13 / شبح الماضي
في أحد المصايف الشهيرة، حيث الهواء النقي وصفاء المياه الممتد بلا نهاية، كان الفجر لم يكتمل بعد.
الشمس لم تشرق، والمدينة الساحلية ما تزال غارقة في سباتها.
لم يكن هناك مستيقظ سوى رجلٍ جلس منفردًا على الشاطئ، يحدق في البحر بنظرات ثابتة.
ولولا نسمات الصباح التي كانت تعبث بخصلات شعره فتومض عيناه بين الحين والآخر، لظنه من يراه تمثالًا بلا روح... أو جثةً هجرها الزمن.
كان ذلك الرجل هو ماهر...
الصديق الأقرب إلى حازم المنصوري.
لكن...
كيف جاء إلى هنا؟
للإجابة عن ذلك، لا بد من العودة إلى صباح الأمس.
حين كان ماهر يجلس في مكتب حازم، يناقشه بحماسة في خطته للاستيلاء على اللوحة.
كان يومها مفعمًا بالنشاط، يملأ عينيه بريق المنتصر الذي ظفر بحلٍ أخير.
لكن...
كل شيء تبدّل في اللحظة التي وقعت عيناه فيها على اللوحة.
"ما زال منتظرًا."
ما إن رآها حتى شحب وجهه.
اتسعت عيناه في رعبٍ مفاجئ، وارتعشت أنفاسه.
شعر وكأن قبضة خفية انغلقت على صدره.
وهمس لنفسه، بصوتٍ مرتجف:
"لقد بدأ شبح الماضي في الظهور..."
ثم ازدرد ريقه بصعوبة، وتابع:
"ما أخفيناه طويلًا في قاع المحيط... بدأ يطفو إلى السطح."
أغمض عينيه بقوة، وكأن الذكرى تهاجمه من الداخل.
"ويلي من هذا الزمن...
أعاد إلينا ما دفناه بعد كل هذه السنوات؟
هل عاد ليعبث بنا من جديد؟"
ازدادت أنفاسه اضطرابًا.
ووضع يده فوق صدره، كأن ثقلًا هائلًا يجثم عليه.
"أختنق..."
جلس على أقرب مقعد، وأخفى رأسه بين كفيه محاولًا استجماع أفكاره.
ظل على حاله دقائق طويلة.
ثم فجأة...
نهض بعنف.
اندفع إلى منزله، حشر بعض ملابسه في حقيبة صغيرة، وغادر دون أن يخبر أحدًا إلى أين يمضي.
وهكذا وجد نفسه هنا...
على هذا الشاطئ البعيد.
جالسًا أمام البحر.
يحادثه بصمت.
كأن الأمواج وحدها تستطيع فهم ما يعصف بروحه.
كان غارقًا في أفكاره، مستسلمًا لذاكرته القلقة، حتى لم ينتبه لذلك الرجل الذي وقف على مسافة قريبة منه، رافعًا كاميرته استعدادًا لالتقاط صورة.
صدر صوت التقاط العدسة.
انتفض ماهر فجأة.
استدار بعنف، ثم اندفع نحو الرجل صارخًا:
— ماذا تفعل؟!
ارتبك الرجل، وتراجع خطوة وهو يقول متلعثمًا:
— لا شيء يا سيدي... مجرد صورة.
قاطعه ماهر بصوتٍ ملتهب:
— أعطني الكاميرا... قبل أن أحطمها فوق رأسك!
ارتسم الذعر على وجه الرجل.
ناول الكاميرا له بيد مرتعشة.
انتزعها ماهر بعنف، وأخرج الفيلم منها بسرعة.
ثم أعادها إليه.
وأخرج من جيبه رزمة من النقود، ألقاها في يده.
لكن الرجل لم ينتظر.
أمسك بالكاميرا وفرّ راكضًا، وكأنه يهرب من مجنون.
ظل ماهر يراقبه بعينيه حتى صار نقطة سوداء بعيدة.
ثم نظر إلى الفيلم بين أصابعه.
ظل يقلبه في شرود.
وكأنه يحمل بين يديه شيئًا أخطر من مجرد صورة.
وبحركة حاسمة، قذفه في الرمال.
ثم عاد إلى مقعده.
عاد إلى البحر.
عاد إلى صمته.
غير عابئ بفتاتين كانتا تجلسان غير بعيد عنه، وقد شهدتا ما حدث.
قالت إحداهما بدهشة:
— رجل مجنون!
لكن الأخرى لم تُبعد نظرها عن ماهر.
ثم قالت ببطء:
— لا...
لا أظنه مجنونًا.
وأشارت إلى موضع الفيلم المدفون في الرمال.
— أظن أن هناك شيئًا ما... جعله يتصرف هكذا.
ظلتا تنظران إليه.
كان جالسًا هناك كتمثال منحوت من صخر.
ساكنًا من الخارج...
لكن عقله في الداخل كان يغلي كمرجل مشتعل.
يفكر...
في الماضي.
وفي السر الذي ظن أنه دُفن إلى الأبد.
وفي تلك اللوحة...
لوحة "ما زال منتظرًا"
يتبع...
الي ربك الرجعي