السؤال القدري

السؤال القدري

10 0

٦ / السؤال القدري

في صباح اليوم التالي، توجّه الدكتور باسم إلى عمله بالجامعة، بينما كانت الأسئلة تطارده بلا رحمة، تلحّ على عقله بإصرارٍ غريب.

وكان أكثرها إلحاحًا ذلك الغموض الذي يحيط بتلك اللوحة...

لماذا كلما وقعت عيناه عليها ارتجف، وكأن خطرًا خفيًا يوشك أن يقع؟

توقّف عن الاسترسال في أفكاره عندما وصل إلى بوابة الجامعة.

دخل قاعة المحاضرات، وبدأ يلقي محاضرته المعتادة. كان صوته هادئًا، ونبراته متزنة، لكن ذهنه كان شاردًا في مكانٍ آخر.

وما إن انتهى من شرحه، حتى رفعت إحدى الطالبات يدها قائلة:

— دكتور، هل من الممكن أن تؤثر لوحة فنية على شخصٍ ما؟

ابتسم باسم ابتسامة خفيفة، ثم أجاب:

— بكل تأكيد يا ابنتي. بل قد تؤثر لوحة فنية في مجتمعٍ كامل، لا في شخصٍ واحد فقط.

ولدينا أمثلة كثيرة، كلوحة الموناليزا والعشاء الأخير وغيرهما.

انهالت بعد ذلك الأسئلة من الطلاب، وظل يجيب عنها في صبر وهدوء، ممزوجين بابتسامته الرصينة، حتى انتهى اللقاء.

أغلق دفتره، ثم ألقى التحية وغادر القاعة.

لكن قبل أن يبتعد، لحقت به إحدى الطالبات، وكانت معروفة له بفضولها الدائم.

ما إن رآها حتى ابتسم قائلًا:

— ماذا تريدين أيتها القطة الشقية؟ أما مللتِ من إلقاء الأسئلة؟

ابتسمت الفتاة بحماس وقالت:

— لا يا دكتور، لكن سؤالي هذه المرة واحد فقط... ولن أطيل عليك.

رفع حاجبيه مبتسمًا:

— هاتِ ما عندكِ يا سحر.

قالت وهي تنظر إليه مباشرة:

— هل توجد لوحة أثّرت في حياتك؟

تجمّدت ملامحه للحظة.

جاء السؤال كصفعة مباغتة، وفي توقيت لم يكن مستعدًا له.

شرد ببصره بعيدًا، وغاص في أعماقه حيث تقبع تلك اللوحة اللعينة.

وفي داخله كان يجيب:

"نعم يا سحر... هناك لوحة رسمتها يداي، لكن شيئًا مجهولًا بثّ فيها روحًا لا أفهمها. لوحة تعبث بي، تفرض حضورها، وتدير لعبة غامضة لا أدري متى تنتهي."

انتبه فجأة إلى سحر، التي ما زالت تنتظر إجابته وعيناها معلقتان به في دهشة.

ارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة، وقال سريعًا:

— سأجيبكِ لاحقًا يا سحر... لقد تأخرت عن موعدٍ مهم.

لاحظت الفتاة تهرّبه الواضح، لكنها أخفت فضولها وقالت بهدوء:

— حسنًا يا دكتور... فيما بعد.

ثم تركته ينصرف.

استقل باسم سيارته، وانطلق بها بلا وجهة محددة، وكأن شيئًا خفيًا يقوده.

وبعد دقائق، وجد نفسه أمام النيل.

أوقف السيارة على جانب الطريق، ترجل منها، ثم استند إلى مقدمتها، محدقًا في صفحة الماء الساكنة.

وهمس لنفسه:

— تُرى... هل كل هذه المخاوف مجرد أوهام؟

أم أن تلك اللوحة تحمل بالفعل عاصفةً تعصف بكياني؟

لماذا كلما اقتربتُ منها شعرتُ بهذا الخوف... بهذه الرهبة؟

ما هذا الجنون الذي يصوّره لي عقلي؟

ساد الصمت للحظات، ثم اعتدل واقفًا، وكأن قرارًا حاسمًا قد تشكّل داخله.

قال بصوتٍ خافت لكنه حازم:

— لا... يجب أن أتخلص منها.

سأبيعها لذلك الرجل الغامض، أو أتلفها بيدي... المهم أن تنتهي هذه الكوابيس.

عاد إلى سيارته، ورغم أنه ظنّ أنه وجد حلًا لتلك المعضلة، فإن القلق ظل ينهش قلبه.

فما زالت هناك...

تلك اللوحة...

لوحة "ما زال منتظرًا".

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

مازال منتظراً

المؤلف الي ربك الرجعي
2026/05/18 مستمرة
قائمة الفصول (18)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة