الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، ...
كان كايون في غرفته يجلس على فراشه ويحدق بكيس الكوكايين الموضوع على دُرجه، مرت نصف ساعة وهو يحدق به ويبتلع ريقه بين الحين والآخر، كما لو أنه ذئب يتفرّس بخروف ولا يستطيع التهامه.
غمغم"أستطيع النوم بدونه!.. أستطيع النوم بدونه!"
أصبحت الساعة الثانية صباحًا وقد اشتد صداعه، أغمض عينيه بشدّة وشجّع نفسه" مرت ثلاثة أيام دون أن أتعاطاه سوى مرة، يجب علي أن أصمد، قليلًا بعد!.. سيمر هذا اليوم!.. سيمر!"
تدثر وأخذ يتقلب يمينًا ويسارًا، لم يستطع أن يتحمل أكثر فالتقط المخدر وهمَّ بشق كيسه، توقف قبل أن يفتحه فقد ولجت إلى ذهنه فكرةٌ أُخرى.
"أنا بحاجة إلى أن أشغل نفسي بشيءٍ آخر حتى أترك التعاطي... الخمر!.. يبدو بديلًا مناسبًا!"
نزل إلى الطابق السفلي بحذر، تلفت في جميع الاتجاهات ثم فتح باب الثلاجة ببُطء، تناول زجاجةَ خمرٍ معتّقة وعاد إلى غرفته مشيًا على رأس أصابعه، فتح الغطاء، ارتشف رشفة كبيرة فانكمشت تعابيره وأخرج لسانه بتقزز، تمتم حينئذٍ: كيف يستسيغون شرب هذا الشيء؟!.. إنهُ لاذع!!
أردف: ما باليد حيلة، أنا بحاجة إلى السكر.
ارتشف رشفتين وأخذ حلقه يصدر أصواتًا تعبر عن مدى تقززه، تجرع مرةً ثالثة فرابعة ثم خامسة فبدأ يستسيغه أخيرًا، أفرغ نصف القارورة، ولأنه بات عاجزًا عن السير باعتدال أخفى القارورة تحت الفراش. استلقى بعد ذلك وخُيّلَ إليه أنه يسبح في بحرٍ من الغيوم، اختلطت نجوم السماء بالبحر، ورقصت قناديل المحيط حول القمر، رؤيته أصبحت ضبابية وذلك لأن الخمر بسط سحره على فكره فأرقده.
فتح عينيه بكسل وبالكاد استطاع أن يسمع صوت أمه:
ــ كايون!.. كايون!.. إستيقظ!.. سوف تتأخر عن المدرسة!
ــ هاه؟
ــ إنها السابعة وعشر دقائق، هيا انهض!
ــ آااه!
ــ هيا!
ــ اسمحي لي أن أتغـ...
ــ كلا!
ــ فقط اليـ...
ــ كلا!!
ــ أعدك بـ...
ــ كـــــلا!!!
ــ حسنًا أنا آسف!.. لا داعي للغضب!
ــ يبدو بأنك قد سهرت على الهاتف بالأمس؟!
ــ لا صدقيني!
ضيقت عينيها بشك فأردف الآخر: أصابني الأرق ولم أنم إلا في ساعةٍ متأخرة.
ــ يمكنك أن تنام بعد عودتك من المدرسة.
ــ حسنًا.
جرَّ نفسه نحو دورة المياه، ثم إلى مائدة الطعام، تناول لقمتين إرضاءً لأمه، لم يذهب بدراجته هذه المرة فهو موقن بأنه سيرتكب حادث، لذلك استقلَّ إحدى سيارت ميلڤين لتوصله إلى المدرسة، وهناك جعل من ذراعيه المعقودتين على الطاولة وسادة، لم تستمر غفوته لأن المعلم توجّه نحوه وقرع القلم على قلنسوته بخفة، رفع كايون رأسه ليسأله الآخر:
ــ سالب إثنا عشر ناقص سته إكس يساوي صفر، كم ناتج إكس في هذه المعادلة؟
حملق بالسقف قليلًا ثم قال: سالب إثنين.
هزَّ المعلم رأسه فأردف كايون: أنا لست نائمًا، فقط أسند رأسي على الطاولة لأنه يؤلمني قليلًا.
ولأن إجابته كانت صحيحة، صدّق المعلم بأنه كان مستيقظًا ويُصغي إلى الدرس، قال له: فلتذهب إلى الممرضة لتعالجك.
ــ حسنًا.
فرح كايون بذلك وتوجه نحو العيادة، شاهد الممرضة وهي ترتب الأدوية فتسلل من خلفها وتوجه نحو الفراش الذي تقابله ستارة زرقاء، أسدل الستارة لينام متواريًا عن الأنظار.
عاد إلى البيت بعد نهاية الدوام المدرسي، عانق أمه ثم صعد إلى غرفته ورمى الحقيبة على فراشه، ملأ حوض الاستحمام بماءٍ دافئ، غطس فيه وبقي مسترخيًا لما يقارب الساعة.
ارتدى سترةً كحلية وبنطالًا رملي، أخذ بتجفيف شعره وتسريحه وعندها دخلت عليه أمه.
ــ كايون.
ــ نعم أماني؟
ــ ستخلد إلى النوم صحيح؟
ــ كلا، لم أعد أشعر بالنعاس.
ــ إذن ستأتي معنا لاصطحاب لوسيندا!
ــ أبات مسموحًا لنا بأخذها؟!
أومأت فصرخ الآخر: رائع!!
ذهبوا جميعًا لإحضار فردهم الجديد وبمجرد أن عادوا إلى المنزل، استقبلهم الخدم بحفلةٍ مفاجئة.
تلقّت لوسيندا على العديد من القبلات، أولها من أُمها ثم من والدها وبعدها من أخيها تلاه كرستين ثم بقية الخادمات.
كانت ضحكة لوسيندا الخالية من الأسنان تبث فيهم السعادة.
صغيرة مسكينة لا تعلم بما تُخبئ لها الأيام من خبايا مروعة.
مرت الأيام وكأنها أوراق الخريف... أربعة أشهر دون أن يتعاطى الكوكايين، إلا أنه قد أصبح مدخنًا ومخمورًا، ولأنه انتقل إلى مدرسة لوثر باتت لقاءاتهما كثيرة، وذلك جعل لوثر يتأثر بطبيعة صديقه، ويأخذ منه بعض العادات السيئة كالتدخين مثلًا.
بقي كايون ينفذ مهمات ميلڤين حتى يحصل على الكوكايين بالرغم من أنه لم يعد بحاجته، وهذا لأنه يخشى أن يعود إلى إدمانه في يومٍ ما، وهو لن يعلن عن تمرده حتى يتيقن بأنه قد تخلص من الكوكايين إلى الأبد.
Ahed Nasser🍂