16 / المريضة
توقفت قافلة من السيارات الفارهة أمام المستشفى المتخصص في علاج الأمراض النفسية والعقلية.
وخلال لحظات، عمّت الحركة أرجاء المكان.
تجمع عدد كبير من الأطباء والعاملين عند المدخل الرئيسي، مصطفّين في انتظار ضيفهم.
كان الجميع يعرف من هو.
يوسف المنصوري.
رجل الأعمال الأشهر.
ما إن ترجل من سيارته حتى استقبله الحاضرون بحفاوة مبالغ فيها.
فهذا الرجل اعتاد، بين الحين والآخر، زيارة المستشفى، والمرور على المرضى، ثم التبرع بمبالغ ضخمة قبل أن يغادر.
لكن...
هل كان هذا هو السبب الحقيقي لزياراته؟
كلا.
لم يكن ذلك سوى ستار أنيق يخفي الحقيقة.
حقيقة لم يكن يعلمها سوى شخصين:
مدير المستشفى...
والدكتور نبيل، الطبيب المشرف على حالة تلك المريضة.
كان يوسف يقف أمام باب غرفتها.
وقلبه يثقل ككل مرة.
دخل ببطء.
فوجدها جالسة كما اعتاد أن يراها.
شاردة النظرات.
هزيلة الجسد.
وجهها يحمل بقايا جمال قديم لم تنجح السنوات ولا الألم في محوه تمامًا.
حدق فيها طويلًا.
وامتلأت عيناه بحزنٍ موجع.
انسابت دمعة ساخنة على خده، لكنه أسرع يمسحها قبل أن يلحظها الدكتور نبيل، الذي قال بصوت هادئ:
— حالتها لم تتغير يا سيدي.
ما تزال على هذا الحال منذ وصولها.
صامتة معظم الوقت...
وأحيانًا، أثناء نومها، تهذي بكلمات غير مفهومة.
التفت إليه يوسف سريعًا وسأله باهتمام بالغ:
— وهل تتذكر شيئًا مما كانت تقوله؟
هز الدكتور نبيل كتفيه بأسف:
— للأسف لا.
لكن هناك اسمًا واحدًا كانت تردده كثيرًا.
انعقد حاجبا يوسف.
وسأل بلهفة:
— ما هو؟
— ياسر.
ساد الصمت.
تغيرت ملامح يوسف للحظة.
ثم سأل بصوت خافت:
— لا شيء آخر؟
هز الطبيب رأسه نافيًا.
تنهد يوسف، ثم قال:
— شكرًا يا دكتور.
وأود أن أختلي بها لبعض الوقت.
أومأ الطبيب وغادر الغرفة بهدوء.
ما إن أصبح وحده معها، حتى جلس قبالتها.
راح يتأملها في صمت.
ثم...
انهمرت دموعه.
هذه المرة دون مقاومة.
تراجع بذاكرته سنوات طويلة إلى الوراء.
حين كان شابًا بسيطًا في مقتبل العمر.
حين كانت هي خطيبته.
رفيقة أحلامه الأولى.
أجمل ما عرفه قلبه.
كانا يبدآن الحياة من الصفر.
يتشاركان الطموح، والتعب، والرجاء.
بنيا معًا قصة كفاح استثنائية.
حتى صار هو أحد أعمدة الاقتصاد في الشرق الأوسط.
وصار اسمه وحده يفتح الأبواب المغلقة.
لكن...
كما تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن...
جاء ذلك اليوم المشؤوم.
الكارثة التي لم تسرق حياته...
بل سرقت عقلها.
وتركتها حبيسة هذا الصمت القاسي.
قطع استغراقه صوت أحد مرافقيه من خلف الباب:
— سيدي... انتهى الوقت المحدد.
رفع يوسف رأسه.
نظر إليها نظرة طويلة.
كأنه يحاول احتواءها بعينيه.
ثم نهض وغادر.
لكن قبل أن يخرج...
استعاد قناعه المعتاد.
قناع رجل الأعمال الصلب الذي لا يعرف الانكسار.
توجه مباشرة إلى مكتب مدير المستشفى.
وما إن رآه المدير، عيسى، حتى نهض مرحبًا بحفاوة:
— أهلًا بك يا سيدي، شرفتنا.
جلس يوسف وقال بهدوء:
— أشكرك يا سيد عيسى على رعايتك لها.
أجاب المدير بارتباك:
— سيدي، لا شكر على واجب.
هذا المكان وكل من فيه في خدمتك... وخدمة السيدة.
ضيق يوسف عينيه وسأله بقلق:
— هل يعلم أحد هنا حقيقتها؟
ارتبك المدير وقال مسرعًا:
— لا... إطلاقًا.
لا أحد يعلم أنها زوجتك، سوى أنا والدكتور نبيل.
تنفس يوسف الصعداء.
وقال:
— هذا أفضل.
أنت تعلم جيدًا أنني محاط بالمتربصين.
وأي خطأ بسيط قد يستغلونه ضدي.
أجاب المدير:
— كن مطمئنًا.
زوجتك تتلقى أفضل رعاية ممكنة، وسرها محفوظ.
أومأ يوسف برأسه.
ثم قال:
— سأترك لك أحد مساعديّ للتنسيق المالي.
لكن...
إن حدث أي تطور، مهما بدا صغيرًا...
فاتصل بي فورًا.
أشار المدير بإيجاب:
— بالطبع يا سيدي.
وعند خروجه، عاد العرض المعتاد.
اصطف العاملون.
وانطلق المدير يرفع صوته أمام الجميع:
— شكرًا لك يا سيدي على دعمك المستمر واهتمامك بالمرضى!
ظل يبالغ في عبارات الامتنان، وهو يرافقه حتى سيارته.
ثم تحرك الموكب كاملًا.
واختفت السيارات في الأفق.
ظل المدير واقفًا يراقبها.
حتى توارت تمامًا.
عندها فقط تنهد بضيق، وتمتم لنفسه:
— يا لك من رجل...
ثم استدار عائدًا إلى الداخل.
بينما ظل في أحد أجنحة المستشفى...
سرٌ كبير.
ينتظر لحظة انكشافه.
يتبع...
الي ربك الرجعي