أخيراً

أخيراً

11 0

15 / أخيرًا

ما إن انتهى الدكتور باسم من إلقاء محاضرته، حتى تقدمت منه طالبته سحر، التي اعتادت دائمًا أن تمطره بأسئلتها التي لا تنتهي.

وبينما كانت تستعد لإلقاء سؤالها الأول، لمحَت رجلًا يقترب منهما بخطوات واثقة.

كان أنيقًا، هادئ الملامح، وعلى شفتيه ابتسامة غامضة.

اقترب وربّت على كتف الدكتور باسم قائلًا:

— أهلًا يا دكتور.

استدار باسم.

وما إن وقعت عيناه على الزائر حتى انتفض في مكانه، واحتقن وجهه على نحوٍ أربك سحر.

ابتسم الرجل وقال:

— ألا تعرفني؟

تلعثم باسم قبل أن يسأله بحدة:

— كيف دخلت إلى هنا؟

أجاب حازم بهدوء:

— كنت في زيارة لصديق.

قاطعه باسم بغضب:

— هذا لا يعطيك الحق في اقتحام قاعتي.

ابتسم حازم ابتسامة واسعة وقال:

— لا تشغل بالك بالتفاصيل.

ثم أمسك بذراع الدكتور باسم برفق، وأشار إليه بالخروج.

انسحب الاثنان من القاعة، تاركين سحر خلفهما تحدّق في أثرهما بدهشة.

ولم يكن يدور في عقلها سوى سؤال واحد:

"من يكون هذا الرجل؟"

ما إن ابتعدا عن القاعة، حتى التفت إليه باسم وقال بصوت مكتوم بالغضب:

— ماذا تريد؟

أجابه حازم مباشرة:

— اللوحة يا دكتور.

ساد الصمت.

ظل باسم ينظر إليه طويلًا، كأنه يزن كلماته بعناية.

ثم قال بعصبية:

— لماذا كل هذا الإصرار؟

أنت رجل أعمال، تملك ما تشاء، فلماذا تطارد لوحة عادية بهذا الجنون؟

تنهد حازم بعمق وقال:

— صدقني... لقد مللت أنا نفسي من هذا السؤال.

ثم رفع عينيه إليه وأردف:

— لا أعلم لماذا تجذبني تلك اللوحة بهذا الشكل.

قال باسم بحدة:

— إصرار غريب.

ابتسم حازم ابتسامة باهتة:

— والدافع أغرب.

سأله باسم:

— وما هو؟

اقترب حازم خطوة وقال:

— قبل أن أجيبك... أجبني أنت.

لماذا ترفض بيعها لي؟

ارتجف وجه باسم للحظة.

وسرت في جسده قشعريرة واضحة.

ثم قال بصوت منخفض:

— أعتقد... أن الوقت قد حان لإنهاء هذا الأمر.

اتسعت عينا حازم.

فأكمل باسم:

— تلك اللوحة ليست ملكي بالكامل.

انعقد حاجبا حازم.

فقال باسم:

— نعم، رسمتها بيدي.

لكن فكرتها... ليست من خيالي.

صمت لحظة، ثم أضاف:

— هل فهمت قصدي؟

قال حازم بسرعة:

— لا يهمني ذلك.

كل ما أريده هو اللوحة.

هز باسم رأسه وقال بإصرار:

— هناك سبب آخر.

قال حازم بنفاد صبر:

— ما هو؟

رد باسم بعصبية:

— لم يحن الوقت بعد.

ثم نظر إليه طويلًا، وكأنه اتخذ قرارًا أخيرًا.

وقال:

— خذها يا سيد حازم.

ارتجف قلب حازم.

وللحظة، خُيّل إليه أنه لم يسمع جيدًا.

قال بلهفة طفلٍ مُنع طويلًا من لعبته:

— حقًا؟ ومتى؟

أجاب باسم وهو يهز كتفيه:

— الأمر ليس بيدي الآن.

فاللوحة ما زالت ضمن المعرض.

قد تنتظر شهرًا... وربما أكثر.

قطّب حازم حاجبيه:

— لماذا؟

قال باسم:

— لأنها مُسجلة رسميًا في لجنة المسابقة.

وإن فازت...

فستُرسل ضمن اللوحات الفائزة إلى لبنان للمشاركة في معرض دولي هناك.

اتسعت عينا حازم وقال بانفعال:

— إذن تقصد أن عليّ الانتظار شهرًا كاملًا؟

أومأ باسم:

— هذا هو الواقع.

ساد الصمت للحظات.

ثم قال حازم فجأة، بنبرة حاسمة:

— حسنًا...

إذًا سأذهب إلى لبنان.

نظر إليه باسم بدهشة:

— ما كل هذا التهور؟

انتظر حتى تعود اللوحات، ثم خذها.

لكن حازم انفجر قائلًا:

— لأنك لا تفهم!

أنت لا تعرف ماذا تثيره تلك اللوحة داخلي!

لا تعرف ما الذي تفعله بعقلي!

تراجع باسم قليلًا، وقد ارتسمت على وجهه نظرة غامضة.

ثم شرد طويلًا، قبل أن يتمتم بصوت خافت:

— صحيح...

أنا لا أعلم ما الذي تثيره في نفسك.

ثم رفع عينيه نحو حازم وأضاف:

— لكنك أيضًا لا تعلم...

ما الذي تثيره في نفسي.

نظر الاثنان إلى بعضهما في صمت ثقيل.

وكان بينهما...

سرٌ واحد.

سرّ لوحةٍ غامضة.

لوحة...

"ما زال منتظرًا"

يتبع...

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

مازال منتظراً

المؤلف الي ربك الرجعي
2026/05/18 مستمرة
قائمة الفصول (18)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة