اللوحة الغامضة

اللوحة الغامضة

19 0

1/ اللوحة الغامضة

في ذلك المعرض السنوي لمجمع الفنانين العرب، حيث اجتمع كبار التشكيليين والرمزيين وغيرهم من الرسامين الذين وفدوا من مختلف أنحاء الوطن العربي، انتصبت الأعمال الفنية شامخة داخل ذلك الصرح العظيم، لتمنح المهرجان طابعًا من السحر والجمال والإبهار.

وسط هذا الزخم الفني، كان هناك رجل يقف أمام إحدى اللوحات، ثابتًا في مكانه، كأنما شُلّت حركته تمامًا.

كانت ملامحه توحي بالبأس الشديد وقوة الإرادة؛ جبهة عريضة، وعينان سوداوان لامعتان، تشعّ منهما نظرات حادة امتزج فيها الترقب باللهفة، بينما ارتسم على وجهه تركيز غريب وهو يتأمل اللوحة.

ورغم قامته الرياضية وهيئته الأنيقة، بدا للناظرين وكأنه رجل أعمال ضلّ طريقه إلى هذا المكان، أو زائر عابر جاء بدافع الفضول لا أكثر. فمظهره لم يكن يوحي بصلة بالفن أو اهتمام بعوالمه، مما دفع بعض الحاضرين إلى الظن بأنه مجرد عابث جاء يتجول بين اللوحات دون فهم أو تقدير.

لكن الحقيقة كانت غير ذلك تمامًا.

فقد بدا الرجل أسيرًا لتلك اللوحة الغامضة، مأخوذًا بها على نحو لافت. كان يحدّق فيها بتركيز بالغ، كأنه يحاول فك شفرة معقدة، أو استرجاع ذكرى بعيدة اختبأت بين خطوطها وألوانها.

من يراه على تلك الحال يظن أن عقله قد غادر جسده، وارتحل إلى عالم آخر داخل تفاصيل اللوحة.

تباينت تفسيرات الحاضرين لموقفه؛ فبعض الفنانين رأوا فيه رجلًا يحاول سبر أغوار عمل فني عميق، بينما ذهب آخرون إلى اعتباره شخصًا ساذجًا، انبهر لأول مرة في حياته أمام لوحة فنية.

وفجأة، انتبه الرجل من شروده الطويل.

رفع عينيه ليجد نظرات الحاضرين معلقة به، تتابعه في استغراب واضح. عندها أدرك أنه ظل واقفًا أمام اللوحة وقتًا طويلاً، حائلًا بين الآخرين وبين رؤيتها.

احمرّ وجهه خجلًا، وأخفض رأسه، ثم استدار مسرعًا نحو الخارج.

لكنه ما لبث أن توقف.

بدت وكأن فكرة خاطفة قد لمعت في ذهنه، فعاد أدراجه بسرعة واتجه مباشرة إلى إدارة المعرض.

اقترب من المدير، وقال بابتسامة ودودة:

— أود شراء لوحة أعجبتني كثيرًا.

ابتسم المدير ابتسامة خفيفة امتزجت بأسف حقيقي، وقال:

— يؤسفني يا سيدي، فاللوحات المعروضة ليست للبيع، إذ إنها مشاركة ضمن فعاليات هذا المهرجان الكبير. لكن يمكنني أن أزودك بعنوان صاحب اللوحة ورقم هاتفه، لتتواصل معه مباشرة إذا رغبت.

ارتسمت على وجه الرجل ابتسامة امتنان واضحة، فصافح المدير بحرارة وقال:

— لقد أسديت إليّ خدمة لن أنساها.

ثم غادر المكان.

غير أن عقله ظل معلقًا هناك...

عند تلك اللوحة الغامضة.

يتبع...

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

مازال منتظراً

المؤلف الي ربك الرجعي
2026/05/18 مستمرة
قائمة الفصول (18)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة