3 / السر الغامض
ظلّ حازم ينظر إلى اللوحة التي ابتاعها للتو، والمُلْقاة على المقعد الخلفي لسيارته، عبر مرآته الأمامية في ضيقٍ واضح.
كانت صورُ ما حدث في المعرض تتردد في ذهنه بإلحاحٍ مزعج، وأسئلة كثيرة تضرب عقله بلا هوادة.
ما سر تلك اللوحة التي جعلته يتعرض لذلك الموقف الغريب؟
ولماذا انتابه ذلك الشعور العجيب لحظة رآها؟
ثم عاد يتذكر ملامح القلق والتوتر التي اجتاحت وجه الدكتور باسم فجأة، وذلك الرفض القاطع المصحوب بصرامة غير مفهومة.
أي سرٍ خفيّ يربط ذلك الرجل بتلك اللوحة؟
وفجأة، انتفض على خاطرٍ داهمه:
لماذا كانت صورة اللوحة تتكرر أمامه في خياله بهذه القوة؟
وأين رآها من قبل؟
أسئلة متلاحقة، لم يجد لها تفسيرًا.
ظل غارقًا في دوامة أفكاره حتى انتبه فجأة إلى أنه قد وصل أمام مقر شركته الخاصة.
توقف بسيارته، ثم لمح أحد العاملين يتقدم نحوه ليتولى صفّها في مكانها المخصص.
ناول حازم الرجل مفاتيح السيارة، وقال بصوتٍ هادئ:
— اطلب من أحدهم أن ينقل ما بداخل السيارة إلى مكتبي.
أومأ الرجل برأسه في احترام، وانصرف لتنفيذ الأمر.
أما حازم، فظل واقفًا للحظات أمام مبنى الشركة، يتأمله في صمت، وكأن عقله ما زال عالقًا هناك... داخل ذلك المعرض، أمام اللوحة الغامضة.
ثم اتجه إلى الداخل بخطوات واثقة.
ورغم وجود المصعد، تجاهله كعادته، وبدأ يصعد درجات السلم الطويلة بخفة ونشاط، حتى اختفى في الطابق العلوي حيث مكتبه.
وفي الأسفل، كانت إحدى الموظفات تتابعه بإعجاب ظاهر.
قالت لزميلها، وهي تراقب صعوده:
— أتعلم؟ رغم أن المصعد أمامه، إلا أنه يصر دائمًا على استخدام الدرج. لا أعرف كيف يحافظ على هذا النشاط طوال الوقت!
رفع زميلها عينيه عن الأوراق التي بين يديه، وقال بفتور:
— وما الغريب في ذلك؟
ابتسمت الفتاة وقالت بنبرة تحمل شيئًا من الانبهار:
— الغريب أن رجلًا في مكانته لا يعتمد على غيره في شيء. يتابع كل صغيرة وكبيرة بنفسه... وكأنه لا يعرف الكسل.
ثم أضافت وهي تنظر نحو الأعلى:
— لهذا السبب يحظى باحترام الجميع.
رمقها زميلها بنظرة جانبية، وقال ساخرًا:
— احترام فقط؟
تنهدت الفتاة، ثم قالت بابتسامة خفيفة:
— حسنًا... ربما بإعجاب البعض أيضًا.
هزّ الشاب كتفيه في استخفاف، وعاد إلى عمله، بينما ظلت هي تنظر إلى السلم الذي اختفى خلفه حازم، كأنها تنتظر ظهوره من جديد.
أما في الأعلى...
فقد كان حازم قد وصل إلى مكتبه بالفعل، غير أن عقله لم يكن حاضرًا هناك.
كان كل ما يراه أمامه...
هو تلك اللوحة.
لوحة "ما زال منتظرًا".
ترى...
ما السر الذي تخفيه؟
يتبع...
الي ربك الرجعي