12 / أنا من أكون؟
— مساء الخير يا دكتور عمار.
قالها حازم وهو يرسم على شفتيه ابتسامة عريضة.
بادله الطبيب النفسي التحية بابتسامة هادئة، ثم قال:
— كعادتك، ملتزم تمامًا بمواعيد جلساتك يا سيد حازم... رغم أنني أراك اليوم في أفضل حال نفسيًا.
جلس حازم في مقعده، ثم أجاب بصوتٍ هادئ:
— ربما يبدو الأمر كذلك... لكن ذاكرتي ما تزال بعيدة عني، وماضيّ لا يزال حبيس الظلام.
وسأظل أحارب من أجل استعادته يا دكتور.
مطّ الدكتور عمار شفتيه مفكرًا، ثم قال:
— لا أرى داعيًا لكل هذا الإصرار.
الجميع يعلم أنك تعرضت لحادث أفقدك ذاكرتك، لكنك تجاوزت أزمتك بنجاح. لقد استعدت حياتك، وعدت لممارسة أعمالك، وتتفاعل مع من حولك بشكل طبيعي... لم يتغير شيء.
رفع حازم عينيه إليه وقال بصوتٍ خافت:
— بل تغير كل شيء.
قطّب الطبيب حاجبيه.
فأردف حازم:
— ما زلت أريد أن أعرف... من أكون؟
ابتسم الدكتور عمار بدهشة خفيفة وقال:
— ومن تكون؟
الجميع يعرف أنك حازم المنصوري، ابن رجل الأعمال الشهير يوسف المنصوري، أحد أعمدة الاقتصاد في البلاد.
هز حازم رأسه ببطء.
ثم قال:
— أعلم كل ذلك... لكن هناك شعورًا غامضًا يسكن صدري، يطرق عقلي بلا رحمة، وكأنه يصرخ داخلي محاولًا إيقاظ شيء مدفون.
صمت لحظة، ثم تابع بنبرة أثقل:
— أشعر أنني لا أعرف نفسي الحقيقية.
تنهد الدكتور عمار وقال:
— شخصيتك الحقيقية؟
بحسب كل ما سمعته عنك قبل الحادث... كنت شابًا متهورًا، عابثًا، غارقًا في صخب الحياة.
ثم ابتسم وأضاف:
— وربما كان الحادث خيرًا لك، فقد جعلك أكثر هدوءًا واتزانًا.
ارتسم حزن عميق على وجه حازم، وقال:
— للمرة الأخيرة يا دكتور... أنا أعرف كل ما يقال عني.
ثم مال للأمام وأردف:
— لكن شيئًا داخلي يرفض تصديق ذلك.
أشعر... بل أكاد أجزم... أنني لم أكن ذلك الشاب الأرعن الذي نسج الناس حوله حكايات العبث واللهو.
ساد الصمت.
ثم قال الدكتور عمار بنبرة عملية:
— إذن انسَ الماضي، وابدأ حياة جديدة.
ابتسم حازم ابتسامة باهتة وقال:
— كنت على وشك أن أفعل.
ثم تغيرت ملامحه فجأة.
وأضاف:
— إلى أن ظهرت تلك اللوحة.
رفع الطبيب حاجبه باهتمام:
— أي لوحة؟
أجاب حازم، وكأنه يستعيد مشهدًا حيًا أمام عينيه:
— لوحة رأيتها منذ أيام قليلة... ومنذ اللحظة التي وقعت عيناي عليها، لم يعد عقلي كما كان.
أشار له الطبيب بيده أن يكمل:
— تحدث... أريد أن أفهم أكثر.
لكن قبل أن يبدأ، نهض الدكتور عمار، واتجه إلى مكتبه، ثم فتح أحد الأدراج وأخرج جهاز تسجيل صغيرًا.
وضعه أمام حازم، وضغط زر التشغيل.
نظر حازم إلى الجهاز لثوانٍ، ثم قال بهدوء:
— حسنًا... سأروي لك كل شيء.
وبدأ يسرد قصته.
منذ اللحظة الأولى التي رأى فيها لوحة "ما زال منتظرًا"، مرورًا بمحاولته شراءها، ثم سرقتها، وعودتها الغامضة إلى صاحبها.
ظل يتحدث طويلًا.
حتى انتهى.
ساد الصمت داخل الغرفة.
أغلق الدكتور عمار جهاز التسجيل ببطء.
ثم نهض وراح يسير ذهابًا وإيابًا، غارقًا في تفكير عميق.
وبعد لحظات توقف فجأة، وقال بنبرة حذرة:
— قصتك عن هذه اللوحة... أثارت فضولي كثيرًا.
ثم سأله:
— متى ستذهب لمقابلة صاحبها؟
هز حازم كتفيه:
— ربما اليوم... أو غدًا.
قال الدكتور عمار فورًا:
— عندما تحصل عليها... أريد أن أراها.
تطلع إليه حازم متفحصًا، ثم سأله:
— هل تعتقد أن لهذه اللوحة علاقة بذاكرتي؟
ظل الطبيب صامتًا لحظة، ثم قال بحيرة:
— ربما.
ثم أضاف:
— لا أملك إجابة قاطعة.
وتوقف قليلًا، قبل أن يقول بنبرة غامضة:
— لكن إن كانت لهذه اللوحة صلة بماضيك... فأعتقد أن أحداثًا كثيرة ستقع.
قالها الدكتور عمار دون أن يدرك...
كم كان قريبًا من الحقيقة.
حقيقة تلك اللوحة...
لوحة "ما زال منتظرًا"
يتبع...
الي ربك الرجعي