" عودة الورديِّ ." - " الفصل الثامن ." توجهتُ نحو غرفة الطعام و أنا أبحث عن قنينة ماء فإذا بي أستمع إلي همسات غريبة ....فليس بصوت أختي !... و ليس صوت التلفاز فهي لا تمتلك تلفاز في غرفتها !... إذا ماذا ... أيوجد دخيل بالمنزل ؟!... أم أنني أتخيل ... تلفتُ حولي بتوتر ... لم أجد شيئاً أو ربما كان يوجد و أنا لا أري فجميع المصابيح مغلقة ... ذهبتُ سريعاً نحو غرفتي و أنا أبتلع الغصة التي تشكلت في حلقي من الخوف . ________ و في مكان ضيق ، مظلم ، تكسو الطين أرضه ، يوجد فتاة ملقاة علي الأرض ، و بعد أميال كانت هناك الكثير من البيوت بجوار بعضها بعضاً منها الكبير و منها الصغير ، و في أحد البيوت الصغيرة ، تقف فتاة تنظر من الشباك ... لا تفعل شيء غير التحديق أمامها ، فشوارع ممتلئة بالإناس التي تسير هنا و هناك ، كانت تُتابعهم في صمت ، توجهت بنظرها إلي الشارع المظلم التي تملأه الذكريات المؤلمة ، أبتعدت عن الشباك و جلست على أريكة قريبة من المدفأة و قالت بصوت عالي محدثة نفسها . - " أحببتي أن تكوني وسط الناس فأصبحتي بمفردك ، و هكذا الحياة لا تعطينا ما نحب بل تعطينا ما نكره أو أسوء ، و من الممكن أن تعطينا ما نحب و تضع فيه صعوبات و عقوبات ." و ضحكتْ بصوت عالي بسخرية مريرة ، تناولتْ كوب الشاي الساخن من على الطاولة و قالت بصوت عالي محدثة نفسها بمرارة . - " الكوب ساخن ، الشاي ساخن ، نسمات الهواء من حولي ساخنة ، كل شيء ساخن عدا قلبي ." و أوقف صوتها الحزين حركة بخارج البيت ، و أصوات كثيرة فتركت الكوب سريعاً ، و توجهت نحو الشباك فرأت نوراً خافتاً من هذا الشارع المظلم ... هلع ، خوف ، قلق ، توتر ، فضول ... كانت مشاعرها مضطربة ، لا تعرف ما يجب عليها فعله ، قالت بصوت عالي محدثة نفسها في محاولةٍ منها أن تكون شجاعة . - " لا يحدث شيء ، ممكن أن تكون سلة مهملات مشتعلة ، و ممكن أن لا يكون هناك شيء و هذه تخيلات بعقلي ، أو ... أو .." ثم أكملت بطيبة و أبتسامة . - " أو من الممكن أن يكون شخصاً يطلب المساعدة ، أو شخصاً يستغيث بطريقةٍ ما ." تحركت نحو الباب و قالت بعزم . - " و أن كان هنالك شخص يطلب المساعدة فسأمد يد العون له ." جلبت مصباح ، و أرتدت حذاء متهرتل ، و تنفست بعمق و فتحت الباب بسرعة كي لا تغير قرارها ، بدأت بإن تخطو خطوات مرتجفة نحو الشارع المظلم ، تسير خطوة تلو الخطوة ، يديها ترتجف بخوف ، توجه المصباح في كل إتجاه في هذا الشارع ، تنظر يميناً و يساراً بتوتر ، وجهت المصباح لأمامها في حركة مفاجأة ، لتري وجه أمامها مباشرةً مغطي بالطين ، لتصرخ رافعة يديها اليسري في الهواء و أصبع السبابة إلي الأمام ، و صرخ صاحب الوجه و سقط علي الأرض بفزع بينما تراجعت و هي تخفض يديها و تتنفس بسرعة و بهلع ، هدأت قليلاً ، و وجهت المصباح نحو وجه هذا الشخص الذي كانت ملابسه مغطية بإكملها بطين ، علي ما أعتقد إنها أنثى ، فقلتُ بنبرة حادة و بجدية . - " منْ ؟" كانت سترتجف أوصال أي شخص عند سماع هذه النبرة و لكن الذي أمامها لم يتأثر فيبدو إنه مشوشاً أو إنه لم يسمع ، قال صوت أنثوي ضعيف . - " أين أنا ؟" و هنا تأكدت الفتاة حاملة المصباح بإنها أنثي ، أبتسمت لها ، و مدتْ لها يديها بإبتسامة لطيفة علي وجهها ، نظرت الفتاة التي جالسة علي الأرض إلي هذه اليد و إلي التي تقف أمامها فهي مشوشة ، و الرؤية غير واضحة ، الكلمات تصل إلي أذنيها بصوت منخفض ، و المناخ الذي حولها لا يسعفها فكانت رياح شديدة ، و الذي أدهشها إن الذي تقف أمامها لا تتأثر بالرياح تماماً ، قالت مترنحة . - " أنني أري أكثر من يد ، أمسك ..." و كانت علي وشك السقوط في الطين مرة أخري ، لكن أسندتها الفتاة ، و سارت بها حتي بيتها ، و أدخلتها به ، الفتاة كانت مثل المُغشيْ عليها ، وقفت أمامها بحيرة ، أفكر ... ماذا أفعل ؟... حركتْ أصبع السبابة الي الأعلى و فجأة كان بالقرب من كتفها دلو من الماء ، نظرت الي كتفها بإبتسامة ، و من ثم نظرت الي الفتاة ، و في نفس اللحظة حركت أصبعها الي الأمام ، شهقت الفتاة التي كانت مُغشيَّة عليها نتيجة إنسكاب الدلو عليها ، قالت بتفاجأ واقفة . - " أين أنا ؟ ، من الذي أتي بي على هنا ؟ ، أين سريري ؟ ، أين غرفتي ؟ ، أين أبدعاتي ؟ ." قالت الفتاة الأخري متحركة إلي أقرب مقعد . - " أنا من المفترض الذي أسأل و أنتِ تجيبي ، فأنتِ فمنزلي ، و كنتِ ملقاة في الشارع ." قالت بعصبية . - " منزل من ؟ ، هذا منزلي ، أعرف إنني أسير و أنا نائمة و لكن ليس لدرجة الخروج من المنزل ، و من الذي كانت ملقاة في الشارع أيتها ..." قطعتها الأخري بحدة . - " أصمتي ، كفي عن الثرثرة ، و أهدئي حتي نفهم ، و أجلسي علي هذا المقعد و لا تتحركِ حتي لا يتسخ المنزل ." هذه النبرة أخافتني فجلستُ ، أختفت تماماً من أمامي ثم أتت مرة أخري و هي تحمل معطف طويل يصل إلي الركبة تقريباً ، قالت بصوت حاد مخيف . - " أخلعي هذا المعطف و هذا الحذاء ، و أرتدي هذا ... أفهمتي ؟.." هززت رأسي بالموافقة ، و فعلت ما أمرت ، و من ثم أخذتني من هذه الغرفة الي غرفة ضيقة تملأها المقاعد ، جلست هي على أحد المقاعد و قالت و هي تعطي لي كوب من الشاي الساخن . - " ما أسمك ، سنك ، بلدك ، هويتك ؟.." عقبتُ أبتسم لها بلطف فيبدو إنها لطيفة . - " أسمَّى ثورة ، أمتلك من العمر سبعة عشر عاماً ، أنني من بلد تدعي مصر ..." صمت بألم ... أتذكر أنني ليس لديَّ هواية ... و أنني فاشلة ، قالت بإستغراب . - " ما مصر ؟ ، أهذه بلد أخترعتْ ... جديدة ، لم يحددوها علي الخريطة بعد ، ظننتك من ...." أنتهي الفصل الثامن أنتظروني . - تأليف : " ريتاج سامح ."
ريتاج سامح 🤎