14 / المهمة الرئيسية
في ذلك المبنى الضخم...
الذي كان يومًا واحدًا من أكثر الأماكن سرية وحساسية بالنسبة لعامة الناس، صار اليوم يعج بالحركة والنشاط، يعرفه الصغير قبل الكبير.
إنه مبنى المخابرات العامة.
أما ما يدور خلف جدرانه...
فذلك أمرٌ آخر.
سري للغاية.
كان رجلٌ ممشوق القوام، رشيق الحركة، تعلو وجهه ملامح الوسامة والصرامة معًا، يشق الرواق الطويل بخطوات ثابتة.
ورغم أن الشيب بدأ يغزو جانبي رأسه، فإن هيبته لم تزد إلا رسوخًا.
توقف أمام إحدى الغرف، وطرق بابها.
فتح له شاب لم يتجاوز الثلاثين.
كان أنيقًا في بدلته السوداء، لامع الحذاء، وعلى شفتيه ابتسامة ثقة لا تخطئها العين.
قال الشاب مرحبًا:
— أهلًا بك يا سيدي... سعيد جدًا برؤيتك.
بادله الرجل ابتسامة واسعة وقال:
— وأنا أيضًا يا ولدي.
ثم ربت على كتفه وسأله:
— أخبرني يا صادق... هل انتهيت من مهمتك؟
أجاب الشاب بثقة:
— نعم يا سيدي، وقد جئت لتقديم التقرير.
— أحسنت.
ولم تكد الكلمة تغادر شفتيه حتى انفتح الباب مجددًا.
دخل رجل متوسط القامة، هادئ الملامح، تغزو الشيب رأسه، بما يدل على تجاوزه الخمسين.
وقف الرجلان احترامًا.
فهيبته كانت كافية لتعريفه.
جلس خلف مكتبه بعد أن تبادل التحية معهما، ثم أشار لهما بالجلوس.
وقال مبتسمًا:
— تهانينا يا صادق على نجاح عمليتك.
ابتسم صادق وأومأ شاكرًا.
ثم التفت المدير إلى الرجل الآخر قائلًا:
— ما آخر التطورات في المعرض يا نظمي؟
همّ صادق بالوقوف مستأذنًا، لكن المدير أوقفه:
— لحظة... أريدك أن تبقى.
جلس صادق في صمت، بينما قال نظمي:
— سيدي... هل تعتقد أن ما يحدث في المعرض له علاقة بمهمتنا الرئيسية؟
ظل المدير صامتًا للحظات، غارقًا في التفكير.
ثم قال بحزم:
— ما يحدث غامض.
ورغم أنني أستبعد ذلك الرجل عن المهمة، فإننا لا نعلم ما يدور في عقول هؤلاء.
سأله نظمي:
— وماذا تقترح؟
أجاب المدير:
— لن نقرر شيئًا حتى يعود أحمد بتحرياته الكاملة عن رجل الأعمال هذا.
وما إن أنهى جملته حتى دوّى طرق خفيف على الباب.
ابتسم المدير وقال:
— يبدو أن أحمد قد وصل.
دخل أحمد، وبعد تبادل التحية، سأله المدير مباشرة:
— ماذا لديك؟
أخذ أحمد نفسًا عميقًا وقال:
— بالنسبة إلى رجل الأعمال يوسف المنصوري... سجله ناصع.
صفقات دولية ناجحة، استثمارات ضخمة، ودور اقتصادي محوري.
رجل لا تحوم حوله شبهة واحدة.
ثم توقف.
وأضاف بنبرة متحيرة:
— أما ابنه حازم...
فنحن أمام شخص بالغ الغموض.
أومأ نظمي قائلًا:
— توقعت ذلك منذ لقائي الأول به.
سأله المدير:
— وضّح.
قال أحمد:
— التحريات الحالية تصفه بأنه رجل هادئ، متزن، محبوب، منطوٍ نسبيًا... لا شيء يدعو للريبة.
لكن...
وصلني تقرير قديم من أحد ضباط أمن الدولة.
وتغير كل شيء.
انعقد حاجبا المدير.
فأكمل أحمد:
— قبل عامين فقط، كان شخصًا مختلفًا تمامًا.
قضايا شجار، تعاطٍ، تحرش، سلوك طائش متكرر.
سجل يكفي لإرساله خلف القضبان.
قال نظمي بدهشة:
— وكيف انقلبت حياته بهذه الصورة؟
أجاب أحمد:
— حادث سير.
بعده اختفت كل تلك التصرفات فجأة.
وكأنه أصبح شخصًا آخر.
ساد الصمت.
ثم قال المدير ببطء:
— إذن... هناك ما لا نعرفه.
تنحنح صادق، الذي ظل صامتًا طوال الوقت، وقال:
— سيدي... هناك سؤال.
— تفضل.
— ما هي المهمة الرئيسية التي تتحدثون عنها؟
تبادل المدير ونظمي نظرة ذات مغزى.
ثم وقف المدير قائلًا:
— أظن أن السيد نظمي سيشرح لك الأمر.
وغادر الغرفة.
ولحق به أحمد.
بقي صادق ونظمي وحدهما.
اعتدل نظمي في جلسته، ثم قال بصوت هادئ:
— استمع إليّ جيدًا يا صادق.
أنت تعلم أننا نعيش عصرًا تتسابق فيه الأمم نحو التقدم.
لكن هناك من لا يريد لنا ذلك.
من يسعى لإبقائنا في الظلام.
صمت لحظة، ثم تابع:
— منذ أشهر، عهدت إلينا منظمة ثقافية عالمية بالإشراف على مشروع فني ضخم لدعم الثقافة في العالم العربي.
وقد وقع الاختيار على بلدنا لاستضافة معرض دولي يضم أعمالًا لفنانين من مختلف أنحاء العالم.
سأل صادق:
— والمعرض الحالي جزء من هذا المشروع؟
— نعم.
وأنا أتولى رئاسته كغطاء لعملي الحقيقي.
رفع صادق حاجبيه دهشة.
فأكمل نظمي:
— وصلتنا معلومات استخباراتية مؤكدة تفيد بأن جهة معادية تخطط لسرقة بعض اللوحات.
الهدف ليس السرقة في حد ذاتها...
بل إحراج دولتنا دوليًا وإفساد الحدث الثقافي.
قال صادق:
— ولماذا لا يُعهد بالأمر للأمن الداخلي؟
ابتسم نظمي:
— لأن العدو خارجي... وإن كان يتحرك من الداخل.
وهذا اختصاصنا.
أومأ صادق متفهمًا.
ثم سأل:
— وما علاقة حازم بكل هذا؟
شرد نظمي طويلًا.
ثم قال بصوت غامض:
— تلك...
هي الحكاية التي لم أجد لها تفسيرًا بعد.
حكاية بدأت...
مع لوحة واحدة.
لوحة...
"ما زال منتظرًا"
يتبع...
الي ربك الرجعي