10 / أصابع الاتهام
توجّه حازم إلى المعرض فور تلقيه الاستدعاء.
كان في استقباله مدير الأمن، الذي اصطحبه مباشرة إلى مكتب السيد نظمي.
ما إن دخل حتى نهض نظمي من خلف مكتبه، وعلى شفتيه ابتسامة عريضة، وقال:
— شكرًا لك يا سيد حازم على تلبية دعوتي وحضورك بهذه السرعة.
ابتسم حازم ابتسامة مماثلة وأجاب:
— لا شكر على واجب يا سيد نظمي... ما كنت لأرفض لك دعوة.
حدّق فيه نظمي لحظة، ثم قال بلهجة حازمة ومباغتة:
— لقد سُرقت من هنا ليلة أمس لوحة فنية.
رفع حازم حاجبيه متظاهرًا بالدهشة:
— حقًا؟ وما شأني أنا بذلك؟
قال نظمي بهدوء وهو يراقب أدق انفعالاته:
— شأنك كبير... لأن اللوحة المسروقة هي "ما زال منتظرًا"... وأنت تعلم جيدًا من سرقها.
ابتسم حازم بسخرية لاذعة:
— هذا اتهام خطير لمواطن صالح مثلي. لكن أخبرني، هل تملك دليلًا حقيقيًا، أم أنك تعتمد فقط على خيالك الخصب؟
تنهد نظمي، ثم قال بنبرة ثابتة:
— اسمعني جيدًا يا سيد حازم... أعلم أنك رجل أعمال ناجح، تنتمي إلى عائلة لها وزنها الاقتصادي، وصاحب مكانة مرموقة في المجتمع. لذلك كنت أتوقع منك حديثًا يليق بمقامك، لا هذه السخرية التي لا تضيف شيئًا.
ثم مال إلى الأمام وأضاف:
— أما بشأن الأدلة... فصدقني، لست مهتمًا كثيرًا بمن سرق اللوحة، ولا حتى بعودتها.
انعقد حاجبا حازم، وسأله بحذر:
— إذن... ماذا تريد؟
أجاب نظمي سريعًا، وعيناه تلمعان:
— أريد أن أعرف سر لوحة "ما زال منتظرًا".
بُهت حازم للحظة، لكنّه سرعان ما استعاد تماسكه وقال:
— لا أفهم ما تقصده. كل ما في الأمر أن اللوحة أعجبتني، وحاولت شراءها، لكن طلبي قوبل بالرفض.
ظل نظمي يحدّق فيه طويلًا، ثم نهض من مقعده واتجه إلى شاشة العرض المثبتة على الحائط.
ضغط زر التشغيل.
ظهر التسجيل المصور من كاميرات المراقبة.
كان المشهد يُظهر حازم واقفًا أمام اللوحة، جامدًا كتمثال، وعيناه معلقتان بها في نظرة غريبة يصعب تفسيرها.
قال نظمي وهو يشير إلى الشاشة:
— إذا سرّعنا هذا التسجيل، سنجد أنك بقيت واقفًا أمامها قرابة الساعة دون حراك... ولدينا تسجيلان آخران مشابهـان تمامًا.
ثم التفت إليه وسأله:
— هل لديك تفسير؟
ظل حازم صامتًا.
ابتسم نظمي وقال:
— أليس هذا دليلًا كافيًا؟
أجاب حازم بهدوء محسوب:
— لا... ليس دليلًا على أنني سرقت اللوحة.
ضغط نظمي زرًا آخر، فظهر تسجيل جديد.
شخص يرتدي زيّ عمال الصيانة الأزرق، ينحني ليلتقط جهاز اتصال لاسلكي.
ما إن ظهر المشهد حتى قاطعه حازم:
— وحتى هذا ليس دليلًا... فالملامح غير واضحة.
ابتسم نظمي ابتسامة باردة:
— صحيح... لكنها قد تصبح واضحة إذا شاركت الجهات المختصة في التحقيق.
رد حازم ببرود:
— ألا ترى أنك تبالغ في قضية لوحة؟
ثم أردف:
— هل تحدثت مع صاحبها؟
أجاب نظمي:
— نعم.
قال حازم:
— إذن اتصل به الآن... فقد يكون له رأي مختلف.
رمقه نظمي بنظرة متفحصة، ثم أخرج هاتفه واتصل بالدكتور باسم.
جاءه الصوت من الطرف الآخر:
— نعم، سيد نظمي؟
قال نظمي:
— هل ترغب في استخدام كامل صلاحياتي لاستعادة لوحتك؟
لكن الرد جاء مفاجئًا:
— لا يا سيد نظمي... لقد انتهى الأمر.
اعتدل نظمي في جلسته وقال بدهشة:
— ماذا تقصد؟
أجاب الدكتور باسم:
— لأن اللوحة معي الآن. أحضرها رجل منذ قليل، ثم غادر مسرعًا قبل أن أتمكن من رؤية ملامحه جيدًا.
وفي تلك اللحظة، أدرك حازم أن خطته قد نجحت، وأن رجله أتم المهمة كما ينبغي.
بينما تابع نظمي، وقد اشتدت دهشته:
— وكيف حدث ذلك؟
جاءه صوت باسم متبرمًا:
— أخبرتك... لا أعرف. الرجل سلّمني اللوحة ثم اختفى.
قال نظمي بعد لحظة صمت:
— حسنًا... هل يمكنك الحضور صباحًا ومعك اللوحة؟
— سأكون هناك.
انتهت المكالمة.
أنزل نظمي الهاتف ببطء، ثم رفع عينيه نحو حازم وقال:
— يمكنك الذهاب الآن يا سيد حازم...
ثم أضاف بنبرة حادة:
— رغم أنني على يقين أنك وراء ما حدث.
اقترب منه خطوة، وأردف:
— لكن تذكر كلمتي جيدًا... سيأتي اليوم الذي أكشف فيه الستار كاملًا عنك... وعن سر هذه اللوحة.
ابتسم حازم ابتسامة غامضة، ثم استدار وغادر المكتب.
بينما ظل نظمي واقفًا في مكانه، محدقًا في الفراغ، وكأن اللغز قد ازداد تعقيدًا.
لوحة "ما زال منتظرًا"
يتبع...
الي ربك الرجعي