في صباحٍ تفوح رائحته بنسيم المطر... كان لوثر يجلس على دراجته أمام بوابة السيد درلام. منتظرًا كايون حتى يذهبا سويًا. ارتدى كايون معطفه الشتوي ذا اللون الأسود، ولفَّ وشاحه الفضي حول رقبته، تأمل الوشاح لبرهة، غير أن صراخ لوثر أخرجه من شروده...
ــ كــاااايـوووون!
صعد إلى الأعلى بسرعة وطبع قبلةً على جبين أُخته، ثم توجّه إلى المدرسة راكبًا دراجته إلى جانب صديقه.
في الصف... نام لوثر على الطاولة بينما كايون يسند خده على كفه ويستمع إلى المعلم بملل. قام المعلم بالتصفيق ليجذب أنظار الجميع، ووجه نظره نحو الباب قائلًا:
ــ ادخلي.
تقدّمت الفتاة ببُطء ووقفت بجانب المعلم، كانت ترتدي معطفًا طويلًا بلونٍ أحمر قان، وسماعاتٍ شتوية بذات اللون. شعرها طويل بلون ليالي نجد الحالكة، وتمتلك أعينًا دعجاء، إذ أن قرنيتاها شديدة البياض بينما قزحيتاها تُعاكسانها بشدة السواد.
(المعلم): عرفيهم عن نفسك.
استفاق لوثر وأمعن إلى الأمام. رمشت الفتاة عدة مرات، مرتبكة من توجّه جميع الأبصار نحوها، وانفرجت شفتاها مفصحةً عن اسمها:
ــ اسمي أريج جيهان، وقد جئتُ مؤخرًا من سوريا.
ثم صمتت، فاستطرد المعلم: اخبريهم عن اهتماماتك أو عن وجبتك المفضلة.
عقدت أريج حاجبيها باستغراب ونفت برأسها، فأردف المعلم: حسنًا لا بأس، اذهبي واجلسي على ذلك المقعد.
جلست خلف كايون، وبجانب لوثر. افتر لوثر عن ابتسامة، وكلّمها بلطف: تشرفت بمعرفتك.
(أريج) بنبرة مترددة: أنا.. أنا أيضًا.
رن جرس المدرسة ليندفع الطلبة نحو صالة الغداء، وبعد أن أخذ كُلٌّ من كايون ولوثر صحن غدائه، توجّها نحو الطاولة التي يجلسان عليها يوميًا، ولكن... كان أحدهم قد سبقهما وجلس هُناك.
لقد كانت أريج. عقد كايون حاجبيه ونبس: سحقًا.
(لوثر): ماذا سنفعل؟
(كايون) بتأفف: تقدّم، لـن نطردها وهي ما تزال جديدة.
وضعا صحنيهما على الطاولة بجانب صحنها، وجلس كايون على المقعد في حين استأذنها لوثر أولًا:
ــ أيمكننا الجلوس؟
سأل، على الرغم من أن كايون قد جلس. هزّت أريج رأسها يمنةً ويسره، مما جعل كايون يرتبك ويـُحرج. بادر للنهوض، إلا أنه تذكر بأن هذه الطاولة طاولته فعاد إلى الجلوس عنادًا لها ثم زمجر:
ــ كيف تجرؤين؟!.. الطاولة طاولتنا ونحن من سمحنا لكِ بالبقاء فيها!.. وأنت أيُها الأحمق! لمَ تستأذن؟!.. المكان مكاننا نحن!
لوثر لم ينبس بكلمة، وظلَّ واقفًا لا يعلم ماذا يفعل!.. وذلك جعل كايون يصرخ عليه مجددًا: اجلس!.. أستستمع لها؟!
(لوثر): أممم، دعنا نغير الطاولة فقد تتضايق من وجودنا معها.
(كايون): الطاولة طاولتنا وهي المتطفلة!!
ثم نظر إليها بحدة وقال: هيا!.. لملمي أغراضكِ وانقلعي من هنا!
(أريج): لن أفعل.
(كايون): ماذا قُلتي؟؟
(أريج) وهي تنظر إليه بطريقة هادئة مستفزة: قُلت.. لن أفعل.
(لوثر): لا بأس يا كايون، دعنا نغير مكاننا اليوم فقط!
(كايون): لو لم تكوني بنتـًا.. لمسحت بلاط المدرسة بوجهك!
(أريج): يالَ سوءِ حظك.
(كايون): ماذا قُلتي؟!
(أريج) تتجاهله: ......
رمق كايون صديقه ليستفسره: أسمعت ما قالت؟!
(لوثر): سمعت، ولكن لأن صوتها كان منخفضًا لم أفهم ما قالته.
(كايون) بسخرية: أعيدي ما قُلته ولترفعي صوتك حتى نسمعك.
قبضت أريج على كأس عصيرها بشدة، فلطالما كانت تكره أن يقول لها أحدهم"ارفعي صوتك" وهكذا هو صوتها الطبيعي، ليس وكأن أحبالها الصوتية تمتلك مكبّر صوت!
صرّت على أسنانها وصرخت بانفعال: إن بقيت تُزعجني فسأشكيكَ إلى الإدارة!!
(كايون) بتغنّج: نننن!.. نننننن!... اذهبي! واشتكي كما يحلو لكِ!!
استقامت أريج وحملت صحنها مغادرةً بحنق، فنظر لوثر إلى صديقه وعاتبه: كم أنت قاسٍ يا رجل!
(كايون): وما ذنبي إن كانت قليلة أدب!
في اليوم التالي... وعند وقت الغداء، توجّه الصديقان نحو طاولتهما، ليجدا أريج وقد سبقتهما إليها مجددًا.
حدّق كايون بلوثر وقال: ألم أقل لك بأنها قليلة أدب؟!
رفع لوثر كتفيه وقال: لا داعي للشجار، دعنا نغير مكاننا فحسب.
(كايون): ولمَ نغير مكاننا؟!.. حتى أثناء غيابي لم يتجرأ أحد على الجلوس بطاولتي، وهذه جاءت واقتحمتها!
تقدّم نحوها ورمى صحنه على الطاولة بقوة، ثم شتمها:
ــ فلتحترمي نفسك، ولتحملي صحنك، ولتنقلعي من هُنا!
أخذت أريج لفافة الساندويتش وقضمت منها قضمة، ثم ارتشفت رشفة من عصير التوت، غير آبهة للذي تكاد عيناه تطلق أشعة ليزر بسبب هدوئها.
تراجع كايون إلى الخلف، صاكًا على أسنانه بينما يحدّث لوثر:
ــ لوثر!.. تصرف!
ربّت على كتفه، ثم وقف أمام أريج، وتكلّم بلطف:
ــ آنسة أريج، أرجو أنكِ لم تنزعجي من صديقي، فهكذا أصبحت طبيعته مؤخرًا، فحتى صوت الذبابة يجعله يتشنج.
أضاف: نحن اعتدنا على الجلوس هنا بعيدًا عن الآخرين، فهل يمكنكِ تغيير مكانك؟
(أريج): ولكن هذه الطاولة هي الطاولة الوحيدة الفارغة.
(لوثر): انظري هناك، إنها طاولة كبيرة تضم العديد من الطلاب، صحيح أنها مزدحمة، ولكنك ستجدين مقعدًا فارغًا.
وذهب نحو تلك الطاولة ثم عاد بعد مدةٍ بسيطة وقال مبتسمًا: لقد وجدت لكِ مقعدًا!
نهضت أريج إلى هناك فقال لها لوثر: شكرًا على تفهّمك.
أومأت له وأكملت طريقها، فعاد لوثر ليجلس بجانب صديقه والذي قال ساخرًا: أكاد لا أعرفك!
ــ ماذا تقصد؟
ــ يبدو أن الدون ليڨينو قد ربّاك جيدًا.
ابتسم لوثر وقال: نعم، على عكس درلام.
سقطت تعابير كايون، وأظلمت عيناه. عقد لوثر حاجبيه لهذا واستفسره: ما بك؟!.. هل أزعجك كلامي؟!.. أُعذرني لذلك يبدو أن المزاح أيضًا قد بات يُبغِضُك.
ــ لا تذكر اسمه أمامي مجددًا.
ــ ولكن لماذا؟!
ــ لا تسأل.
مط لوثر شفتيه، وتناول طعامه بصمت بعد أن تعكّر الجو، رمق كايون ليجده ينظر إلى الطلبة وقد ترك الشوكة والسكين على الصحن دون أن يأكل شيئًا...
استدار لوثر إلى الوراء وسأله: إلى ماذا تنظر؟؟
ــ إلى تلك الفتاة.
ــ أتعني أريج؟
ــ نعم.
ــ ما بها؟.. ولكن أين هي؟!
أشار له بذقنه وقال: هناك، لقد تركت الطاولة وانزوت بتلك الزاوية.
تبصّرها لوثر بشفقةٍ وقال: يالها من مسكينة، هل أزعجها أحدهم يا تُرى؟!
(كايون): لا، أساسًا هي لم تجلس في تلك الطاولة وتوجهت مباشرةً إلى هناك منفردةً عن الجميع.
ــ ولكن لمَ؟!
ــ يبدو لي أنها انطوائية، ولذلك اختارت طاولتنا لأن لا أحد يأتي إليها.
ــ آهاا، فعلًا!.. يبدو أن هذا هو السبب.
أردف لوثر، في محاولة لاستعطاف كايون: دعها تأخذ هذه الطاولة.
ــ هل جُننت؟!
ــ انظر إليها كم هي مسكينة!.. قد يكون عندها رُهاب اجتماعي!
ــ لا شأن لنا.
ــ كايون!!
ــ يبدو لي أنها قد أعجبتك!
ــ ولكن عمَّ تتحدث؟!
ــ لا ينقصني إلا أن تأتي إلي غدًا وتطلب مساعدتي لتعترف لها.
ــ كايون!.. حتى عقلك لم يعد يعمل جيدًا!!.. ما هذه المهزلة؟!.. أنا أقول لك بأني أشفق عليها وأنت تقول بأني مُعجبٌ بها!
تنهد كايون، وفي نفس الوقت رن جرس المدرسة معلنًا عن انتهاء الوقت، فصرخ لوثر عليه: انتهى الوقت وأنت لم تأكل شيئًا!!
ــ لست جائعًا.
رد عليه ببرود وحمل صحنه مغادرًا.
وما سيحدث غدًا سيكون مختلفًا تمامًا...
🌧️🌧️🌧️🌧️🌧️🌧️🌧️🌧️🌧️🌧️🌧️🌧️🌧️🌧️🌧️🌧️🌧️
Ahed Nasser🍂