مازال منتظراً

مازال منتظراً

15 0

2 / ما زال منتظرًا

كان ذلك الرجل الغامض في غاية السرور حين علم أن صاحب اللوحة من أبناء المدينة نفسها، وأنه يقيم غير بعيد عن المعرض. وبعد تعارفٍ مقتضب، اتفقا على موعدٍ للقاء داخل المعرض ذاته.

وفي الموعد المحدد، التقى الرجلان.

كان صاحب اللوحة رجلاً أبيض البشرة، تميل حمرتها إلى الخفوت، بوجهٍ مثلث تكاد ذقنه المدببة تمنحه تلك السمة الفنية التي تميز أغلب الرسامين. كان طويل القامة، نحيل البنية، وتغلب على ملامحه مسحة من الهدوء والتأمل. وحين صافح حازم، شعر الأخير برقة يديه على نحوٍ لافت.

قال الرجل في تهذيب:

— هل باستطاعتي أن أخدمك يا سيدي؟

ابتسم حازم ابتسامة بشوشة وأجاب:

— في الحقيقة، أود شراء إحدى لوحاتك الرائعة.

رد صاحب اللوحة بهدوء، وكأنه اعتاد مثل هذا الطلب:

— وأيّ لوحاتي أعجبتك؟

تردد حازم قليلًا قبل أن يقول:

— في الواقع، أنا لست من هواة الفن، ولا أملك عنه دراية تُذكر... لكن كل ما أستطيع قوله أن قدميّ قادتاني إلى هنا دون قصد. لا أعلم لماذا، ولا ما الذي جذبني إلى هذا المعرض تحديدًا... غير أنني ما إن وقعت عيناي على تلك اللوحة حتى شعرت بشيءٍ غريب يشدني إليها.

ثم أردف بصوتٍ خافت:

— أرجو أن تعذر جهلي، لكنني لم آتِ إلى هنا إلا من أجلها.

أومأ صاحب اللوحة بتفهم، ثم قال:

— حسنًا يا سيد حازم... وأين هي تلك اللوحة؟

أشار حازم بيده نحو ركنٍ بعيد تغمره إضاءة خافتة، وقال بلهفة:

— هناك... تلك التي تحمل اسم "ما زال منتظرًا".

وما إن نطق باسم اللوحة، حتى تبدلت ملامح صاحبها فجأة.

وقف متصلبًا في مكانه، كأن صاعقة أصابته. ثم استدار نحو حازم ببطء، وحدّق فيه بنظرة امتزج فيها الذهول بالهلع.

ظل صامتًا لثوانٍ طويلة، قبل أن يسأله بصوتٍ مرتبك:

— لماذا اخترت هذه اللوحة بالذات؟

تعجب حازم من تغيره المفاجئ، وقال بدهشة:

— لا أعلم... لقد أخبرتك. رأيتها، فأعجبتني، فأردتها. هذا كل ما في الأمر.

أطرق الرجل برأسه، وردد بصوتٍ خافت كأنه يحدث نفسه:

— رأيتها... فأعجبتك... فأردتها...

ثم رفع رأسه فجأة، وقال بحزم:

— يؤسفني يا سيد حازم... هذه اللوحة ليست للبيع.

ارتفعت حاجبا حازم دهشةً:

— ولماذا؟

أجاب الرجل بصرامة:

— لأسبابٍ خاصة.

اقترب حازم خطوة، وسأله بإلحاح:

— وهل يمكنني شراؤها في وقتٍ آخر؟

هز الرجل رأسه نافيًا:

— لا.

قال حازم، وقد بدأ اليأس يتسلل إلى صوته:

— حتى لو عرضت عليك السعر الذي تريده؟

فأجابه الرجل بحدة غير متوقعة:

— مهما بلغ المبلغ... لن أبيعها قط.

تراجع حازم قليلًا، وقد ازدادت حيرته.

"ما السر وراء هذه اللوحة؟ ولماذا انقلب الرجل هكذا فجأة؟"

تساءل في نفسه.

لكنه سرعان ما تمالك أعصابه.

"لا بأس يا حازم... تمهل. لا داعي للتسرع. ستجد وقتًا آخر لمعرفة الحقيقة... وربما لامتلاكها أيضًا."

ثم قال بصوتٍ مسموع، مصطنعًا ابتسامة ودودة:

— لا بأس يا سيدي... إنها لوحتك، ولك مطلق الحرية. ولكن هل هذا الرفض ينطبق على بقية لوحاتك أيضًا؟

استعاد الرجل بعض هدوئه، وقال:

— لا... يمكنك شراء أي لوحة أخرى إن شئت.

اختار حازم إحدى اللوحات، وأصر على دفع ثمنها، لكن الدكتور باسم رفض أن يتقاضى منه شيئًا.

ازداد استغراب حازم، وتمتم في داخله:

"يا له من رجل غريب الأطوار!"

تبادلا التحية على أمل اللقاء قريبًا.

خرج حازم من المعرض، يحمل اللوحة التي اشتراها على مضض، ثم ألقاها بإهمال على المقعد الخلفي لسيارته وانطلق.

كانت نظراته المرتدة عبر المرآة الأمامية تحمل قدرًا واضحًا من الاستياء... لا من اللوحة التي معه، بل من تلك التي لم يستطع الحصول عليها.

أما في الداخل، فقد وقف الدكتور باسم أمام لوحة "ما زال منتظرًا" يحدق فيها بقلقٍ بالغ.

ظل صامتًا للحظات، ثم أدار ظهره وغادر المعرض...

تاركًا خلفه تلك اللوحة الغامضة.

لوحة...

ما زال منتظرًا.

يتبع...

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

مازال منتظراً

المؤلف الي ربك الرجعي
2026/05/18 مستمرة
قائمة الفصول (18)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة