الخطه المزدوجه

الخطه المزدوجه

10 0

5 / الخطة المزدوجة

استدعى حازم سكرتيرته، وطلب منها دفاتر الحسابات.

ثم قال بصوتٍ هادئ:

— صديقي ماهر سيصل بعد قليل... أرسليه إليّ فور حضوره.

أومأت برأسها في طاعة، ثم غادرت المكتب بهدوء.

جلس حازم خلف مكتبه، وأخذ يقلب صفحات الدفاتر بعينين شاردتين.

كان يحاول إجبار عقله على الانشغال بالأرقام، لكن أفكاره كانت تهرب منه كل مرة، عائدة إلى ذلك المعرض...

إلى تلك اللوحة.

لوحة "ما زال منتظرًا".

ظلّ يتساءل في حيرة:

ما الذي أصابه؟

ولماذا يشعر تجاهها بذلك الانجذاب الغريب؟

لم يكن من هواة الفن أصلًا.

بل لم يسبق أن توقف أمام لوحة لأكثر من ثوانٍ معدودة.

فلماذا هذه تحديدًا؟

قطع طرق الباب حبل أفكاره.

ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة، وقال بصوتٍ مسموع:

— ادخل يا ماهر.

انفتح الباب، ودخل رجل عريض المنكبين، قوي البنية، تعلو وجهه ابتسامة مرحة لا تفارقه.

كان ماهر يتمتع بحضورٍ لافت؛ ذو جسد رياضي متناسق، ووجه مستدير يميل إلى الاحمرار، أما سوالفه الرمادية المبكرة فكانت تضفي عليه وقارًا لا يتناسب مع سنه التي لم تتجاوز الثلاثين.

نهض حازم من خلف مكتبه، واستقبله بعناقٍ حار.

ثم أجلسه أمامه، وطلب له كوبًا من العصير.

مال نحوه مبتسمًا وقال:

— نورت مكتبي يا صديقي.

ابتسم ماهر وهو يطالعه باستغراب.

طال صمت حازم، فرفع حاجبه قائلًا:

— وماذا بعد؟

انتبه حازم، ثم ضحك وقال:

— اشتقت إليك يا رجل... لم أرك منذ مدة.

ضحك ماهر بدوره:

— إن كنت استدعيتني فقط لتخبرني بهذا، فسأغادر حالًا.

هز حازم رأسه.

ثم قال بجدية:

— لا... هناك أمر غريب حدث معي، وأريد أن أرويه لك.

اعتدل ماهر في جلسته.

— تفضل.

تنهد حازم طويلًا.

ثم بدأ يسرد عليه كل ما جرى منذ زيارته للمعرض، ولقائه بالدكتور باسم، وحتى رفضه القاطع بيع اللوحة.

وحين انتهى، أشار إلى اللوحة التي اشتراها من المعرض والمستندة إلى الجدار.

تناولها ماهر متفحصًا.

ثم سأل:

— هل تشبه اللوحة الأخرى؟

هز حازم رأسه نافيًا.

— لا... لا تشبهها أبدًا.

رفع ماهر عينيه إليه:

— وأنت الآن تريد تلك اللوحة؟

أجاب حازم بلهفة لم يستطع إخفاءها:

— نعم.

ثم أضاف بعد لحظة صمت:

— أشعر وكأن بيني وبينها رابطًا خفيًا.

تنهد، وأردف:

— أنت تعلم جيدًا أنني لا أفهم شيئًا في الفن... لكن منذ رأيتها، وأنا أشعر بشيء لا أستطيع تفسيره.

نظر إليه ماهر في حيرة.

— ربما هو مجرد انبهار عابر.

هز حازم رأسه بعنف.

— لا.

هذا شيء مختلف.

أذهب يوميًا إلى المعرض، وأقف أمامها طويلًا.

أشعر أنني سأفقد عقلي إن لم أعرف سرها.

ظل ماهر صامتًا للحظات.

ثم قال:

— إذن حاول مرة أخرى مع صاحبها.

أجاب حازم في ضيق:

— لن يوافق.

هناك سر وراء رفضه... أنا متأكد.

لكنني لا أهتم بذلك.

كل ما أريده هو تلك اللوحة.

رمقه ماهر بنظرة متفحصة.

ثم قال:

— إصرارك غريب يا حازم.

ابتسم حازم بمرارة.

— أعلم.

ولهذا طلبتك.

صمت ماهر طويلًا، ثم قال ببطء:

— إذن لا يبقى أمامنا إلا طريق واحد.

رفع حازم رأسه نحوه.

— أي طريق؟

ابتسم ماهر ابتسامة جانبية.

— الطريق غير المشروع.

انعقد حاجبا حازم فورًا.

— انسه.

— لا يوجد غيره.

— قلت لك انسه.

اقترب ماهر قليلًا وقال:

— وما المشكلة؟

نسرقها... ثم تدفع ثمنها لاحقًا، أو تعيدها بعد أن تعرف سرها.

تراجع حازم في مقعده، وأخذ يفكر.

ظل صامتًا لثوانٍ.

ثم قال بحذر:

— حسنًا...

أنا موافق.

لكن عليك أن تجد الشخص المناسب.

اتسعت عينا ماهر ساخرًا.

— وهل أبدو لك وكأنني أجالس اللصوص؟

ضحك حازم.

— أنت صاحب الفكرة.

ابتسم ماهر بمكر.

ثم قال:

— ولماذا نحتاج إلى لص أصلًا؟

نظر إليه حازم باستغراب.

— ماذا تقصد؟

مال ماهر للأمام، وقال:

— نسرقها نحن.

تجمد حازم.

— نحن؟

هز ماهر رأسه.

— نعم.

ألا تشتاق إلى أيام الجامعة؟

قطب حازم جبينه.

— أنت تعلم أن تلك الفترة ضبابية في ذاكرتي.

تنهد ماهر بأسف.

— صحيح... نسيت.

ثم أردف:

— أتذكر ذلك الحادث الذي أفقدك جزءًا من ذاكرتك؟

قبل وقوعه، كنا قد نفذنا مغامرة لا تُنسى.

وحين رأى حازم علامات الحيرة، بدأ يسرد:

— كانت هناك طالبة في الجامعة، سرق أستاذها بحثها العلمي، ثم حاول ابتزازها.

طلبت مساعدتك.

فجئت إليّ.

وتسللنا معًا إلى منزله الذي كان أشبه بحصن.

ورغم كل شيء...

نجحنا.

استعادنا البحث.

ثم نظر إليه مبتسمًا.

— ألم تتذكر شيئًا؟

أغمض حازم عينيه.

بدت على وجهه لمحة ارتباك.

— تراودني صور مبعثرة... لكنها تختفي سريعًا.

ثم فتح عينيه وقال بحزم:

— دعنا من الماضي.

هل تظن أننا سننجح؟

ابتسم ماهر بثقة.

— ولم لا؟

قال حازم:

— المعرض ليس منزلًا.

إنه في قلب المدينة، ومحاط بأجهزة أمنية.

ضحك ماهر.

— صعب...

لكنه ليس مستحيلًا.

ثم أضاف وهو يرمقه:

— المضحك أنك أنت من كنت تردد هذه العبارة دائمًا.

"لا وجود للمستحيل."

ساد الصمت بينهما.

ثم نهض حازم فجأة، وكأنه اتخذ قراره.

وقال بحزم:

— إذن...

غدًا.

نهض ماهر هو الآخر.

وتبادل الصديقان نظرة مشتعلة بالحماس والمغامرة.

ثم انفجرا ضاحكين.

فها هي البداية قد انطلقت.

بداية المغامرة.

بداية سرقة اللوحة الغامضة.

لوحة...

"ما زال منتظرًا"

يتبع...

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

مازال منتظراً

المؤلف الي ربك الرجعي
2026/05/18 مستمرة
قائمة الفصول (18)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة