17 / هدوء نسبي
— يا لارا...
ناداها الدكتور باسم ما إن دخل المنزل.
فأتاه صوتها من الداخل، رقيقًا هادئًا:
— أنا هنا... في المطبخ يا باسم.
اتجه نحو الصوت.
فوجدها واقفة تعد الطعام، تتحرك بحذر معتاد.
اقترب منها في صمت، وربّت على كتفيها بحنان.
التفتت نحوه مبتسمة، ثم سألته بصوتها العذب:
— كيف كان يومك يا زوجي العزيز؟
أجابها بهدوء:
— الحمد لله.
ثم أمسك بيديها برفق، وأخذ يربّت عليهما.
وقال مبتسمًا:
— ما رأيك أن نذهب إلى أحد المصايف؟
نبتعد قليلًا...
ونستريح.
ابتسمت لارا ابتسامتها الهادئة وقالت:
— كما تريد.
أنا معك إلى أي مكان.
صمت باسم لحظة.
ثم سألها بصوت خافت:
— حقًا يا لارا...
إلى أي مكان؟
ضحكت في دلال وقالت:
— وهل تشك في ذلك؟
ابتسم وقال:
— لا...
فأنا أعلم جيدًا كم أنتِ مخلصة لي.
ردت عليه بحنان:
— بل أنت من يستحق الإخلاص.
أنت أجمل ما حدث في حياتي.
ثم أضافت بصوت اختلط فيه الامتنان بالشجن:
— كيف لي أن أنسى وقوفك إلى جواري؟
كيف أنسى أنك كنت اليد الوحيدة التي امتدت إليّ حين رحل الجميع؟
قاطعها باسم سريعًا:
— لا تقولي هذا.
أنت تعرفين مقدار حبي لك.
ثم ضغط على يديها برفق وأردف:
— وستظلين دائمًا... نوري في هذه الحياة.
ابتسمت لارا، ثم جذبت رأسه نحوها وضمتْه برفق.
وقالت:
— وأنا سأظل بجوارك إلى آخر العمر.
ثم ضحكت فجأة وسألته بمكر لطيف:
— لكن أخبرني...
ما الذي جعلك تغرقني بكل هذا الكلام الجميل اليوم؟
تنهد باسم طويلًا.
ثم قال:
— لأننا مررنا مؤخرًا بأيام عصيبة.
توتر... وقلق... وضغط مستمر.
وخفت أن تظني أن شيئًا قد تغير بداخلي.
لهذا فكرت أن نبتعد قليلًا.
أن نستعيد أنفسنا.
قالت لارا برقة:
— وأنا لا أمانع أبدًا.
لكنها توقفت فجأة.
وكأن خاطرًا اقتحم عقلها.
ثم سألت:
— وماذا عن اللوحة؟
تغيرت ملامح باسم.
وتمتم:
— انتهى أمرها.
قطبت حاجبيها:
— كيف؟
قال وهو يتجنب النظر إليها:
— بعتها.
اتسعت عيناها دهشة:
— لذلك الرجل؟
أومأ برأسه.
فسألته بسرعة:
— تقصد... صاحب الإطار الذهبي؟
أجاب بصوت خافت:
— نعم.
ساد الصمت للحظات.
ثم قالت لارا بقلق:
— وماذا عن الإطار؟
ارتسم التوتر على وجه باسم.
وقال بانفعال:
— بعد ثلاثة أسابيع...
حين أتأكد تمامًا أن الرجل تسلّم اللوحة...
سأبيع الإطار.
ثم أجرِي لك العملية.
العملية التي ستعيد إليك بصرك.
صرخت فجأة:
— لا!
تراجع باسم مذهولًا.
وقال:
— لماذا؟
ألا تريدين أن تبصري من جديد؟
ألا تريدين أن تري وجهي؟
قالت بسرعة:
— ليس الأمر كذلك.
ثم أضافت بقلق بالغ:
— هل تدرك قيمة ذلك الإطار؟
أنا متأكدة أن ثمنه يفوق قيمة اللوحة أضعافًا مضاعفة.
نظر إليها باسم طويلًا.
ثم قال ببطء:
— أعلم.
لكنني ظننت أن الرجل قدّمه لي بإرادته.
مقابل اللوحة.
قالت لارا بحزم:
— هذا الإطار ليس شيئًا عاديًا.
ولا ينبغي الاحتفاظ به.
ظل صامتًا يفكر.
ثم قال أخيرًا:
— معك حق.
سأعيده إليه.
وسأتفق معه على ثمن مناسب للوحة فقط.
هكذا ننهي هذا الأمر إلى الأبد.
ثم ابتسم فجأة، وعادت نبرة الحنان إلى صوته:
— وبعد أن ننتهي من كل هذه الفوضى...
ألا ترين أننا نستحق أن نهتم بأنفسنا قليلًا؟
ابتسمت لارا في دلال، وقالت:
— ولماذا قليلًا؟
ضحك باسم.
وللمرة الأولى منذ أيام...
شعر أن شيئًا من السكينة عاد إلى قلبه.
لكن تلك السكينة...
لم تكن سوى هدوءٍ يسبق عاصفة جديدة.
عاصفة ستبدأ...
مع لوحة
"ما زال منتظرًا"
يتبع...
الي ربك الرجعي