مساءً، في المكتب...
دخل باركر على ميلڤين ليجده مشغولًا بأوراقٍ مبعثرة على منضدتـه.
حدّثه (باركر): كيف حالك؟
ردَّ عليه (ميلڤين) من دون أن ينظر إليه: بخير.
وضع باركر ساقًا على ساق، وظل يحدق بالمكتب لبرهة.
تنهد بعد مدةٍ طويلة من الصمت، ثم مال على المنضدة وأخرج هاتفه..
مدَّ الهاتف ناحية ميلڤين وقال: أُنظر إلى هذا الطفل.
رفع ميلڤين خضراوتيه لتستقرا على تلك الصورة. ارتفع حاجبه بشكلٍ طفيف وسأله: من هذا؟
(باركر): إنهُ ابني ألكس.
ظهر شبح ابتسامة طفيف على شفتي ميلڤين، فسأله مجددًا: ومتى تزوجت؟
(باركر) وهو يهز رأسه بحسرة: انظر كم أنك تهتم بصديقك لدرجة أنك لا تعلم متى تزوج ومتى أصبح أبًا!
(ميلڤين) وقد أعاد بصره إلى الأوراق: لا تلمني، فأنت لم تدعني إلى حفل زفافك.
(باركر) بانفعال: بل إني دعوتك!.. وأنت قرأت الرسالة ولم ترد!
(ميلڤين): المعذرة إذن. ربما كُنتُ مشغولًا.
قلّب باركر الصور وجذب انتباه ميلڤين مجددًا عندما أراه صورةً جماعية تضم عائلته، وقال: انظر!.. هذه زوجتي مادلين. إنها لطيفةٌ جدًا.
(ميلڤين) بعد أن رأى الصورة: مباركٌ مقدمًا على مولودك القادم.
ابتسم باركر وقال: ستلد مادلين بعد شهرٍ من الآن.
وأردف: وقد قررت أن أُسمي ابننا ميلڤين.
استطرد (ميلڤين): قد يحمل حظًا سيئًا.
(باركر) وهو يُقهقه: ليس أسوأ من حظ ألكس!
اتسعت ابتسامة ميلڤين ببُطءٍ، ثم استطرد سائلًا: أما تزال تزوره؟
(باركر) بحزنٍ طفيف: لا.
رفع ميلڤين أحد حاجبيه واستفسره: ولمَ؟
أجاب: ألكس تجسيدٌ للحسد، لقد رضي بقتلنا لوالده وأخوه فما بالك لو يراني حرًا طليقًا وهو في السجن..؟
هز ميلڤين رأسه مؤيدًا، بينما يُردف الآخر:
ــ أُقر بأنه كان ليشي بي.
في منزل السيد ديلفاران...
ــ هوووووباااا!
قهـقهت لوسي وهتفت: أعلى!.. أعلى!!
وقذفهـا مجددًا إلى الهواء، حتى حلقت خصلاتها من قوة الاندفاع...
التقطها وضمّها إلى صدره، فصرخت لوسي برجاء: مجددًا!.. مجددًا!
(كايون): يكفي.
وقبل أن تعترض، حدثتهما كرستين: كايون!.. لوسيندا!.. العشاء جاهز.
نبست (لوسي) وقد ملأت خداها بالهواء: أريد أن ألعلب!
(كرستين): لا، لقد جاء السيد ديلفاران وعليكما أن تنزلا لتتناولا العشاء معـه، ثم يمكنكِ أن تلعبي مجددًا.
أنزلها كايون من حجره، وحدّث كرستين: من فضلك، أُريد أن أتناول العشاء في غُرفتي.
(كرستين): لا يصح هذا، فالسيد ينتظركما للتتناولوا الطعام سويًا!.. ثم إنه قد مر زمنٌ طويل وأنت لم تجتمعـ...
قاطعها (كايون): إن لم يصلني طعامي إلى الغرفة فلن أتعشى.
(كرستين): كايــون!!
(كايون) وهو يدفع لوسي نحوهـا: فلتأخذي لوسي.
(لوسي): أُريد أن آكل معك!
(كرستين): كلا!.. ستنزلان الإثنان!
وراحت نحو باب غرفة كايون، لِتُقفِلهـا وتضع المفتاح في جيبها. سار كايون نحوها ومدّ يده بتضجُّرٍ متعب..
(كايون): هاتِ المفتاح يا كرستين، ولتتوقفي عن هذا.
(كرستين): هيا!
تربّع على الأرض، فاستدارت كرستين نحو لوسي وقالت لها: فلتسبقينا يا صغيرتي، ولتخبري السيد بأننا قادمان في الحال.
(لوسي) بتبرّم: لا!.. لن أنزل إلا مع أخي!
تنهدت كرستي، وأخفضت رأسها نحو لوسي هامسة: سأشتري لكِ لعبةً بحجمٍ كبيرٍ جدًا إن سبقتنا الآن.
(لوسي): حقـًا؟!
أومأت لها، فسارعت لوسي بالنزول بينما تقول: لا تتأخرا!
تربّعت كرستين إلى جانبه وسألته: لمَ كُلُّ هَذِهِ التصرُفات الثائرة نحو والدك؟!
(كايون): ......
(كرستين): لا أعلم ما جرى بينكما، ولكن إن كانَ شجارًا فالسيد ديلفاران يبقى والدك ومن واجبك أن تحترمه وتعتذر له.
اشتدت قبضة كايون وغمغم"لا ينقصني إلا أن أعتذر له!"
ولولا أن كرستين امرأة، وفي مقام والدته، ولولا أنها لا تُدرك الحقيقة، لهشمت هذه القبضة وجهها.
كبت كايون غيظه وقال: أرجوكِ أن تذهبي، فأنا لن آتي.
(كرستين) بنبرة شجن: هل لي أن أعرف السبب؟
(كايون): لا.
نزلت كرستين على مضض، وما زاد من عجبها هو أن ميلڤين لم يسأل عن كايون، فقط لوسي من بقيت تحتج لعدم قدومه.
فـي اليوم التالي.. أثناء حصـة الرياضيات.
شرع المعلم بتقسيم الأوراق، وحين جاء دور أريج كانت نظرات المعلم هادئة إلى حدٍ مُريب.
ابتلعت أريج ريقها وغمغمت"أيا تُراه قد لاحظ دخول جهازٍ غريب إلى جهازه؟!.. المهم بأنه لا يمتلك دليلًا ملموسًا"
أخذت الورقة منه، وهتفت بسعادة مصطنعة حين رأت علامةً تامة:
ــ يا إلهي!.. لم أتوقع أني قد أحصل على درجةٍ كاملـة!
تجلّت ابتسامة صغيرة على ثغر المعلم، وتحدّث في نفسه"يستحيل أن يكون جهاز هذه الظريفة هو من تصفّح جهازي، يبدو أنه قد صادف وأن طلبت رقمي مع تسجيل دخول ذلك الجهاز"
وراجع حساباته في نفسه"كما أنها قد طلبت مني في ليلة الاختبار أن أُعيد لها شرح درسين، وذلك الدرسين لم أضع منهما أي سؤال بالورقة، أي أنها لم تكن تعلم بأسئلة الامتحان."
وبراءة أريج هي ما جعلته يُقفل أمر تساؤله تجاهها. تقدّم نحو لوثر وأعطاه ورقته قائلًا: أحسنت يا لوثر.
وعلى الرغم من أن لوثر كان يتوقع تلك العلامة العالية، إلا أنه بقي يضحك بسعادة ويتفحّص ورقته من جميع الاتجاهات مما دفع كايون للابتسام.
بعد الدوام...
توجّه ثلاثتهم إلى خارج بوابة المدرسة، لتجد أريج بأن الحافلة التي تُقِلُها إلى منزلها قد تعطّلت، وما زالت على قيد الإصلاح.
وكز لوثر ذراع كايون، ورفع حاجبيه ناحية أريج.
رمقه كايون فتنحنح، وقال بنبرة عابرة، وعادية للغاية: بما أن الحافلة معطلة، فيمكنني أن أوصِلكِ إلى منزلك إن أردتِ.
نفت أريج برأسها وقالت: شكرًا، ولكن هناك العديد من الحافلات الأُخرى. سأستقل أي واحدة.
وخطّت مبتعدةً عنهما.
تبصّر كايون رفيقه، وكلّمه بحدة: أرأيت كيف أنها قد رفضت؟!.. لقد جعلتني أبدو كالأبلـه!
(لوثر) وهو يبصق قشر بذور دوار الشمس: لا عليك، لا عليك، من يسمعك سيظن بأنها قد رفضت مشاعرك.
ثم ناوله كيس البذور وقال: أنت تعلم بأنها خجولة، فلو دعوتها مع عبارة إن أردتِ، فهي سترفض بلا شك.
استدار على عقبة واستطرد: انظر، وتعلّم مني.
ركض نحو أريج ملوحًا بيده: هاااي!.. أريج!
التفتت إليه قبل أن تصعد على الحافلة، واستفسرته: ماذا هناك؟
(لوثر) وهو يُشير نحو سيارة كايون: لمَ لا تأتين معنـا؟!.. سنستمتع كثيرًا بتبادل الأحاديث أثناء الطريق، وقد يأخُذنا كايون في جولة صغيرة قبل أن نعود إلى المنزل.
(أريج) وهي تُعيد خُصلة خلف أُذنها: شكرًا ولكن... أنا لا أستطيع.
(لوثر): ولكن لماذا؟!
ووضع ذراعه على كتفها بينما يقول: هيا أريـ..
صمت حين رأى ردة فعلها المصدومة منه، فسارع بإبعاد ذراعه، وبالتبرير قائلًا: أنا آسف!.. لم أقصد إزعاجك، وإنما أنا مُعتادٌ على فعل هذا مع صديقي!
ارتخت تعابيرهـا قليلًا، ليستطرد لوثر مبتسمًا: إذن؟؟.. أأنت موافقة؟!
تبصّرته لمُدَةٍ متفكِّرة، فزمّت شفتيها في همهمة:
ــ همممم...
ضيّق لوثر عينه منتظرًا ردّها، بينما الابتسامة ما تزال مُعلّقةً على شفتيه.
ثم...
ــ حسنـًا، ولكن من دون جولة لأني لا أُريد أن أتأخر.
ــ رائـع!!
رآهما كايون وهما يعودان نحوه، فسبقهما ليفتح السيارة.
أدار المفتاح ليصدح صوت هديرها.
فتح لوثر الباب وقال: تفضّلي.
(أريج) مع ابتسامة: شكرًا.
ثم أغلق الباب وجلس على المقعد الأمامي بجانب كايون.
وبمجرد أن بدأوا بالتحرك، ضغط لوثر على زر الموسيقى، وشرع يُغنـي مع اللحن...
(لوثر): هيا ما بِكُما؟؟.. لمَ لا تُغنيان؟!
همس (كايون) بينما يُغطي وجهه بكفه: أخزيتنـي.
(أريج) بينما تُحدق نحو النافذة: إلى أين نحن ذاهبون؟!.. ألم نتفق على عدم أخذ جولـة؟
(لوثر): نحن نتوجّه نحو الحضانة التي بها لوسيندا.
(أريج): هممم.
نزل كايون، وعاد وهو يحمل لوسي بيدٍ واحدة. وضعها بجانب أريج، فدُهِشهت لوسي عندما رأتها:
ــ هاااا!.. آنسة أريج!.. لا أُصدق!
ابتسمت أريج ومدت يدها لتُصافحها لوسي بسعادة وتبدأ بالثرثرة عن ما حدث معها في الروضـة.
انشغل لوثر بالعبث بالموسيقى، يرفع الصوت تارةً ويخفضه تارةً أخرى.
وبينما أريج تستمع للوسي، لم تنتبه لتلك الزرقاوتان…
لكنها شعرت بهما بعد لحظات.
رفعت عينيها لا إراديًا.. وفي المرآة الأمامية، كان كايون ينظر إليها. لثانيـة فقط.
ثم أشاح بصره إلى الطريق وكأن شيئًا لم يكن.
Ahed Nasser🍂