امرأةُ الساطور

امرأةُ الساطور

86 2

🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸

🌸•سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم. 🌸

🌸•سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم. 🌸

🌸•سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم. 🌸

🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸

_____________________________________

في واشنطن ــ تحديدًا مدينة سياتل ــ حي فريمونت ــ الساعة السابعة صباحًا.

​دق جرس المدرسة الإعدادية مُعلنًا عن بداية الحصة الأولى.

​فتاة في السطر الثالث تلكز الفتى الذي أمامها بالقلم.

​تكلم الفتى دون أن يلتفت إليها:

ــ حسنًا، حسنًا.. أكاد أنتهي، سأعطيكِ الدفتر الآن.

(الفتاة) برجاء:

ــ أرجوك بسرعة قبل أن يأتي المعلم!

​أعطاها الدفتر، وتزامن ذلك مع دخول معلم اللغة الإسبانية إلى الصف؛ ألقى التحية ثم بدأ بتفتيش الواجبات. أعادت الفتاة الدفتر إلى الفتى قبل أن يصل المعلم إلى مقاعدهما، إلا أن المعلم كان قد لاحظ ذلك. تناول دفتر الفتى وألقى عليه نظرة سريعة ثم قال:

ــ أحسنت.

​نهضت الفتاة وقدمت دفترها للمعلم، ولكنه مر من جانبها وقال:

ــ لا داعي لأن أرى دفتركِ يا فيرونيكا، فهو نسخة من دفتر كيڤن.

​رمقها بنظرة ساخرة ومر من جانبها دون أن يأخذ الدفتر الذي مدته إليه. موقفٌ لن تتمناه حتى لألد أعدائك.

​رمشت فيرونيكا بسرعة وجلست على المقعد. بدأت تسمع صوت همسات وضحكات خافتة، مما جعل الغصة تعلق في حلقها...

​التفت إليها كيڤن وقال: لا تُلقي لهم بالًا.

​هزت رأسها بحسنًا، واختارت السكوت خوفًا من أن تنطق بكلمة فتزل دمعه فتزداد القهقهة.

​حل وقت الغداء... أخذ كل من كيڤن وفيرونيكا طبق طعامه ثم جلسا على الطاولة نفسها. وأثناء تناولهما الطعام، مر بعض الطلبة من جانبهما ورموا على فيرونيكا بضع كلمات كانت قد حفظتها مسبقًا:

​ــ بهقاء!

ــ بالعافية يا عجوز.

ــ انظروا إلى المشوهة!

ــ كيف يستسيغ كيڤن تناول الطعام معها على الطاولة نفسها؟!

ــ قبيحة!

ــ أين كانت عندما تم توزيع الجمال؟!

​كان ردها هو التجاهل كالمعتاد، غير أن ذلك التجاهل كان ظاهريًا فحسب؛ فعقلها الباطن يسجل كل شيء ويجعل الأمر يبدو كما لو أنه الحقيقة، بحسب ما يظنه الشخص في نفسه، فيزيد من تدفق المشاعر القاسية.

​نظر كيڤن إليها وقال:

ــ خزعبلات! تجاهليها فحسب.

​أومأت له بابتسامة كاذبة ليعاود تناول طعامه.

​كان كيڤن يمتلك شعرًا أسود مائلًا إلى البني.. نظرت إليه بطرف عينها وإلى قزحيتيه الزيتونيتين اللتين تلمعان تحت ضوء الشمس، سألت نفسها عندئذٍ "لمَ لم أمتلك شعرًا كلون شعره؟ ولمَ لست شقراء أو حتى صهباء كالبقية؟ لمَ لست مثلهم؟ لمَ ولدت قبيحة؟!"

​ومع انغماسها في التساؤلات، ارتجفت يدها بغتة بشكل لا إرادي، فسقطت الشوكة منها، وتزامن ذلك مع انهيار دفاعاتها وسقوط دموعها.

​نهض كيڤن بسرعة وأخذ يمسح دموعها بكفيه، وهمس في أذنها:

ــ فروني، ماذا دهاكِ؟ لا تصدقي كلامهم!

أجابت بنبرة باكية:

ــ أنا لم أعد أتجاهلهم لأنهم مجرد أوغاد، بل لأني أيقنت أن كلامهم هو الحقيقة، وأنا أتجاهل حقيقتي فحسب!

رد كيڤن بصرامة:

ــ إن كنتِ ستصدقين أي كلام تسمعينه، فالأولى أن تصدقي كلامي أنا! وأنا أقول إنكِ جميلة بشكلٍ مميز!

​أخذ الطلبة يحدقون باتجاههما، هناك من ترتفع زاوية شفته بابتسامة منتصرة، وهناك من يقهقه ويضرب يده على الطاولة.

​قام كيڤن بدس رأسها على كتفه لكي لا يسمح للآخرين برؤية دموعها، ثم مشى بها خارج ساحة الغداء.

​أخذها إلى السطح لتكمل بكاءها براحة. وأخيرًا، توقفت عن البكاء بعد مدة ليست بالقصيرة.

​تزامن رفعها لرأسها مع التحام زجاجيتيها الزرقاوين بزيتونيتيه، فرأت فيهما غضبًا مكبوتًا.

​أشاحت وجهها عنه وقالت:

ــ أعتذر.. فاتتك حصة الرياضيات بسببي.

أغمض عينيه ونفى برأسه قائلًا:

ــ لست غاضبًا من ذلك.

استفسرت: إذن؟

رد من دون أن ينظر إليها:

ــ أنا غاضب لأنكِ صدقتِ كلامهم وكذبتِ كلامي!

ــ كلا، أنا أصدقك.. ولكن ما حدث معي في حصة الإسبانية أثر بي، وكلامهم زاد الطين بلة ولم أستطع التحمل!

​تنهد ثم نظر إليها وقال: فروني..

تمعنت النظر فيه وهمهمت مُجيبةً: همم؟

ــ من الآن فصاعدًا، أي شخص يزعجكِ أو يتحدث إليكِ بتكبر، ارفعي له إصبعك الأوسط!

​وضعت فيرونيكا يدها على فمها وانفجرت بالضحك، فارتسمت ابتسامة ثعلبية على ثغر الآخر.

​تكلمت وهي تمسح دمعتها الضاحكة:

ــ ولكن ألا تعتقد أن ذلك قد يؤدي إلى العراك؟!

ــ دعي أمر العراك لي!

​مد لها خنصره وقال:

ــ عديني بأنكِ لن تبكي مجددًا من ناحية الكلام عن شكلِك المميز.

عقدت خنصرها بخنصره وقالت:

ــ هذا وعد.

أردف كيڤن: والذي يخلف بوعده؟

أجابت: يأكل سبعين مسمارًا!

​نزلا وأخذا جولة قصيرة في ساحة المدرسة. هبت نسائم عليلة دفعت بأزهار الساكورا فشكلت عاصفة لطيفة مرت من حولهما.

​نظر كل منهما إلى الآخر وابتسما، وفُتنا بأزهار الكرز وكأنها المرة الأولى التي يريانها فيها.

​عادا إلى الصف مع بداية حصة الأحياء، وسمح لهما المعلم بالدخول، ولكن ليس قبل أن يخبرهما بأنهما معاقبان بالحجز نهاية الدوام المدرسي.

​كتب المعلم عنوان الدرس على اللوح الطباشيري: "الطفرة الجينية".

وبمجرد انتهائه من كتابة العنوان، توجهت جميع الأنظار نحو فيرونيكا. دعك كيڤن منطقة ما بين عينيه وتنهد..

لاحظ المعلم أن نظرات الطلبة التهمت فيرونيكا، فقام بالتصفيق ليجلب انتباههم، ولكن ما كان صادمًا للجميع هو وقوف فيرونيكا ورفع يدها طالبةً الإذن بشرح الدرس.

​قالت بثبات:

ــ من فضلك يا معلم، اسمح لي بشرح الدرس، لقد حضّرته بالأمس وأنا أفهمه جيدًا.

​ابتسم المعلم لذلك، فقد شعر بالقلق من ناحية أن تتحسس فيرونيكا من هذا الدرس، فأومأ لها موافقًا.

​

ابتسم المعلم مشجعاً، وأومأ لها بالموافقة. وقفت أمام اللوح الطباشيري، وألقت نظرة سريعة على كيڤن لتستمد منه القوة، ثم التفتت إلى زملائها وقالت بنبرة هادئة وواثقة:

​ــ الطفرة الجينية بأبسط مفهوم.. هي مجرد خلل في النسخ الوراثي، يحدث في الحمض النووي أثناء نسخ الجينات، أو بسبب عوامل خارجية. وغالباً ما تكون طفرة نادرة ومتنحية.. تماماً كالحالة التي لدي، والتي تُعرف بـ المهق أو البرص.

​التفتت إلى اللوح وكتبت بخط واضح (غياب صبغة الميلانين)، ثم استدارت نحوهم وأكملت:

​ــ السبب في كل هذا أن أجسادنا لا تنتج صبغة "الميلانين" بالشكل الطبيعي. والميلانين هو المسؤول عن إعطاء اللون للبشرة، الشعر، والعينين، وهو أيضاً بمثابة درع حماية من الشمس.

​أشارت بإصبعها إلى شعرها الثلجي وقالت بابتسامة واثقة:

ــ لهذا السبب ترون شعري ولون جلدي بهذا الشحوب.. وقزحية عيني شفافة لدرجة تعكس الضوء فتظهر باللون الأزرق الزجاجي. وغياب هذه الصبغة يجعل عيوننا وجلودنا شديدة الحساسية للضوء والشمس، مما يسبب بعض المشاكل البصرية وصعوبة تقدير المسافات ليس أكثر.

​ثم نظرت إلى القاعة ونبرتها أصبحت أكثر صلابة:

ــ والأهم من كل هذا.. الطفرة الجينية لا تؤثر إطلاقاً على الذكاء، ولا تجعل الشخص "عجوزاً" أو "مشوهاً" كما يظن البعض.. بل هو مجرد اختلاف وراثي نولد به ونعيش معه طبيعياً بالوقاية المناسبة.

​أنهت كلامها وابتسمت للمعلم، لينطلق تصفيق حار من كيڤن والمعلم، وشاركهما بعض الطلاب المحترمين.

​وعندما كانت عائدة إلى مقعدها، سألتها إحدى المتنمرات بسخرية:

ــ وإذا كانت عيناكِ حساسة للضوء، لماذا لا ترتدين النظارات إذاً؟!

​توقفت فيرونيكا بجانب مقعدها، ورفعت إصبعها الأوسط ببرود، ثم أجابتها بثبات:

ــ لأنني أرتدي عدسات لاصقة حامية للعين يا ذكية.. يبدو أنكِ لم تتلمسي درسًا من الشرح!

​انفجر الصف بالضحك على المتنمرة التي امتقع وجهها، بينما ضربت فيرونيكا كفها بكف كيڤن وهي تجلس بنصر.

​ضربت فيرونيكا كفها بكف كيڤن وقالت:

ــ نصيحتك أدت مفعولها بشكلٍ جيد!

ابتسم لها وقال: كنتِ رائعة للغاية.

ــ شكرًا!

​مرت الأيام وشخصية فيرونيكا تتطور إلى القوة؛ أصبحت تمشي بكل ثقة وكأن أي مكان تخطو عليه قدمها ملكٌ لها، كما بقيت تعتمد على نصيحة كيڤن في حال تنمر عليها أي أحد. أساسًا المتنمرون توقفوا عن التنمر في الفترة الأخيرة، وذلك عندما سخر أحد الطلبة الكبار من فيرونيكا، وحين لم تكترث ورفعت له إصبعها، ارتكز عرق على جبينه فكور قبضته على معصمها وشدها بقوة بنية ضربها بعرض الحائط، ولكن قبل أن يفعل ذلك قفز كيڤن خلفه ووجه له ركلة في منتصف عموده الفقري. جعل ذلك المتنمر يتيبس على الأرض لوهلة، وقبل أن ينهض، جثا كيڤن على ظهره وأخذ يلوي له ذراعه إلى الخلف مما جعل المتنمر يتأوه ويقول:

ــ أرجوك توقف! أقسم أنني لن أتعرض لها مجددًا!!

​ترك له ذراعه بعد أن لواها له، أما المتنمرات الأخريات فلم يعدن يتفوهن بالخزعبلات؛ فكلامهن لم يعد يهز شعرةً واحدةً من فيرونيكا.

​وفي يوم من الأيام...

​دق جرس المدرسة معلنًا عن انتهاء يوم طويل من الحصص. كان كل من فروني وكيڤن يعودان إلى البيت مشيًا لأن منزليهما قريبان من المدرسة... وأثناء مشيهما تحدثت فروني:

ــ هل تستطيع أن تعيد لي شرح درس الإسبانية؟ فأنا لم أفهمه.

ــ بالطبع، سأعيد لكِ شرحه في منزلي.

​وصلا إلى حديقة منزل كيڤن، ورأيا مايكل، أخا كيڤن الأكبر، وهو يلوح بيديه مودعًا ثلاث فتيات خرجن من منزله وهن يضحكن بطريقة تخل بآداب الطريق.

وتزامنا مع ذلك أن نظر مايكل إلى فروني ومن ثم إلى كيڤن وابتسم ابتسامة مريضة بينما يقول:

ــ أهلاً.

قلّب كيڤن عينيه وقال:

ــ هيا فروني، سأشرح لكِ الدرس في المقهى.

هزت فروني كتفيها غير مكترثة، وقالت:

ــ حسنًا إذن.

​وعندما كانت الشمس تسكب أنفاسها الأخيرة، عاد كيڤن إلى المنزل ليجد أخاه مايكل وقد حضّر الطعام.

سأله مايكل:

ــ كيف كان يومك في المدرسة؟

رد كيڤن من دون أن ينظر إليه:

ــ جيد.

ــ جيدٌ إذن.

ثم، وضع مايكل الطعام على الطاولة في غرفة المعيشة وكان السيد بينهما هو الصمت.

كسر مايكل الصمت سائلًا:

ــ بالمناسبة، بماذا كنت تحدث فيرونيكا؟

رمقه كيڤن وقال: لا شأن لك.

استطرد (مايكل) بينما يخلل أضراسه ببنصره:

ــ قم واجلِ الأطباق.

ــ لدي اختبار، قم واجلها أنت.

ــ هي مجرد خمس دقائق، ليس وكأنك ستقضي ساعات في غسلها!

ــ الأمر نفسه معك، هي مجرد خمس دقائق، لمَ لا تغسلها أنت؟!

​زفر مايكل وشرع بجلي الأطباق. بعثر كيڤن كتبه ودفاتره على الأريكة، وبدأ بإنجاز فروضه.

​بعد مدة ليست بالطويلة، أخذ مايكل جهاز التحكم وشغّل التلفاز متجاهلًا أخيه الذي يدرس بتركيز. أخذ كيڤن كتاب الأحياء ووضعه على حجر مايكل مما جعل الآخر يعقد حاجبيه، ويستفسر:

ــ ماذا؟ أتريد مني أن أساعدك في فروضك؟

ــ إقرأ الدرس فقط.

​أخذ مايكل الكتاب وبمجرد أن قرأ عنوان الدرس، والذي كان عن مرض الإيدز (HIV)، رمى الكتاب على وجه أخيه وقال:

ــ توقف عن إزعاجي بمثل هذه الخزعبلات!

ــ هذه حقائق علمية وأنا أريك إياها لمصلحتك!

وأردف كيڤن بامتعاضٍ شديد: توقف عما تفعله!

(مايكل) بلا مبالاة: لن يحدث شيء.

ــ وما أدراك؟! قد يحدث في أي وقت!

ــ لو كان كلامك صحيحًا لأصبت بالإيدز منذ زمن بعيد!

ازداد انفعال كيڤن أثناء قوله: قد تكون مصابًا به وأنت لا تعلم! فمرض الإيدز يأخذ سنوات طويلة حتى تظهر علاماته في البدن، فهو يستهدف جهاز المناعة ويأخذ وقته بتدميره، وعندئذٍ سيصبح جسدك متاحًا للإصابة بجميع الأمراض ولن تقوى الخلايا اللمفاوية على قتل الأجسام الغريبة التي ستهاجم جسدك لأن جهاز المناعة بات مدمرًا، وأيضًا...

​قاطعه مايكل وقال:

ــ حسنًا، حسنًا، عرفت أنك تحفظ الدرس جيدًا، أرجو أن تبلي بلاءً حسنًا في الامتحان!

​كان هذا رده عليه، ثم رفع صوت التلفاز متجاهلًا أخاه ونصائحه.

عض كيڤن على شفته السفلى بغيظ، ثم جمع أغراضه وصعد إلى غرفته ليدرس بهدوء...

كان كيڤن كمن يحدث جمادًا، فنصائحه لا تجدي نفعًا مع أخيه.

​ولاية كاليفورنيا ــ مدينة لوس أنجلوس...

​اجتمع أعضاء المافيا بأمر من الزعيم جيفرسون لأجل عملية سطو وتجارة مخدرات، قام بتقسيم المجموعة التي ستسطو على المصرف، والمجموعة التي ستقوم بالتمويه على رجال الشرطة، والمجموعة التي ستهرب المخدرات عبر البحر...

هتف الزعيم جيفرسون مناديًا: يا امرأة الساطور!

أجابت: بأمرك يا زعيم!

ــ خذي مجموعتك والمجموعة الثانية للسطو على المصرف الجديد.

ــ أمرك.

​نظر كاميرون إلى رينا بطرف عينه وقال في نفسه: "إذن رينا هي نفسها امرأة الساطور التي ذاع صيتها في الولايات المتحدة عن كونها من ضمن أسوأ المجرمين في آسيا! من يصدق أن هذه الجميلة المرحة هي نفسها التي تقتل ضحاياها بالساطور من دون أي رحمة!!"

​وكزت ذراعه بمرفقها وسألته مع ابتسامة:

ــ أمستعد لأول عملية سطو؟

تلعثم عند رده: بـ.. بالطبع!

عقدت حاجبيها وسألت: أمتوتر؟

ــ لا، أنا متحمسٌ فقط!

​انطلقت السيارات والدراجات النارية بسرعة لا يشق لها غبار. حاصروا مصرفًا أبيض ذي هندسة معمارية بهية.

​قتلوا كل من حاول اعتراض طريقهم، ونهبوا جميع أموال المصرف وتفرقوا كالنحل حين يُرجم بيته، تشتت الشرطة لذلك، فتفرقت هي الأخرى لملاحقة أعضاء المافيا.

​كانوا يكررون الفعل ذاته؛ فعند نقطة محددة يرمون القنابل، نصفها متفجرة والأخرى غازية لتلتهي الشرطة بها، وتنجح خطة الهروب هذه دائمًا، ولكن هذه المرة حدث شيء مختلف، حيث سمع أعضاء المافيا في مؤخرة المجموعة صوت المكابح حين تم الدهس عليها بقوة، ومن ثم صوت اصطدام... لم يتوقف أحد وأكملوا طريقهم تاركين فجوة قلق خلفهم.

​في المساء، قام الزعيم جيفرسون بتقسيم أموال المصرف على المافيا مع احتفاظه بالحصة الكبرى بالطبع. وعندما ذكر اسم جيسيكا لم تلبِ نداءه، فأعاد النداء:

ــ جيسيكا!

​لا إجابة....

​بدأ الجميع بالالتفات يمينًا ويسارًا ولكنها لم تكن موجودة.

​توترت رينا وهي تبحث وتنادي عليها بين الأعضاء، فسألت مجموعتها الأولى التي كانت في المقدمة عن مكانها، ولكن لم تعثر على أي إجابة...

​جاء رجل كان في مؤخرة المجموعة المسؤولة عن تمويه الشرطة ورمي القنابل فأخبرها:

ــ لقد سمعت صوت احتكاك دراجة نارية ثم صوت اصطدام، لكنني لم أعلم هوية الشخص الذي كان معي وخشيت التوقف فتمسك بي الشرطة.

​ابتلعت ريقها وغرست أصابعها في فروة شعرها مرجعةً إياه إلى الخلف، نطقت باستيعاب:

ــ إذن جيسيكا.... يا إلهي، لا شك أن الشرطة قد أمسكت بها!

​أخفض باركر رأسه بحزن وقال:

ــ مسكينة جيسيكا.. سأفتقدها كثيرًا!

صرخت رينا بغضب:

ــ اصمت! تتحدث وكأنها لن تعود أبدًا!!

(كاميرون): سيكونون لطفاء إن حكموا عليها بالسجن مدى الحياة ولم يقوموا بـإعدامها.

صرخت رينا ثانيةً: اصمت أنت الآخر!

​تقدم الزعيم جيفرسون خطوة إلى الأمام ونطق بصعوبة:

ــ ابنتي، عليكِ تقبل الحقيقة.

تساءلت رينا بجزع:

ــ ماذا تقصد؟ أتعني أننا لن نذهب لإنقاذها؟!

(الزعيم جيف): كوني عاقلة! لا أستطيع أن أخاطر بجميع الرجال لأجل فردٍ واحد... إن فعلت ذلك فسنذهب لنشاركها الزنزانة، هذه مخاطرة!

​مسح ميلڤين على لحيته ذات لون الخشب القاني ثم قال:

ــ الزعيم على حق، هذه لن تكون مخاطرة فحسب بل مجازفة انتحارية.

(رينا): ولكن...

قاطعها ميلڤين من دون قصد قائلًا:

ــ أعتقد أن علينا تغيير المقر.

​تقدمت رينا خطوة جعلتها بمحاذاة ميلڤين تمامًا، ثم قالت له من بين أسنانها المصكوكة:

ــ إياك والتشكيك في ولاء جيسيكا!

رد ميلڤين ببرود:

ــ ضعي مشاعركِ جانبًا يا امرأة الساطور! — قال الكلمة الأخيرة ليُذكرها بِمَن تكون.

​بقيت رينا تصك على أسنانها بغيظ وتتخيل جمجمة ميلڤين وهي تفتقها إلى نصفين. قُطِع تخيلها الدموي عندما تحدث الزعيم قائلًا:

ــ أقدر وجهة نظرك يا ميلڤين، ولكن هذا يجعلك تسيء إلى جيسيكا في غيابها، وأنا لن أغير المقر لأني أثق بولاء تابعتي.

​نظرت رينا إلى الزعيم، وعندما أرادت أن تنطق أخرج الزعيم تنهيدة ففهمت رده؛ وهو أنه لن يغير رأيه ولن يجازف بإخراجها... فقالت بصوت متقطع:

ــ هي.. لم تكن تابعتي فحسب... لقد كانت صديقتي وأختي!

​قالت جملتها هذه ثم غادرت المقر؛ لا تريد أن يرى دموعها أحد. تبعها كاميرون بدراجته إلى الحديقة العامة التي أمست فارغة بعد غياب الشمس. وجد رينا وهي تسند رأسها على إحدى الأشجار وتبكي بصوت مكظوم...

​أخذ نفسًا عميقًا ثم اقترب، وهمس في أذنها:

ــ جيسيكا قوية، ستكون بخير.

نبست: اذهب من هنا!!

رد كاميرون بنبرة متبلدة: لن أذهب.

أرشقته بأعين تفيض بالدمع كعين شلال، ثم زمجرت:

ــ قلت اذهب حتى لا أفرغ عليكَ غضبي!!

​بقي في مكانه ينظر إليها ببرود دون أن يتحرك، بينما تصر هي على أسنانها. طفح كيلها فصرخت بغيظ:

ــ كاااامــــيروُووون!!!

ــ لا تتعبي أحبالكِ الصوتية فأنا لن أذهب.

​اندفعت باتجاهه وركلته في منتصف حجابه الحاجز الذي يربط بين معدته وقفصه الصدري. انخفض نتيجة للألم الصاعق الذي انتشر على طول جذعه، واعتصر جسده بكلتا يديه. شهق نتيجة لانحباس الهواء عنه للحظات، ولم تكتفِ رينا بذلك؛ إذ قامت بركله على قدمه، تحديدًا على الجانب الأعلى من ركبته لترتجف قدمه ويركع على ركبتيه.

​كانت تتفجر غضبًا وألمًا وحزنًا، فوجدت من تفرغ عليه مشاعرها... دفعته إلى الخلف وجثت عليه وأخذت تلكم وجهه بشراسة. لم يستطع كاميرون فعل أي شيء، فرينا لا تعطيه مجالًا حتى ليتنفس.

​توقفت بعد أن أخرجت كل النيران التي تشعل جوفها، ولكن ما لبث إلا قليلًا حتى حل مكان تلك المشاعر الغاضبة مشاعر الحزن والأسى. رمشت عدة مرات بينما تحدق بقبضتيها الداميتين، ثم نظرت إلى وجه كاميرون، وأخفضت رأسها إليه وهمست بوهن:

ــ لقد قلت لك أن تذهب.

أجاب كاميرون وهو شبه حي:

ــ لا بأس إن.. كان.. هذا قد أراحكِ.

​نهضت ثم أدارت ظهرها له، تمسح على ذراعها بندم.

اعتذرت:

ــ أنا حقًا آسفة.

ــ لا بأس.. لا بأس.. أنا بخير.

​رأته يحاول الوقوف فقامت بمساعدته وأسندته على كتفها حتى وصل إلى دراجته، وبعد أن ركب على الدراجة مسح دماء أنفه بإبهامه. ركبت رينا على دراجتها هي الأخرى وأخبرته بنبرةٍ هادئة:

ــ عليك الذهاب إلى المستشفى.

ــ لا داعي لذلك، سأكتفي بغسل وجهي.

ــ ولكن....

قاطعها كاميرون وقال:

ــ آخر من يصل إلى المقر هو الخاسر!

​وبعد قوله لهذه الجملة انطلق مثل الرصاصة، فتنهدت رينا وهزت كتفيها باستسلام ثم لحقت به.

​حل الصباح... استيقظ كاميرون بتأوه عندما أحس بشيء يصطدم بوجهه، كانت قدم باركر! نهض وشتمه بصوت خفيض حتى لا يوقظ رفيقهما الآخر. ذهب إلى الحمام ليغسل وجهه، وعندما نظر إلى المرآة اتسعت عيناه بصدمة.

​تحسس وجهه بكلتا يديه ليتأكد ما إن كان ذلك وجهه حقًا؛ كان وجهه متورمًا وأنفه مائلًا قليلًا وهناك بقع متفرقة على وجهه خضراء وبنفسجية.

​تحدث بصوت منخفض ومصدوم:

ــ عليكِ غضبي يا رينا، لقد شوهتِ وجهي الوسيم! والآن عليّ الذهاب إلى المستشفى!

°

°

​علا صوت ضحكات بعض الرجال عندما شاهدوا كاميرون يدخل المقر ووجهه ملفوف بالضمادات.

تكلم أحدهم وهو يضحك بغباء: يا إلهي، أنت تبدو كالمومياء!

تكلم شخص آخر: هل أتى الهالوين وأنا لا أعلم؟!

​ضحك كاميرون بطريقة هازئة ومستفزة: ههههه..

ثم تحولت ملامحه إلى الجدية وهدد:

ــ من الأفضل لكم أن تصمتوا لأن مزاجي معكر منذ الصباح، أو سأجعلكم ترتدون أزياء الهالوين مبكرًا!

​رمى أحد الرجال الأثقال من يده بغضبٍ جامح، ثم تقدم باتجاهه وقال:

ــ حشرةٌ مثلك، ما الذي قد تستطيع فعله؟!

إشتدت عينا كاميرون بتحدٍ ثم قال:

ــ جربني لنرى ما الذي يمكنني فعله!

​انكمشت ملامح الرجل بغضب، وعندما رفع يده بنية للكم كاميرون، صرخ متألمًا؛ وذلك عندما أحس بيد تعصر ذراعه من الخلف وتكاد أن تكسرها. جثا الرجل على ركبتيه معلنًا استسلامه، وعندما تحررت يده، التفت بسرعة بنية للكم من عصر ذراعه ولكنه توقف ــ بل تجمد؛ عندما رأى أنها رينا... تراجع إلى الخلف وقال:

ــ أنا... أنا أعتذر!

​وجهت رينا كلامها إلى الجميع:

ــ إن سمعت أحدكم يذكر كاميرون بسوء سأشق رأسه بساطوري!

وأردفت بصوت مرتفع: أهذا مفهوم؟!

رد الجميع في آن واحد وبصوت مطول:

ــ مفهوووم!

​توجهت نحو كاميرون وأخذت تتفحص الضمادات بحذر، قالت حينئذٍ:

ــ أنا حقًا آسفة، هل تؤلمك؟

ضحك بخفة وقال: ليس كثيرًا.

ربتت على كتفه وقالت: هيا اذهب إلى عملك.

​مرت الأيام محملةً بنظرات كاميرون التي تشي بأمورٍ دون إذن صاحبها. وحين يبدأ بالحديث مع رينا تختنق الكلمات بحلقه، فيغير الكلام الذي كان يود قوله، ممثلًا بأن هذا أمر عادي، غير أن رينا تستمتع بتحليل شخصيته، وبرؤية عسليتيه وهما تهربان منها حينما تنظر إليه مباشرة.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أنثى العنكبوت، هلاكي الجميل

المؤلف Ahed Nasser🍂
2025/07/01 مستمرة
قائمة الفصول (86)
الفصل 1: ...🍁
2025/07/01
الفصل 6: عندما جلبكِ القدر أليّ
2025/07/14
الفصل 5: امرأةُ الساطور
2025/07/12
الفصل 4: على ارتفاعٍ شاهق
2025/07/03
الفصل 3: أعضاء المافيا
2025/07/03
الفصل 2: دمٌ في الزقاق
2025/07/01
الفصل 7: الفريسة المُفترسة
2025/08/07
الفصل 8: عهـد بالــدم
2025/08/22
الفصل 9: بائعة المشانق
2025/08/31
الفصل 10: معشوق الجاذبية
2025/09/08
الفصل 11: مُهمة، ووجوهٌ مُقنعة
2025/09/28
الفصل 12: حقد دفيـن
2025/10/09
الفصل 13: كمسرح الدمى
2025/10/11
الفصل 14: ابتزاز
2025/10/26
الفصل 15: عروس على حافة الموت
2025/10/28
الفصل 16: القانون لا يحمي المغفلين
2025/10/29
الفصل 17: لا تتأخر
2025/10/31
الفصل 18: تحت الأقواس السبعة
2025/11/02
الفصل 19: لدغة عقارب الساعة
2025/11/04
الفصل 20: الطلقة التي تكررت بالقدر
2025/11/06
الفصل 21: من رائحة البارود تولد الذكرى
2025/11/08
الفصل 22: عندما يُقدَّم الحب كقربان
2025/11/10
الفصل 23: تحت أنقاض الماضي
2025/11/12
الفصل 24: المتمرد
2025/11/16
الفصل 25: سخرية مزدوجة
2025/11/17
الفصل 26: نهاية للحياة السيئة، وبداية للحياة الأسوأ
2025/11/18
الفصل 27: نعمة أم نقمة؟
2025/11/25
الفصل 28: وحش في غابة البلوط
2025/11/29
الفصل 29: حنان مسلوب
2025/12/01
الفصل 30: فاجعة الطفل ليون
2025/12/02
الفصل 31: مسدس حقيقي
2025/12/04
الفصل 32: روح مجروحة
2025/12/05
الفصل 33: متنقلٌ بين نعيمٍ وجحيم
2025/12/08
الفصل 34: الهاكرز
2025/12/12
الفصل 35: أكاذيب
2025/12/14
الفصل 36: مسحوق أبيض
2025/12/17
الفصل 37: تقرير خاطئ
2025/12/19
الفصل 38: شيطانة ولكن بأجنحة بيضاء
2025/12/20
الفصل 39: رِثاء مُتخبط
2025/12/22
الفصل 40: بين ضربة واحتضان
2025/12/25
الفصل 41: خبر بألف طعنة
2026/01/03
الفصل 42: لوسيندا النائمة على المحار
2026/01/04
الفصل 43: الرأس الأول، الذبيحة البشرية الأولى
2026/01/05
الفصل 44: تضجّر
2026/01/07
الفصل 45: رحلة التوقف
2026/01/09
الفصل 46: مجيئ اليوم المؤجل
2026/01/13
الفصل 47: القتل كالخمر
2026/01/15
الفصل 48: صفعة، نثرت الأمان
2026/01/25
الفصل 49: كشف الستار عن نصف الحقيقة
2026/02/08
الفصل 50: وعد ليس لهُ غد
2026/02/13
الفصل 51: صراع بين الحياة والموت
2026/02/16
الفصل 52: عودي إلي
2026/03/04
الفصل 53: اللعب على المنحدر
2026/03/20
الفصل 54: حقيقة وإنكار، كشف النصف الثاني عن الستار
2026/03/27
الفصل 55: عند اكتمال المصيدة
2026/03/28
الفصل 56: الصرخة التي شاخت بها الروح
2026/03/31
الفصل 57: كمدٌ طاغٍ
2026/04/02
الفصل 58: أين أمي؟
2026/04/13
الفصل 59: نجا... ولم ينجُ
2026/04/16
الفصل 60: هدنةٌ مع الألم
2026/04/16
الفصل 61: شجار
2026/04/18
الفصل 62: إخوة من رحم المعاناة
2026/04/20
الفصل 63: قد يجد سببًا
2026/04/25
الفصل 64: ابتسامة معكوسة
2026/04/28
الفصل 65: أصدقاء
2026/05/02
الفصل 66: مسألة رياضيات
2026/05/03
الفصل 67: مكتبة ومطر
2026/05/05
الفصل 69: عودة إلى العمل
2026/05/11
الفصل 68: أحداث هادئة
2026/05/06
الفصل 70: ميراي
2026/05/13
الفصل 71: تحت المراقبة
2026/05/17
الفصل 72: بداية الشرخ
2026/05/22
الفصل 73: لِمَ أهتم؟!
2026/05/25
الفصل 74: مواجهة بين الأم وابنتها
2026/06/02
الفصل 75: بين ألسنـةِ اللهـب
2026/06/05
الفصل 76: ماضيها ليس ماضيكِ
2026/06/19
الفصل 77: مواساة كاذبة
2026/06/24
الفصل 78: ضيفٌ تحت المجهر
2026/07/04
الفصل 79: على هامش السعادة
2026/07/20
الفصل 80: أثر الحرب
2026/07/30
الفصل 81: أيامٌ عابـرة
2026/08/24
الفصل 82: كرات ثلج
2026/08/30
الفصل 83: ذو العين الواحدة
2026/09/13
الفصل 84: خيط 36
2026/09/21
الفصل 85: أثرهم دُخان
2026/09/24
الفصل 86: ...🍁
2026/10/22

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة