المشاكسه

المشاكسه

20 0

18 / المشاكسة

— تُرى، ما شأن هذا الرجل؟

لماذا يبدو حزينًا هكذا طوال الوقت؟

قالتها إحدى الفتاتين الجالستين على الشاطئ، وهي تحدق في ماهر، الذي بدا وكأنه صورة حية لليأس.

كانت لحيته قد نمت خلال اليومين الماضيين.

وعيناه الغائرتان تحملان آثار سهرٍ طويل.

شاحب الوجه، هزيل الجسد، مختلفًا تمامًا عن ذلك الرجل الذي جاء إلى المصيف قبل أيام، متماسكًا وهادئًا.

أجابتها صديقتها بلا مبالاة:

— لا تشغلي بالك به.

واضح أنه رجل مجنون.

لكن سمية، التي لم تُبعد عينيها عنه، قالت بإشفاق:

— لا أظن.

هناك شيء ما يؤلمه.

شيء أكبر من مجرد الحزن.

ظلت صامتة لحظة.

ثم التفتت فجأة إلى صديقتها وسألت:

— هل معك الكاميرا؟

نظرت إليها الأخرى بدهشة:

— نعم... لماذا؟

قالت سمية بنفاد صبر:

— أين هي الآن؟

— في غرفتي.

وما إن أنهت جملتها حتى نهضت سمية مسرعة.

وبعد دقائق عادت تلهث، تحمل الكاميرا بين يديها.

جلست تلتقط أنفاسها، ثم قالت بحماس:

— والآن... نبدأ.

حدقت بها صديقتها في استغراب:

— نبدأ ماذا يا مجنونة؟

ابتسمت سمية ابتسامة مشاكسة وقالت:

— ثوانٍ... وستعرفين.

ثم نهضت.

واتجهت بخطوات واثقة نحو ماهر.

اتسعت عينا صديقتها في ذهول، ولم تكد تستوعب ما يحدث حتى رفعت سمية الكاميرا...

وضغطت زر الالتقاط.

انطلق وميض الفلاش.

انتفض ماهر من شروده.

واستدار غاضبًا.

لكن غضبه تعثر للحظة.

فقد وجد أمامه فتاة فاتنة.

شعرها الأسود الناعم ينساب فوق كتفيها.

وجهها الأبيض المشرق يشع بحيوية لافتة.

وعيناها الواسعتان تحملان بريقًا طفوليًا مشاكسًا.

غير أن تلك الدهشة لم تدم.

سرعان ما انعقدت ملامحه وقال بحدة:

— ماذا فعلتِ؟

ابتسمت الفتاة ابتسامة بريئة وقالت:

— لا شيء.

أنا مجرد مصورة.

قال بصرامة:

— إذًا من فضلك... أعطيني الفيلم.

رفعت حاجبها وقالت في غضب مصطنع:

— ولماذا؟

حتى لا تكسر الكاميرا؟

أو ربما... تدق عنقي؟

اتسعت عينا ماهر دهشة.

ثم قال:

— إذًا... كنتِ هنا يومها.

ابتسمت سمية، وكأنها أقرت بذلك دون كلمات.

تنهد ماهر، ثم قال بفتور:

— حسنًا.

لا أريد شيئًا.

اذهبي فقط.

رمقته بدهشة وقالت:

— بهذه البساطة؟

غريب.

من يراك الآن لا يصدق أنك كنت على وشك تحطيم كاميرا رجل قبل يومين.

قال بهدوء مرهق:

— وماذا تريدينني أن أفعل مع فتاة صغيرة مثلك؟

اذهبي...

قبل أن أغيّر رأيي.

عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت بتحدٍ طفولي:

— وماذا ستفعل حينها؟

نظر إليها ماهر للحظة.

وكان واضحًا أنه استنزف طاقته حتى على الغضب.

فقال مستسلمًا:

— لا شيء.

فقط... اتركيني وحدي.

هنا، تغيرت نظرة سمية.

للمرة الأولى، رأت ما وراء جفاف صوته.

رأت الحزن العالق في عينيه.

والإرهاق الذي نخر ملامحه.

بل بدا لها وكأنه مريض...

أو مطارد بشيء لا تراه.

فعادت ببطء إلى صديقتها.

التي سألتها بدهشة:

— هلّا فسّرتِ لي ما الذي تفعلينه؟

جلست سمية وهي لا تزال تنظر إلى ماهر.

ثم قالت بصوت منخفض:

— لم نفعل شيئًا بعد.

كانت ابتسامتها الغامضة تحمل وعدًا بمغامرة جديدة.

بينما ظل ماهر جالسًا هناك...

شاردًا.

غارقًا في دوامة أفكاره.

غير مدرك أن تلك الفتاة المشاكسة...

ستقتحم قريبًا عالمه المظلم.

وستقوده، دون أن تدري...

إلى أحد أخطر أسرار

لوحة "ما زال منتظرًا"

يتبع...

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

مازال منتظراً

المؤلف الي ربك الرجعي
2026/05/18 مستمرة
قائمة الفصول (18)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة