آنذاك، كان كايون ورفاقه في أحد المطاعم يتناولون البيتزا.
لم يتبقَ غير قطعةٍ واحدة.
في العادة، كان ليخجل كل من لوثر وكايون ويبقيانها لأريج، وكذلك أريج كانت لتفعل الشيء ذاته، ولكنهم هذه المرة تطامعوا فيما بينهم لتمتد أيديهم دفعةً واحدة نحو القطعةِ الأخيرة، فينهش كلٌّ منهم ما اقتطعته يده.
صرخ لوثر حين لم يحظَ إلا بطرفٍ صغير، فسارع الاثنان في ابتلاع قطعتهما حتى لا يتسنى للوثر خطفها.
قلّب عينيه وقال: لا بأس، هذه المرة لكما، وأنا لي المرةُ القادمة.
ابتسما بينما يلوكان طعامهما ويرمقانه بشفقة.
أخذ كايون منديلًا ليمسح بهِ فاهه، وتزامن مع ذلك أن رن هاتفه..
تبلدت عيناه وهو ينظر إلى اسم المتصل، ثم رفع السماعة وأجاب بنبرةٍ جافة:
ــ نعم؟
شحب وجه كايون وهو يسمع الخبر، وارتجفت أصابعه القابضة على الهاتف.
قُطع الاتصال لينتفض من مكانه خارجًا..
ناداه لوثر من خلفه: هـاي كايون! ما الذي حدث؟!
وتبعه هو وأريج وهتفا: أرجوك أخبرنا!!
ولكن ما من جواب، فقط رأيا غبار السيارة وهي تشق طريقها قُدمًا.
تبادل لوثر وأريج ذات النظرات القلقة، وتساءلت:
ــ ما الذي يا تراه قد حدث؟
أمسك بيدها وجرها معه خارجًا بينما يقول: لنلحق به.
°
°
وصل كايون إلى حديقة ديسكفري، وركن سيارته على الجانب، ثم هرول نحو تجمع الشرطة والأهالي في المنتصف..
الفزع يسيطر على ملامحه، والخوف وقود حركته. توقف عندما بات أمام ميلڤين والذي كان يتحاور ببرودٍ تام مع المعلمة ربيكا التي بالكاد كانت تتكلم من فرط البكاء.
أصبح كايون كالمجنون، طنين يحجب عن مسامعه كل شيء، خوفٌ شديد يسيطر على عقله، فلم يعِ ما فعله حتى قيد أحد رجال الشرطة حركته من الخلف..
كانت أنفاسه حارة، وعروق جبينه بارزة بعدما أشبع المعلم جون لكمًا، تاركًا على وجهه جروحًا ودماءً نازفة.
شتمه كايون بنبرةٍ مقهورة وجسد يرتجف:
ــ كيف حدث ذلك أيها اللـ**ن؟! كيف اختطفوها من بين أيديكم!!
رد عليه الشرطي وهو يثبته: اهدأ يا فتى! هذا عملنا.
سحب كايون ذراعه بعنف، وظل يحدق نحو المعلمين بعجزٍ بائس أثناء اقتيادهما إلى سيارة الشرطة للتحقيق.
تقدم ميلڤين بخطوات متزنة، وضع يديه في جيبي معطفه الطويل، ووقف أمام كايون، وقد كانت عيناه الخضراواتان حادتان للغاية.
تحدث بنبرة هادئة:
ــ اصمت. انفعالك هذا لن يعيد لوسيندا، وإنما يُعطل عمل المحققين.
رمقه كايون بغضبٍ عارم، وتكلم بصوتٍ متكدر:
ــ اصمت؟! لوسيندا مخطوفة وتريد مني أن أبقى متبلدًا مثلك!!
وأردف: إن كنت لن تفعل شيئًا فلا تتدخل فيما سأفعله!
لم يتأثر ميلڤين بكلامه، فقط أمال رأسه قليلًا وقال:
ــ ليس بإمكانك أن تفعل أي شيء، والصراخ لن يغير واقع أنها مفقودة. الشرطة تُغلق منافذ الحديقة وتراجع كاميرات المراقبة المحيطة بالحمامات.
اقترب المحقق المسؤول من ميلڤين وكايون وقال:
ــ سيد ديلفاران، المعلم جون زعم أنه أرسل الفتاتين للحمام، لكن كاميرات البوابة أظهرت رجلًا بملابس عامل يتحدث مع الطفلتين بعد دقائق من من عودة المعلم إلى الأطفال.
اتسعت عينا كايون، واقترب من المحقق سائلًا:
ــ رجل؟ صفه لي!
رد المحقق:
ــ المعلمة ربيكا ذكرت أن شخصًا يرتدي كمامة ونظارة شمسية طلب مساعدتها للبحث عن ابنه المفقود.. رأيناه في الكاميرات فتبين لنا بأنه ذات الشخص الذي خرج من البوابة ولكننا لم نستطع رؤية ملامحة بسب النظارة والكمامة.
وأردف المحقق: ربما كان طُعمًا لإبعاد المعلمة، ونحن نشتبه بأن المعلم جون قد تعمد تسهيل الأمر عليه.
استطرد كايون: كيف خرج من البوابة برفقة لوسيندا؟ لقد حذرت أختي من الغرباء! يستحيل أن تسمع كلامه وتخرج طواعية!
الشرطي: عندما خرج من البوابة كان يقود عربةً نقالة ليدعي بأنه يبيع المشروبات، ولكن تلك العربة كانت مغطاةً بقماش حتى يغطي تجويفها الداخلي، وبلا شك أنه وضع الفتاتين بداخلها بعد أن أفقدهما الوعي.
كايون: هل صورت الكاميرات ما خلف البوابة؟.. أعني هل صورت رقم سيارته؟!
الشرطي: بلى، ولكن لسوء الحظ لم تصور مسافةً كبيرة فلم نستطع معرفة رقم سيارته كاملًا، فقط آخر رقمين 36
عضَّ على شفته السفلى، ثم استدار على عقبه وجلس على أحد مقاعد الحديقة بعد أن أخرج نفسًا متهدجًا.
أخفض بصره إلى الأرض، ولسعت حرارة الدموع عينيه بينما يشد على رأسه بكلتا يديه.
عضَّ على إبهامه ونفسه تؤنِبُه " لو لم أوافق على ذهابها.. لو لم أضع قبعتها الزهرية بيدي هذا الصباح.. لما حدث هذا. "
الوقت ليس بيده ليسمح لنفسه بالانهيار، فرمش عدةَ مرات لكبت ما تيسر من دموعه، ثم نهض، وركب سيارته ليسبق الجميع بالبحث ...
في تلك الأثناء، كانت أريج على دراجة لوثر، تحكم الإمساك به بيد بينما تستخدم يدها الحرة في إجراء الإتصال العاشر...
توقف لوثر أمام منزل السيد ديلفاران بعد أن جاب الطرقات دون أن يجد لكايون أي أثر..
عقد حاجبيه حينما لم يرَ حُراس البوابة، فتساءل:
ــ ليست من عادة السيد ديلفاران أن يترك بوابته دون حراسة!
وأردف بنبرةٍ منخفضة: لا بد وأن الأمر خطير!
ابتلعت أريج ريقها ثم قالت:
ــ أتظن بأن الأمر قد يكون مُتعلقًا بلوسي؟
نظر إليها من أعلى كتفه، وبقي متسمرًا بها لمدة. رمشت أريج حينما رأت الخوف يسلبه لون وجهه، فتمتم شادةً لذهنه:
ــ دعنا نذهب إلى ديسكفري.
رمش، وأومى برأسه، ثم أخذ منعطف طريق بالدراجة وانطلق نحو الحديقة.
وعندما وصل، لم يصدق بأمر هذه الفاجعة..
كانت أريج تلثم فمها بكفها، وقد بدأت الدموع تحتشد على مُقلتيها.
استنشقت دموعها، وأعادت ما قالته مُسبقًا:
ــ أأنتم متأكدون؟ ربما تاهت في الحديقة أو خرجت منها فضاعت..
تنهد الرجل وقال: لقد رأوا الخاطف في الكاميرات.
كان لوثر يتلفت يمينًا ويسارًا حتى أعاد بصره إلى الرجل الواقف أمامه ثم سأله:
ــ أتعلم أين أجد كايون ديلفاران.
أجاب: لقد رأيته يغادر الحديقة.
سحب لوثر أريج من يدها، ونطق بغصة: هـ هيــا..
وبمجرد أن غادرا، ورد اتصال إلى هاتف أريج..
اتسعت عيناها ونطقت: كـ.. كايون يتصل!!
سرعان ما انتشل منها لوثر الهاتف وأجاب:
ــ كايون أين أنـت؟!
جاءه صوته متقطعا، ومن الواضح بأنه يُحدثه أثناء القيادة:
ــ اسمع.. لا أعرف كيف أقول لك...
رد لوثر: لقد عرفت، أ.. أخبرنا ماذا علينا أن نفعل؟ كيف نساعدك لإيجادها؟
رطب كايون شفتيه، ثم مسح الدمع عن عينيه المحمرتين، قاوم اختناق الغصة بحلقةِ وقال:
ــ حاليًا لا أعرف غير أن آخر رقم لسيارة الخاطف هو 36
صمت لنصف الثانية ثم أردف: أنا أقوم بالمرور على المحلات وأطلب المساعدة من أصحابها ليُمكِنونَني من رؤية ما صورته كمراتهم الخارجية.
وأضاف إلى كلامه: إفعلا المِثل و.. ناول أريج الهاتف بسرعة.
ــ حسنًا.
ناولها الهاتف، لتُجيب: نـ..نعم كايون؟..
ــ أريج.. أنتِ مخترقة بارعة! أيمكنكِ اختراق نظام كاميرات الطُرق السريعة؟!
فرهت شفتاها وقالت: أتمنى لو بإمكاني فعل ذلك، ولكنني مخترقة برامج وحسابات كما تعلم، ولم يسبق لي أن اخترقت أنظمة أمنية كهذه.
زمَّ شفتيه ثم قال: أرجوكِ حاولي! أنتِ تستطيعين!
كادت أن تعتذر لعجزها عن ذلك لولا أن أطبقت على شفتيه لبضع ثوان لتُحدث نفسها " أنا لا أريد أن أخذله.. ولكنه يضع فيني أملًا!.."
أغمضت عينيها، ونطقت على مضض: حـ حسنًا.. سأُحاول.
°
°
رفع ذي العينِ الواحدة هاتفه ليُلامس شحمةَ أُذنه، ثم تحدث بهدوئٍ كالصقيع:
ــ 070، بارودZ، عين الليل..
أجابوه من خلال السماعة: عُلم.
ثم،..
تقدمت شاحنة غذائية، وسيارتين أمام طريقه، وتجاوزوه صاعدين نحو طريقٍ جبلية.
Ahed Nasser🍂