الخوف المبهم
كان الدكتور باسم في طريقه إلى منزله شارد الذهن، تتقاذفه أفكار مضطربة، وملامحه غائمة بالحيرة.
فمنذ لقائه بحازم، لم يعد كما كان.
ذلك الرجل الذي جاء طالبًا شراء لوحة "ما زال منتظرًا" أيقظ داخله خوفًا مبهمًا، لم يعرف له تفسيرًا.
كان صباحه مفعمًا بالرضا، فإذا به الآن يسير مثقلًا بالقلق، كأن حملًا خفيًا استقر فوق صدره.
وحين وصل إلى باب منزله، أخذ يتحسس جيوبه بحثًا عن المفتاح.
فتش طويلًا، ثم زفر بضيق.
ضغط زر الجرس وانتظر.
لكن لم يجبه أحد.
ضغط مرة أخرى، ثم ثالثة.
وحين طال الانتظار، أخذ يطرق الباب بعنف.
وبعد لحظات، انفتح الباب ببطء.
ظهرت زوجته، تستدل على موضعه من وقع أنفاسه وحركة خطواته.
قالت بصوتها الهادئ العذب:
— هون عليك يا باسم... ما كل هذا الغضب؟
صاح في عصبية لم يعهدها منه:
— ألم تسمعي الجرس؟
ساد صمت قصير.
ثم مدت يدها تتحسس موضع كتفه حتى لامسته، وقالت برفق:
— لم أسمعه يا عزيزي... لعل الكهرباء منقطعة.
دفع يدها بعيدًا وهو يتمتم بحدة:
— هراء...
ثم مد يده إلى مفتاح الإضاءة وضغطه.
لم يحدث شيء.
تجمد في مكانه لحظة.
ثم تنهد في خجل وقد أدرك خطأه.
خفض صوته وقال:
— أنا آسف... يبدو أن الكهرباء منقطعة بالفعل.
اقترب منها هذه المرة، وقبّل جبينها معتذرًا.
— سامحيني... أنا متوتر اليوم.
ابتسمت في هدوء، وكأنها اعتادت التقاط اضطرابه من نبرة صوته وحدها.
قال:
— سأشغّل مولد الطوارئ.
وبعد دقائق، عاد الضوء إلى المنزل.
دخل باسم غرفة الجلوس، فوجد زوجته جالسة في مكانها المعتاد.
كانت جميلة على نحوٍ هادئ؛ شعرها الأسود الطويل ينسدل فوق كتفيها، وعيناها العسليتان الساكنتان تحملان ذلك السكون الخاص الذي يمنحه الظلام الأبدي.
ورغم فقدانها للبصر، كان في وجهها نور داخلي يمنحها حضورًا آسِرًا.
بدت رقيقة القسمات، شفافة الإحساس، كأن العالم الذي تراه بقلبها أوسع من كل ما تراه العيون.
طال صمته، فالتفتت نحوه رغم أنها لا تراه.
وكأنها تشعر بوجوده كما يشعر المرء بنسمة عابرة.
قالت:
— أصابك مكروه في عملك؟
أجاب بشرود:
— لم أذهب إلى العمل اليوم.
عقدت حاجبيها في قلق:
— إذن ماذا حدث؟
جلس قبالتها، وظل صامتًا للحظات.
ثم قال:
— قابلت رجلًا غريبًا.
أنصتت إليه باهتمام، فروى لها كل ما حدث منذ اتصال حازم، وحتى طلبه شراء اللوحة.
وحين انتهى، قالت بهدوء:
— ولماذا رفضت؟
أطرق برأسه وقال:
— لا أعلم.
ثم أضاف بصوتٍ خافت:
— أو ربما أعلم... لكنني لا أستطيع تفسيره.
سألته:
— وضّح لي.
نهض، وراح يدور في أرجاء الغرفة.
ثم قال:
— حين طلب شراءها... شعرت بقشعريرة عنيفة تسري في جسدي.
وكأن شيئًا داخليًا كان يصرخ:
لا تفرط فيها.
صمت قليلًا، ثم أردف:
— كان شعورًا غريبًا... كأن خطرًا ما ينتظر إن خرجت تلك اللوحة من يدي.
رفعت رأسها نحوه، مسترشدة بصوته:
— مجرد إحساس؟
قال:
— ليس هذا فقط.
هناك أمر آخر.
تنهد طويلًا.
— أشعر أن تلك اللوحة ليست ملكي.
بدت الدهشة واضحة على ملامحها.
— كيف؟ وأنت من رسمها.
ابتسم ابتسامة باهتة.
ثم اقترب وجلس إلى جوارها.
وقال:
— رسمتها بيدي... نعم.
لكن روحها لم تكن مني.
مدت يدها تتحسس كفه في صمت.
فأكمل:
— أتذكرين تلك الليلة؟
حين جلستِ تصفين لي ذلك المشهد الذي رأيته في خيالك...
الرجل الجالس وحيدًا، ينتظر شيئًا مجهولًا.
السماء الممطرة.
المحطة الخالية.
والصمت الممتد.
حينها فقط تحركت يدي.
كنت أرسم، لكنني لم أكن صاحب الرؤية.
كنت فقط أترجم ما شعرتِ به أنتِ.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة رقيقة.
فأردف:
— لهذا أشعر أن تلك اللوحة خرجت من عالمكِ أنتِ...
من بصيرتك التي ترى ما لا نراه.
ولهذا أخاف منها.
ضحكت ضحكة صافية.
ثم قالت وهي تربت على يده:
— يا لك من طفل كبير يا باسم.
ثم أضافت بحنان:
— إن كانت روحي قد لامست لوحتك، فلأن روحي تسكنك.
وإن كانت بصيرتي قد أرشدتك، فلأننا صرنا روحًا واحدة.
فلا تقل إن اللوحة ليست لك.
هي لك...
كما أنا لك.
ساد الصمت.
ثم ابتسم باسم أخيرًا.
قالت وهي تنهض مستندة إلى ذراعه:
— والآن... كف عن هذه الفلسفة.
لقد أعددت لك طعامك المفضل، ولن أسمح لهذه اللوحة أن تفسد ليلتنا.
ابتسم رغمًا عنه، وأمسك بيدها يقودها نحو المطبخ.
لكن عقله...
ظل معلقًا هناك.
في المعرض.
أمام تلك اللوحة الغامضة.
لوحة...
"ما زال منتظرًا"
فإن كانت زوجته قد رسمتها ببصيرتها...
فلمن كانت تنتظر؟
يتبع...
الي ربك الرجعي