بتحمس. -"أمينة المكتبة هاجرت مِن البلد، أتت سيدة أخرى مكانها.. مُتحمسة جِدًا لمصادقتها." دخلنا المكتبة بحماسٍ، وإذا بالصدمة تحتل ملامح وجهي.. فكيف أتت لِهُنا؟ أم أنا أصبحتُ أتخيل أشياء وهمية في الفترة الأخيرة؟ أردفت أمينة المكتبة بصدمةٍ مماثلة. -"ثورة؟ ماذا أتى بكِ إلى هُنا؟" -"مَن أتى بكِ يا أشرقت لهُنا؟" تنهدتْ بحزن، قالت بهمٍ استحوذ على نبرتها. -"تُوفيّ عددًا كبيرًا مِن الممالك؛ بسبب فيروس أنتشر بشدة بعد مغادرتك، توفُيت السيدة ميلا مِن ذاك الفيروس أيضًا، اضطررتُ لأخذ عينة مِن ذاك الفيروس؛ لِفعل دواء، في ذات المرات يأستُ وشربتُ مِن الدواء، وقتها لمْ أشعر بشيء.. اسيقظتُ بعدها بمدة فِي مشفى، أتضح بعدها إني كُنت في  غيبوبة دامت سنة وبضعة أشهر! فلَمْ أعرف إن كان هذا ما صَوَّرَهُ خيالي في غيبوبتي أم حقيقةٌ عشتها؟" أجبتها بِهدوء كإن ما أقول هين. -"حقيقة؛ لإنني بعدما عُدت وجدتُ رائحة الياسمين مُعلقة بي.. وهي ليست معي في الواقع! وغير ذلك إن ذراعي ظلَّ يؤلمني كإنه كُسر حقيقةً! لو لمْ يكن ما عشناه واقعًا فما شعرنا بأثره بعدما غدرنا!" أومئتْ بِرأسها بإبتسامة أشتقتُ إليها، تعانقنا فِي ود وافترقنا، لعلنا نتقابل مجددًا فِي مكانٍ آخر غير متوقع! لا أعرف. تجول بصري فِي المكتبة سريعًا؛ لعلي أجد صديقتي التي اختفت منذ دخولنا المكتبة، وجدتُها أخيرًا فِي أحدى طُرقات المكتبة. بعد خروجنا مِن المكتبة، وكالعادة المعتادة بدأت هي في الثرثرة. -"ألا أروي عليكِ سرًا آخر؟ قبل مُصادقتك كُنت أظنك معقدة، فلا تفسير لخُلو دائرتك مِن الأصدقاء سوى ذا! ولا أُخفي عليكِ حقيقةً.. كُنت أظنك فاشلة؛ فحديثك الدائم فأي مكان لا يُوحي سوى بذلك، وكُنت أراكِ دائمًا ترسمين فِي حديقةٍ عامة، أقابلك فِي مكان آخر أراكِ تقولين بأسى حقيقي"لا أمتلك موهبة مِثل بقية البشر" لا أعرف إن كان عقلكِ فِي إستراحة؛ لِتفعلي كُل التنقادات تلك. أخبركِ إنكِ لديكِ صفات حميدة ليس عند كُل البشر، لديكِ مواهب عديدة ليس عند كُل البشر، حسكِ الفكاهي جميل عكس ما تقولي دائمًا! لا أعرف أين الخلل؟ رُبما فِي ثقتك بنفسك وحسب! هل كُنتِ ما أظن بالفعل؟ ولو كُنتِ ذلك فما سبب تغيُرِك؟" كُنتُ كذلك بالفعل، كُنت غبية لإني لَمْ أقدِر نفسي، ولم أثق بِها! تنهدتُ أتذكر تلك الأيام التي نُمتُ فيها دائمًا باكية، ها أنا الآن غيرُ ذلك تمامًا، أردفتُ بِرضى عما أنا فِيه الآن. -"يُمكننا قول إني كُنت هكذا بِالفعل، سبب تغيُرِي رحلة! رحلة يُقضيها كُل إنسان بطريقةٍ مُختلفة عن الأخرى، فِي هذه الرحلة تُكرم النفس التي طالما أهانها، يُميز بطريقة تجعله يتعافى، هذه الرحلة تُغير مِن التفكير، رُبما الرحلة تكون صعبة.. لا بل مِن المؤكد صعبة، ولكن يجب أن يعيشها بِمُرها وحلوها، هذه الرحلة تجعل الإنسان يغير موضع وقوفه! او يبتعد ليرى الصورة كاملة، مازال الإبتعاد يُبرهني في نتائجه!" تنهدتُ كارلا بإنزعاج، هي تعزج عن الرد كوننا وصلنا مقصدنا! ___________________________________ فِي بقعة مِن بقَاع الأرض، يُحسب العام بِعشر، فإذا مرَّ ثلاث أعوام أي مرَّ ثلاثون عامًا! يقف فِي الشرفة الخاصة بِغرفته.. يتأمل تلأْلُأ النجوم فِي السماء، يتذكر ما مضى.. فقد حدث أشياء عدة منذ اختفاء ثورة، بدايةً بالفيروس مرورًا بِموت السيدة التي ربته -ميلا- ثمّ زواج أخته مِن لوكاس عقب اختفاء أشرقت مِثل ثورة! نهايةً بزواجه مِن أوغستا -أخت الملك سالار- التي أنجب مِنها توأم، اسمهما: هايا، وفايا.. مازالتا طفلتين، يذكرونه بديما.. دوى صوت مفزع فِي أرجاء المكان، ألتفت بِفزع.. وجد زوجته تجلس على الأرض، تحتضن الطفلتين بِخوف، على بعض خطوات منهم زجاج مُتهشم، هرول نحوهم وأردف متسائِلًا بِجزع. -"مَاذَا حدث؟ هل حدث لكم شيء؟" وقفت تحمل الفتاتين متنهدة بطمأنينة، وضَعتهم على السرير، قالت وهي تنحني. -"هايا قذفت المزهرية فِي حين غفلة مني." لَمْ يُنادي على الخدم.. فمُنذ أن تزوج أوغستا وهي منعتْ أن يكون هناك خدم شخصي لِلعائلة الملكية، جلس على السرير بِجوار فتاياته يلاعبهنَّ. -فِي مكَانٍ آخر- فِي ركنٍ مِن أركان غرفةٍ كبيرة.. طاولة صغيرة جِدًا يلتف حولها مقعدان، يجلس على المقعدين الثنائي اللطيف: تولاي ولوكاس، يتناولان الطعام مع تبادل الأحاديث، أردفتْ هي بِفضول وحب يعتليها. -"من متى كُنت تُحبني؟" -"بعد تعييني حارسًا شخصي بعقدين!" مالت بِجسدها نحوه وأردفتْ بِفضول يتزايد. -"ما الموقف الذي أحببتني منه؟" عبس بوجهه مازالت المشكلة بينهم فرق الطبقات! بالنسبة لهم ليس هناك مُشكلة، ولكن الناس دائمًا ما يرونه إنه تزوجها بدافع الطمع! يشعر دائمًا بإنه أقل منها، ولا يستحقها.. أغلب خلافاتهم على هذا الأمر! عندما تزوجها سافر بِها مملكةٍ أخرى؛ لإنها فِي مملكتها تتذكر موت أختها وموت السيدة ميلا، ولا تُكف عن البكاء عندما تتذكر، فسافر بِها؛ لتتعافى مما مرّت به. أردف مغيرًا الحديث بِحنقٍ خَفِيْ. -"سمعتي ما حدث لِبوغدان؟ يُقال إن بعد وفاة زوجته -سيلين-؛ بسبب ذاك الفيروس، أعتزل الحياة أي يظل لمدة طويلة ليست بِهينة فِي منزله يقرأ كتب رومانسية ذات نهاية مأساوية، ثُمَّ بعد إنتهاء تلك المدة يخرج مرّة يتجول فِي أرجاء المدينة ويعود بِحزن أكثر مِن ذي قبل!" رمت قنبلةً على قلبهِ بِقولها. -"ستحزن عليَّ إن مُت؟" ترك ما في يده، وعنقها بِهدوءٍ فِي صدمة أحتلته. -"لِمَ تقولي ذلك؟" تصنعت الإبتسامة، وهذه المرَّة كان دورها فِي تغيير مجرى الحديث. -"تتذكر هيا تلك الهجينة؟ تزوجت القائد الذي أبى فِي بداية الأمر التضامن معنا فِي الحرب! كانت صدمة بالنسبة لي!" ثُمَّ جاء رفيقهم الثالث: الصمت، حلَّ الصمت على المكان كما لمْ يَحِل مِن قبل! ___________________________________ دخلتْ هي بضجيجها المُعتاد، مزحتْ مع والدها ووَالِدتها قليلًا قبل أن تُشاكس أخيها، لا تعرف لِمَ دخل ذاك المتمرد كلية هندسة! يجلس على الأرض فِي منتصف غرفة المعيشة، أمامه ورقة كبيرة يرسم عليها بأدواته الهندسية.. جلستْ بِجواره وقالت جملته. -"من تعلم.. ماذا أخذ من التعليم؟..كُف عن المذاكرة يا عاصي." لَمْ يجب عليها؛ فكان مركزًا لِدرجة إنه لمْ يسمعها! قامت مِن جواره وتوجهت نحو غرفتها. تجهزت لِلنوم.. جلستْ على السرير متنهدة بِحزن؛ تذكرت العريس الذي سيأتي غَدًا.. لا تُود أن يأتي، لا تُود غير أوليفر! كتبتْ مِن وقت مجيئها عشرات الأشعار وعشرات القصائد لحبيبُ قلبها، نامت وهي فاقدة الأمل أن يأتي فِي الواقع. هذه المرَّة لمْ يكن نومها عاديًا بل كان مصطحبًا بِحُلم يبتدأ بِهرولتها هي وفتيات أخريات يرتدنَّ ذات الرداء، مِن الواضح إنهم الخدم الملكي! أتت فتاة مِن خلفها تتحدث بنبرة سريعة. -"أسرعي يا ثورة؛ الملك والملكة منزعجين اليوم." أكملتْ هرولة تقصد الطابق الملكي، قرعت الباب بِهدوء.. سمعتْ صوت تعرفه يسمح لها بالدخول، دخلت ووضعت ما بيدها على طاولة صغيرة، دون أن ترفع بصرها، صاح مِن سمح لها بالدخول. -"أنتِ غبية؟ من سمح لكِ وضع الطعام هُنا؟" أنتفضتْ على أثر الصوت، رفعت بصرها ولمْ تكن سوى.. والدتها! طرق الباب ودخل هذه المرة.. والدها! ومِن هُنا انتهى الخيال.                                    تمَّت بِحمدالله. تأليف/ ريتاج سامح.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

عودة الورديِّ

المؤلف ريتاج سامح 🤎
2024/06/15 مكتملة
قائمة الفصول (32)
الفصل 1: وعائظ أب لطيف.
2024/06/15
الفصل 18: جُنِنْت بسببُها
2024/09/21
الفصل 19: لم يجرؤ أحد.
2024/09/21
الفصل 20: براءة أميرة.
2024/09/25
الفصل 21: يا حبة السُّـكر!
2024/09/25
الفصل 22: الأشياء ونقيدُها.
2024/10/11
الفصل 23: هجينةٌ يتيمة!
2024/10/11
الفصل 24: خِفية الأرض.
2024/10/16
الفصل 25: جمالُ قلبك.
2024/10/16
الفصل 26: خطة الحرب.
2024/10/16
الفصل 27: خيمة الأسرار.
2024/10/16
الفصل 28: سُلبت روحها.
2024/10/17
الفصل 29: خُطفت.
2024/10/17
الفصل 30: مواجهة عبثية
2024/11/03
الفصل 31: اقتحامٌ مدمر
2024/11/03
الفصل 17: المنَاخ.
2024/09/17
الفصل 16: يا لكِ من طيبة!
2024/08/21
الفصل 2: حُلم أم واقع.
2024/06/18
الفصل 3: رغم الإختلاف متحابين!
2024/06/22
الفصل 4: نارٌ وماء!
2024/06/25
الفصل 5: الملوك العِظام!
2024/06/29
الفصل 6: آخر حُلم!
2024/07/02
الفصل 7: وسوست النّفس.
2024/07/06
الفصل 8: صدمة الإختلاف.
2024/07/15
الفصل 9: دون هواية!
2024/07/15
الفصل 10: إعتذار غير مقبول!
2024/07/15
الفصل 11: تنسى كَكُل مرة!
2024/07/20
الفصل 12: دون تفكير!
2024/07/25
الفصل 13: قلبٌ يُعانِي
2024/07/29
الفصل 14: خدمٌ كثير.
2024/08/01
الفصل 15: مهنةٌ لم تنالها!
2024/08/14
الفصل 32: المغادرة دون وداع.
2024/11/03

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة