القانون لا يحمي المغفلين

القانون لا يحمي المغفلين

65 1

🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂

سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله،

والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂

____________________________________

واشنطن ــ مدينة سياتل ــ حي كابيتول هيل ــ عصرًا..

كانت جيسيكا تجلس بجانب صندوقها الكرتوني، تشرب الماء ظانةً أنها قد تخلصت أخيرًا من ذلك المزعج المتعجرف. ورغم أنها لم تستطع قتله، إلا أنه هرب بعيدًا، وقد مر على ذلك أسبوع وعشر ساعات تقريبًا. أخذت نفسًا عميقًا ثم زفرته، تشعر وكأنها خرجت للتو من السجن. ورغم أنها تتحسس وجود شرطي يحوم حولها بين الحين والآخر، إلا أنها تتصرف بعفوية وتصيح بعبارتها: حبل الغسيل هذا بخمسة وتسعين سنتًا.

الشرطة لا تعلم أنها أصبحت تبيع المشانق، فبمجرد أن سألها أحدهم ذات مرة عن سبب بيعها للحبال، ردت عليه: بيع حبال الغسيل هو مصدر قوت يومي، ورغم أنه لا يوجد زبائن كثر، إلا أنني أرضى بالقليل.

(الشرطي) بسخرية: إن أنقصتِ السعر، قد يزداد دخلكِ قليلًا.

لم تعره اهتمامًا؛ فهي تهتم لأمر حريتها أكثر...

استقامت ومدت يديها في الهواء لتطقطق عظامها، ثم حملت صندوقها وباشرت المسير..

ومن اللامكان، قفز لويجي ووضع معصمه فوق كتفها وكأنهما أعز الأصدقاء! تسمرت لوهلة واتسعت حدقتاها بينما قال الآخر:

ــ أعلم أنني غبتُ عنكِ لسنوات، وهذا لأن عملًا هامًا أجبَرَني على ذلك.. أرجوكِ لا تغضبي مني وقدرِ ظروفي!!

خرجت من صدمتها فكمشت بقبضتها على معصمه وطرحته أرضًا. ضحك لموقفها، وعندما كادت تنقض عليه بلكمة، تقلب متجنبًا إياها، لكنها سرعان ما جعلت الأمر لصالحها؛ فأطبقت بركبتها على عموده الفقري لتثبته على الأرض، أمسكت ذراعه اليسرى واعتصرتها، ثم شدتها إلى الخلف بقوة لتنوح عظامه ويصرخ لويجي بألم جراء خلعها لذراعه حتى الكتف..

تركته بعد ذلك وأمضت في طريقها. شدَّ الآخر على ذراعه المخلوعة، ورفع رأسه قليلًا متأملًا خطاها التي تبتعد عنه بينما يزين وجهه شبح ابتسامة جانبية، وهو يُهسهس قائلًا: يا لكِ من امرأةٍ عظيمة!

ولاية كاليفورنيا ــ مدينة لوس أنجلوس ــ في المقر.

كان باركر يمارس تمارين الضغط بينما ألكس يقلب في مواقع التواصل الاجتماعي. ضحك ألكس بخفة فشد ذلك انتباه باركر، فسأله:

ــ أهو فيديو مضحك؟

(ألكس): لا، لقد تذكرتُ حفل زفاف ميلڤين فحسب!

شخر باركر ففقد توازنه والتصق صدره بالأرض، فقهقه الآخر بقوة ووقال كان ذلك أجمل زفافٍ على الإطلاق!

(باركر) وهو مُستمرٌ في الضحك: كنت.. كنت أعلم أن تلك الحجرة لن تتزوج إلا بابتزاز الناس!!

(ألكس): بلى.. يالهم من مساكين.

في مكانٍ آخر من لوس أنجلوس ــ صباحًا.

لقد مر على حفل الزفاف المشؤوم ما يقارب الأسبوع.

استيقظ ميلڨين، وحين نظر إلى يمينه لم يجد يوجيني، فغمغم: إلى أين تظنين نفسك ستذهبين؟

وتزامنًا مع نهوضه سمع صوتًا غريبًا، نظر إلى الأسفل فاتسعت عيناه بدهشة عندما وجد خلخالًا معقودًا حول كاحله! رمق الباب حين شعر أن أحدهم كان يختلس النظر، وبحكم أن المرآة كانت قريبةً منه، رأى انعكاسه عليها، ليزداد ذهوله صدمةً عندما رأى خصلات شعره مربوطة بثلاثة أشرطة زهرية! أغمض عينيه وأخذ نفسًا عميقًا، ثم رمق الباب مجددًا وقال:

ــ يوجيني، فلتدخلي.

قرعت الأرض بكعبها الأزرق وتقدمت بثقة بينما ترميه بنظراتٍ حادة. عقدت ساعديها واستفسرته: نـعـم؟

(ميلڤين): ما هذه المهزلة؟

(يوجيني) بنبرة ونظرات لا تخلو من السخرية: أنت تفعل ما تريد، وأنا كذلك!

(ميلڤين): هكذا إذن؟!

(يوجيني): لا، ليس هكذا فحسب!

(ميلڤين): ماذا أيضًا؟

(يوجيني): سوف أجعلك تندم، وأنت بنفسك ستعيدني إلى أهلي وقد ضقتَ ذرعًا بي!

(ميلڤين) بتهكم: وأنا سأجعلكِ تغرقين بي، للدرجة التي تنزل فيها دموعكِ عندما أتأخر عن المنزل.

(يوجيني): هـه.. ذلك لن يحدث.

(ميلڤين): سنرى!

(يوجيني): سنرى!

(ميلڤين): سنرى!!

(يوجيني): سنرى!!

باشر في تبديل ملابسه وترتيب نفسه للذهاب إلى العمل، وأثناء ذلك تفاجأ عندما لاحظ أن على أظافره طلاءً بلون زهري وأصفر فاقع، وكأنها تتقصد استخدام أسوأ الألوان!

لقد تحللت هيبته وتبخرت كرامته خلال ليلةٍ وضُحاها.

تنهد وقال في نفسه "كانت لتحدث كارثة لو أني ذهبتُ إلى المقر هكذا!"

جلسا على مقاعد متباعدة أثناء تناولهما للإفطار. ميلڤين يرمقها بين الحين والآخر، بينما تتجاهل هي نظراته وتكتفي بفعل حركات مستفزة، كتقليب عينيها على مائدة الطعام. ورغم أن ذلك قد استفزه بالفعل، إلا أنه ابتسم بخفة ليستفزها هي الأخرى.

استأذن أحد الخدم وقال: سيدي، لقد جاءت أسرة السيدة لأجل وداعها قبل سفرهم.

سرعان ما انتفضت من مكانها وركضت إلى الخارج، فتحوا البوابة لترتمي في حضن عائلتها.

(يوجيني) بنبرة باكية: لماذا سترحلون بهذه السرعة؟!

(الأم) بشجن: لأجل عمل والدكِ ولأجل دراسة أختكِ!

(يوجيني): لكن....

لم تستطع أن تتحدث بسبب دموعها، فقد شعرت بالفعل بأنهم يتخلون عنها الآن بعد أن أجبروها على الزواج. أخذ كل فرد في العائلة دوره في وداعها وعناقها، وأثناء عناقها لوالدها، همس في أذنها:

ــ سامحيني يا ابنتي..

هذا جعل دموعها تتمادى في السقوط، وشعورها بندم والدها خفف من وطأة الزواج القسري، غير أنه قد فتح جروحًا أخرى أشد ألمًا...

قَدِمَ ميلڤين لوداعهم، وطالت مصافحته لمارتن، والذي كانت عيناه تتحدثان بلغة الحقد. فهمها ميلڤين جيدًا فبادله بنظراتٍ باردة غير مكترثة...

°

°

في مكانٍ آخر من لوس أنجلوس....

​بعد يومٍ حافل دخلا إلى المنزل، وعلى الفور توجهت رينا نحو دورة المياه؛ إذ بدأ مريئها بدفع كل ما تناولته. شدّت على حجابها الحاجز وشعرت كما لو أن عظامها ستتكسر، وأخذت تسعل بقوة بينما هرول إليها كاميرون وأخذ يمسح على ظهرها ويُهدّئها:

ــ لا بأس حبيبتي، لا بأس.

​تمتمت رينا: آه، هذا يؤلم.

تحدث: لم نتناول شيئًا غريبًا، هل هذا بسبب إكثاركِ من تناول الطعام؟

مسحت فمها وأجابت: لا، لم آكل كثيرًا.

​بعد أن استفرغت كل ما في بطنها شعرت بالدوار، ترنحت فأسندها زوجها على ضلعه. حملها إلى غرفتها، وبينما أجفانها تتثاقل، وضع راحة يده على جبينها مستشعرًا حرارتها. راح يأخذ الدواء إلا أن صلاحيته قد نفدت، وعندما باشر بالذهاب إلى الصيدلية توقف في منتصف الطريق وجالت فكرةٌ في فكره، عض على شفته السفلى وهز رأسه، وعندئذٍ استدار بدراجته وتوجه إلى سان دييغو...

​في تلك الأثناء استيقظت رينا من نومها، تذمرت ووضعت يدها على بطنها: آآه... مجددًا!!

وتزامنًا مع ذهاب رينا إلى الحمام، دخل الزعيم جيف إلى المنزل؛ تقدمت الخادمة وحملت عنه معطفه وحقيبته. تمدد الزعيم على الأريكة وأخذ يطقطق عظامه حتى أخمص قدميه، وبعد أن تمدد جسده بالكامل بسط النوم بغباره على عينيه وسرعان ما أغمضهما. كان يعمل كرجال العقارات، وهذا الأمر كان يتعبه أكثر من كونه الزعيم؛ فعندما يكون الزعيم لا يحتاج إلى التمثيل. تلاشت أحلامه الوردية وانتفض من مكانه عندما سمع رينا وهي تصرخ من أعلى الدرج:

ــ كاميرون! أبي!!

​نزلت إليه بخطواتٍ قافزة، وقبل أن يستفسر عن أي شيء رمت بثقلها عليه، بادلها العناق ومن ثم سألها بتوجس: ما الأمر؟

لم تجبه واكتفت بأن أرته ما كان بيدها؛ عقد الزعيم حاجبيه عندما رأى خطين أحمرين على ذلك الجهاز، وسرعان ما تبسّم ونطق بصوتٍ خافت: حفيـدي.

​حتى الخادمة سعدت كثيرًا لذلك، ابتسمت لها رينا ومن ثم سألتها: أين كاميرون؟!

الخادمة: أعتقد بأنه قد ذهب إلى الصيدلية، إلا أنه قد مر الكثير من الوقت على ذهابه!

رينا: حسنًا، أرجو أن يتأخر قليلًا بعد.

ثم أردفت: تعالي وساعديني على تجهيز المفاجأة!

​أقبل كاميرون بعد وقتٍ ليس بالقصير، فُتح الباب قبل أن يفتحه، فرفع أحد حاجبيه أثر ذلك. وما إن باشر بالدخول، حتى انفجرَ صوتٌ قوي قُرابة أُذنه، انكمشت عيناه وجفل في مكانه بينما سقطت منه أطباق البيض التي كان يحملها. فتح مُقلتيه بعد مدة لينصدم بأفواههم التي كانت فاغرةً بالذهول، وهذا ما جعله يستغرب أكثر...

​رينا: عليك غضبي! لمَ أنت جبانٌ هكذا؟!

نظر من حوله فإذ به يرى الكثير من البالونات بينما كانت تغطيه قصاصات ملونة، فأدرك أنها مصدر الصوت المفاجئ، وبعد أن استوعب الأمر رد عليها:

ــ عليكِ غضبي! وهل على المرء أن يكون على أهبة الاستعداد حتى عندما يدخل إلى منزله؟!

رفع الزعيم جيف أحد حاجبيه بشكل تلقائي، ليصحح كاميرون قوله: حسنًا، منزل عمي، لا فرق!

رينا: ذلك لا يبرر تجمدك!

كاميرون: كُنت أعلم بأنني سأعود والجميع نائم! ماذا تتوقعين مني بعد أن استقبلتموني هكذا؟!

وتابع: أساسًا كُنتِ نائمة، ما الذي أيقظكِ؟! ولماذا هذه الحفلة المفاجئة مِن الأساس؟!

​عقدت ذراعيها وأشاحت وجهها عنه، ثم صرّحت بحنق:

ــ لن أقول لك!!

وبعد قولها هذا، صعدت إلى الطابق العلوي.

​رفع حاجبيه ووجه بصره نحو عمه، إلا أن الآخر أدار ظهره وغادر. نظر نحو الخادمة فاكتفت بأن ابتسمت له وأشارت نحو بطنها. سرعان ما تبدّلت ملامح وجهه، ونطق مُشيرًا إلى الدرج الذي سلكته زوجته: حامل؟

ــ بلى.

حدّق بالدرج مُرطبًا شفتيه، مسح على ذقنه بكفه المتعرقة، ثم سرى إلى الأعلى بينما تُكمل الخادمة عملها.

​بعد مرور بضعة أشهر...

كانت رينا حريصةً للغاية؛ فقد قررت أن تبقى في المنزل وتحرص على سلامة ما ببطنها. تنزل من الدرج بخطواتٍ حذرة، وكل حركةٍ منها تتسم بالروية. أما بالنسبة لكاميرون فقد كانت هذه الفترة فترة سلام، ففيما مضى لم يكن للهدوء مكانٌ في البيت أو في المقر...

​مع حلول المساء عاد الزعيم وكاميرون إلى المنزل، كان الزعيم متجهم الوجه، وسرعان ما اختفى ذلك التجهم عندما رأى رينا مستلقية على الأريكة وتمسك ببطنها أثناء مشاهدتها لبرنامج الأمهات اللاتي يتحدثن فيه عن كيفية الاعتناء بالأطفال الرضع. عض كاميرون على شفته محاولًا كبت ابتسامته، فهو لم يعتد على رؤيتها بتلك البراءة، ولن يكذب لو قال بأنها قد بدت سخيفةً إلى حدٍ ما؛ فهكذا القتلة، يبدون وكأنهم غرباء عن ذواتهم عندما يتصرفون كالبشر العاديين...

​بعد أن لاحظت رينا دخولهما، اعتدلت في جلستها وقالت مبتسمة: أهلاً بعودتِكما.

تنهد الزعيم أثناء جلوسه، لتعقد الأخرى حاجبيها وتستفسره: أبي! هل من خطب؟!

الزعيم: كلا، لا شيء.

رينا: بلى، أخبرني!

تنهد الزعيم مجددًا واستطرد قائلًا: لقد قبضت الشرطة على عملائي الروس، وكذلك ألبرت، لقد قبضوا عليه ولم يعد بإمكاننا الحصول على الأسلحة!

رينا بدهشة: كيف ذلك؟!!

الزعيم بنبرة مهمومة: بدأت أشك في جيسيكا، فمنذ أن تم القبض عليها باتت الشرطة تقبض على عملائي واحدًا تِلوَ الآخر.

​تنهدت بضيق فهي الأخرى بدأت تقتنع بأن لجيسيكا علاقةً بالأمر، وما هي إلا دقائق من الشك والتفسير حتى راودتها أفكارٌ أُخرى...

رينا: أبي! لقد مر وقتٌ طويل منذ أن قبضت الشرطة عليها، ولو أنها قد اعترفت لهم لتم القبض علينا دفعةً واحدة ومنذ مدة طويلة! لاحظ أننا نخسر عملاءنا بالتدريج!

الزعيم: نعم، وهذا ما يجعلني أجزم بأنها الفاعلة!

​عقدت حاجبيها ليوضح لها والدها مقصده:

ــ قُبِض على بلو بعد أن سُجنت جيسيكا مباشرةً، وكذلك قبضت الشرطة على عصابة بيكو في الفترة نفسها. أشك بأن جيسيكا قد وشت بعملائنا حتى يتبين للشرطة صدقها، ومن ثم أخبرتهم عن وكر عصابة بيكو كما لو أنه مقرنا وكما لو أنها كانت عضوًا من تلك العصابة.

​رينا: ولكن الشرطة قبضت على تلك العصابة منذ زمن، ولو أن جيسيكا قد فعلت ما قلت... فكيف تفسر خسارة أتباعنا حتى الآن؟؟

تنهد الزعيم بضيقٍ شديد، وأردف بعد صمتٍ طويل:

ــ لا أدري.

رينا بعزم: إذن، هي ليست السبب!

الزعيم: لستُ مُتيقنًا بألَّا علاقة لها بالأمر.

رينا: ولكن جيسيكا وفية! يستحيل أن تشيَ بنا!

الزعيم: بالتأكيد أن الشرطة لم تقتنع بعد، فأخذت تُعذّبُها حتى تعترف ببقية العملاء الذين كانوا يعملون معها، فكما تعلمين أن عدد أفراد عصابة بيكو لا يتجاوز خمسة عشر فردًا، والشرطة ليست غبية لتصدق بأن هذا هو عدد عصابتنا الكاملة.

​بات الأمر جليًا لرينا فزاغت عيناها أثناء سؤالها لوالدها:

ــ أتعتقد بأنه مع الضغط الزائد قد تعترف بمكان المقر في النهاية؟

الزعيم: لا.. فأنا من علمها بأن تقول نصف الحقيقة وأن تكمل النصف الباقي بالكذب، وخسارتنا لأتباعنا تكمن في الحقيقة، والنصف الآخر يكمن في عصابة بيكو.

​أيقنت الآن بأن جيسيكا هي الفاعلة، فغيرت موضوعها واستطردت بينما عيناها شاردتان في الأرض:

ــ آخر ذخيرة استلمتها من ألبرت لن تكفينا طويلًا... ماذا سنفعل؟؟

الزعيم: كلّفت الدون ليڤينو بأمرها، وقد نجح في ذلك وأحضر لنا أسلحة بجودة عالية.

​أملٌ صغير تسلل إلى جوفها، غير أن الضيق كان أعمق وأشد حضورًا...

وعلى الرغم من أن كاميرون لم يشاركهما هذا الحديث، إلا أن أذنيه كانتا مصغيتين. استقام الزعيم وتركهما ليذهب إلى غرفته، وعندها اقترب كاميرون من زوجته وحاول التقليل من ضيقها قائلًا:

ــ هيا رينا، ابتسمي! لا تكثري من التفكير بذلك الأمر ولا ترهقي نفسكِ!

​تنهدت علّ ضيقها يخرج مع الهواء. مسح كاميرون على انتفاخ بطنها الطفيف وقال:

ــ إن بقيتِ حزينة فطفلنا سيحزن أيضًا!

​ابتسمت حينها، وتزامن مع ذلك أن سمعت صوت رنين صدر من هاتف كاميرون. أخرجه من جيب سترته فإذ به رقمٌ غير مسجل، باشر لإدخاله في جيبه مجددًا إلا أن رينا عقدت حاجبيها وقالت:

ــ لمَ لا ترد؟!

كاميرون: لأنه رقم غريب.

رينا: وماذا في الأمر؟؟

كاميرون: لا شيء، عدا أنهُ سيكون خاطئًا وسأُهدِر وقتي في الرد عليه.

​رفعت أحد حاجبيها وأمرته بنبرةٍ هادئة: رُد.

انزعج لطريقتها في النظر إليه، فرمقها بنظراتٍ حادة وعاود إخراج هاتفه؛ أوشك على الرد، غير أن نفاد البطارية حال عن ذلك... أراها الهاتف وتحدّث بنبرة مستفزة:

ــ أترين الشاشة؟ لقد نفدت البطارية!

​حدجته بسماويتيها، ليس لأن البطارية قد نفدت، بل للطريقة التي حدّثها بها ولنبرته كذلك... سبقها في الصعود، بينما قررت الأخرى البقاء في الأسفل حنقًا منه.

​قام بشحن هاتفه، وبعد أن مرت خمس عشرة دقيقة دون صعود زوجته، قرر أن يصعد إلى السقيفة. فصل السلك عن هاتفه وصعد بخطواتٍ حذرة؛ ترك باب السقيفة مفتوحًا حتى يستطيع سماع وقع الأقدام ما إن صعد أحدهم. أجرى مكالمة هاتفية بينما عسليتاه تحدجان الباب...

​ــ آه... كاميرون، لقد شعرت بأنك ستتصل بي اليوم!

ــ شعوركِ في محله عزيزتي، ولكنني لن أستطيع إطالة الاتصال لأني اتصلت بكِ على حين غرةٍ من الربان.

ــ آهٍ منك... أرجوك اترك عملك هذا وعد إلينا!!

ــ سكاي! أنا أعمل لأجل أن أوفر لكم حياةً كريمة!

ــ إن عنت هذه الحياة البعد عنك، فأنا لا أُريدها!!

ــ ولكنني أُريد راحتكم!

ــ وأنا أريد راحتك!

ــ وأنا لن أرتاح حتى أتعب نفسي لأجلكم!

ــ ولكن يا كاميرون....

ــ لا تبكي يا سكاي! سأعود قريبًا!

ــ أرجوك.. اترك البحر وعد إلى عملك السابق!

ــ يستحيل أن أعود للعمل مع من طردني!

ــ ليس من الضروري أن تعود للعمل معه! فهناك العديد من المــ......

قاطعها قبل أن تكمل وقال: كلا، جمال البحر ينسيني تعبه، لقد أحببت عملي بالفعل. قبّلي جان وأخبريه بأنني سأشتري لهُ الكثير من الكتب عندما أعود.

ــ ولكن... أنا.. أنا.....

ــ امسحي دموعكِ عزيزتي! سأعود قريبًا، أعدكِ!

ــ حسنًا... سأنتظرك.

ــ ولا تنسي، لا تتصلي بي، أنا سأتصل بكِ؛ فإني لن أحتمل هرم الربان إن علم بأمر الاتصالات!

​ابتسمت بخفة بينما استطاع الآخر رؤية ابتسامتها على الرغم من المسافة بينهما، وردت عليه:

ــ توقف عن تكرار هذا، لقد حفظت الدرس!

​أنهى المكالمة وكان ختامها ابتسامة على ثغر كل منهما. باشر بالنزول إلا أن مكالمةً أخرى جاءته، نظر إلى الرقم ليتبين له بأنهُ رقمٌ غير مسجلٍ أيضًا، بيد أنه يحفظ صاحبته جيدًا...

تذمر قائلًا: وهذه ماذا تريد أيضًا؟!!

​وبينما هو يحدق بالرقم، احتدت تعابيره ثم قرر بأنه لن يرد عليها، فأغلق الخط في وجهها...

توقفت المرأة عما كانت تكتبه، اتسعت عيناها من خلف النظارة وحدجت الهاتف بعدم تصديق، وما هي إلا ثانية حتى كسرت القلم بإبهامها وقالت بصوت منخفض لكنه متوعد:

ــ لا بأس يا كاميرون، الأيام بيننا!

​خطت أقدامه على الدرج نزولًا نحو غرفة المعيشة.. أشاحت رينا وجهها عنه ولم تعره اهتمامًا...

ــ أتشتهين الدجاج؟ أأحضر لكِ دجاجة؟؟

ــ انقلع، عليك غضبي!!

ــ تشكين بي في كل ثانية، وتستغربين مني عندما أغضب؟!

ــ أنا غضبت لأنك غضبت!

ــ أنتِ من أغضبتني!

ــ بل أنت من أغضبني، ولذلك غضِبت لأنك غضبت، فغضبت على غضبك لغضبي!!

​حملق إلى السقف قليلًا ثم قال:

ــ أتعلمين؟ لن أهدر الوقت لتفسير ما قلته توًا، لذلك أخبريني، أما زلتِ تريدين الدجاج؟!

قلّبت عينيها وجاهدت للمكابرة، إلا أنها فشلت في نهاية المطاف وقالت: نعم، دجاجة كبيرة!

​في اليوم التالي، وفي أحد سجون لوس أنجلوس...

جاءت العميدة جوين روكارد لرؤية المجرم لاندكروزر، بعد أن قتلها الفضول لمعرفة ماهية ذلك الشخص الذي قلّد امرأةَ الساطور في جريمته...

أطلت على القضبان فرأت رجلًا قد غزاه الشيب، وتجاعيد الزمن قد رسمت نفسها على بدنه بالكامل. خاب أملها؛ فقد رسمت في عقلها مجرمًا قويًا في ريعان شبابـه. انتفض روبن من مكانه وقبض على القضبان، فمن عدد الشارات على بذلتها عرف بأن مكانتها كبيرة، أخذ يقسم لها بأنه بريء وبأنه الضحية، بينما الأخرى ترشقه بنظراتها من الأعلى إلى الأسفل.

​بادرت بالمغادرة فصاح روبن قائلًا:

ــ أنتم ظالمون، لن تفلتوا بفعلتكم!

عادت العميدة أدراجها وسألته بينما ظلال القضبان تنسدل على وجهها: ومن سيحاسبنا إن كنا نحن القانون؟!

​تجمد روبن لوهلة، فأعينها جعلت القشعريرة تسري على طول بدنه؛ شعر بأن التي تقف أمامه ليست امرأة بل شيطان، فنبرتها وتصلب ملامحها ونظراتها له لم تكن طبيعية. تردد في الكلام غير أنه لم يصرخ إلا ليعيدها إليه في محاولة بائسة للحصول على خلاصه، تلعثم أثناء قوله:

ــ لم أقصد الإساءة، أنا فقط أردت.. أردت أن أقول.. بـ.. بأنني بريء، لقد خُدعت و.. وفوق هذا غُدرت، فقط أعطوني جلسة واحدة أخرى لأدافع فيها عن نفسي ولتبحثوا فيها عن دلائل أُخرى!

​لم تعر كلامه بالًا فقد استدارت لتكمل طريقها. توقفت مجددًا عندما سمعته يتحدث بنبرة يائسة:

ــ ماذا لو أنني مظلومٌ حقًا وأن الدنيا كلها أصبحت ضدي؟! ألم يمر هذا السؤال على أذهانكم؟!

ردت عليه بينما هي ملقية ظهرها للزنزانة:

ــ إن كان كلامك صحيحًا، فأسفي عليك؛ لأن القانون يحمي الضعفاء ولا يحمي المغفلين.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أنثى العنكبوت، هلاكي الجميل

المؤلف Ahed Nasser🍂
2025/07/01 مستمرة
قائمة الفصول (86)
الفصل 1: ...🍁
2025/07/01
الفصل 6: عندما جلبكِ القدر أليّ
2025/07/14
الفصل 5: امرأةُ الساطور
2025/07/12
الفصل 4: على ارتفاعٍ شاهق
2025/07/03
الفصل 3: أعضاء المافيا
2025/07/03
الفصل 2: دمٌ في الزقاق
2025/07/01
الفصل 7: الفريسة المُفترسة
2025/08/07
الفصل 8: عهـد بالــدم
2025/08/22
الفصل 9: بائعة المشانق
2025/08/31
الفصل 10: معشوق الجاذبية
2025/09/08
الفصل 11: مُهمة، ووجوهٌ مُقنعة
2025/09/28
الفصل 12: حقد دفيـن
2025/10/09
الفصل 13: كمسرح الدمى
2025/10/11
الفصل 14: ابتزاز
2025/10/26
الفصل 15: عروس على حافة الموت
2025/10/28
الفصل 16: القانون لا يحمي المغفلين
2025/10/29
الفصل 17: لا تتأخر
2025/10/31
الفصل 18: تحت الأقواس السبعة
2025/11/02
الفصل 19: لدغة عقارب الساعة
2025/11/04
الفصل 20: الطلقة التي تكررت بالقدر
2025/11/06
الفصل 21: من رائحة البارود تولد الذكرى
2025/11/08
الفصل 22: عندما يُقدَّم الحب كقربان
2025/11/10
الفصل 23: تحت أنقاض الماضي
2025/11/12
الفصل 24: المتمرد
2025/11/16
الفصل 25: سخرية مزدوجة
2025/11/17
الفصل 26: نهاية للحياة السيئة، وبداية للحياة الأسوأ
2025/11/18
الفصل 27: نعمة أم نقمة؟
2025/11/25
الفصل 28: وحش في غابة البلوط
2025/11/29
الفصل 29: حنان مسلوب
2025/12/01
الفصل 30: فاجعة الطفل ليون
2025/12/02
الفصل 31: مسدس حقيقي
2025/12/04
الفصل 32: روح مجروحة
2025/12/05
الفصل 33: متنقلٌ بين نعيمٍ وجحيم
2025/12/08
الفصل 34: الهاكرز
2025/12/12
الفصل 35: أكاذيب
2025/12/14
الفصل 36: مسحوق أبيض
2025/12/17
الفصل 37: تقرير خاطئ
2025/12/19
الفصل 38: شيطانة ولكن بأجنحة بيضاء
2025/12/20
الفصل 39: رِثاء مُتخبط
2025/12/22
الفصل 40: بين ضربة واحتضان
2025/12/25
الفصل 41: خبر بألف طعنة
2026/01/03
الفصل 42: لوسيندا النائمة على المحار
2026/01/04
الفصل 43: الرأس الأول، الذبيحة البشرية الأولى
2026/01/05
الفصل 44: تضجّر
2026/01/07
الفصل 45: رحلة التوقف
2026/01/09
الفصل 46: مجيئ اليوم المؤجل
2026/01/13
الفصل 47: القتل كالخمر
2026/01/15
الفصل 48: صفعة، نثرت الأمان
2026/01/25
الفصل 49: كشف الستار عن نصف الحقيقة
2026/02/08
الفصل 50: وعد ليس لهُ غد
2026/02/13
الفصل 51: صراع بين الحياة والموت
2026/02/16
الفصل 52: عودي إلي
2026/03/04
الفصل 53: اللعب على المنحدر
2026/03/20
الفصل 54: حقيقة وإنكار، كشف النصف الثاني عن الستار
2026/03/27
الفصل 55: عند اكتمال المصيدة
2026/03/28
الفصل 56: الصرخة التي شاخت بها الروح
2026/03/31
الفصل 57: كمدٌ طاغٍ
2026/04/02
الفصل 58: أين أمي؟
2026/04/13
الفصل 59: نجا... ولم ينجُ
2026/04/16
الفصل 60: هدنةٌ مع الألم
2026/04/16
الفصل 61: شجار
2026/04/18
الفصل 62: إخوة من رحم المعاناة
2026/04/20
الفصل 63: قد يجد سببًا
2026/04/25
الفصل 64: ابتسامة معكوسة
2026/04/28
الفصل 65: أصدقاء
2026/05/02
الفصل 66: مسألة رياضيات
2026/05/03
الفصل 67: مكتبة ومطر
2026/05/05
الفصل 69: عودة إلى العمل
2026/05/11
الفصل 68: أحداث هادئة
2026/05/06
الفصل 70: ميراي
2026/05/13
الفصل 71: تحت المراقبة
2026/05/17
الفصل 72: بداية الشرخ
2026/05/22
الفصل 73: لِمَ أهتم؟!
2026/05/25
الفصل 74: مواجهة بين الأم وابنتها
2026/06/02
الفصل 75: بين ألسنـةِ اللهـب
2026/06/05
الفصل 76: ماضيها ليس ماضيكِ
2026/06/19
الفصل 77: مواساة كاذبة
2026/06/24
الفصل 78: ضيفٌ تحت المجهر
2026/07/04
الفصل 79: على هامش السعادة
2026/07/20
الفصل 80: أثر الحرب
2026/07/30
الفصل 81: أيامٌ عابـرة
2026/08/24
الفصل 82: كرات ثلج
2026/08/30
الفصل 83: ذو العين الواحدة
2026/09/13
الفصل 84: خيط 36
2026/09/21
الفصل 85: أثرهم دُخان
2026/09/24
الفصل 86: ...🍁
2026/10/22

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة