صدى الحياه

صدى الحياه

18 0

مرت ثلاثة أشهر على ذلك الليل الذي سُجن فيه السر بين دفتي الدفتر. لم تعد ممرات المستشفى تشهد أطيافاً رمادية أو ومضات بنفسجية؛ عادت جدراناً عادية يسكنها الأمل والألم البشري الطبيعي.

​في حديقة المستشفى، وتحت شجرة "كافور" عتيقة (ليست سحرية، لكنها حقيقية جداً وتتساقط أوراقها مع الريح)، كانت سلمى تجلس على مقعد خشبي. لم تعد تستخدم الكرسي المتحرك؛ كانت تمشي ببطء، لكن بثبات من يعرف أين تضع قدماها.

​بجانبها، كان يحيى يمسك بنسخة مطبوعة من كتاب "برزخ الهالات". كان الغلاف يحمل لوحة زيتية غامضة رسمتها سلمى بيديها، لوحة لشجرة جذورها في الأرض وأغصانها تلمس النجوم.

​"هل تصدقين يا سلمى؟" قال يحيى وهو يقلب الصفحات. "الناس يقرؤون قصتنا وكأنها رواية خيالية.. لا أحد يعرف أننا نزفنا كل كلمة فيها من أرواحنا."

​ابتسمت سلمى، وكانت ابتسامتها هادئة كبحر ساكن. "هذا هو الأفضل يا يحيى. الخيال هو الحصن الذي يحمي الحقيقة من أن تصبح مجرد 'تقرير طبي'. عندما يقرؤون عن خديجة وكاي، هم لا يتسلون، بل يوقظون شيئاً نائماً في هالاتهم دون أن يشعروا."

​في تلك اللحظة، اقترب منهما آدم. لم يعد يرتدي وزرته البيضاء؛ كان يرتدي حلة رسمية، فقد أصبح يحاضر في الجامعات عن "فيزياء الأمل" وتأثير الترددات الشعورية على التعافي.

​"لقد صدرت نتائج الفحوصات الأخيرة،" قال آدم وهو يجلس بجانبهما. "أنتما الآن في قمة النشاط الذهني. الطبيب يقول إن معجزة استيقاظكما ستدرس لسنوات."

​نظر آدم إلى الشجرة فوقهم، ثم همس لسلمى: "هل ما زلتِ ترين.. نور؟"

​سكتت سلمى قليلاً، وأغمضت عينيها لتستشعر الهواء. "لا أراها بعيني يا آدم. لكن بالأمس، عندما كنتُ أساعد طفلة صغيرة في قسم الأطفال على رسم عائلتها، شعرتُ ببرودة رقيقة على كتفي.. وشعرتُ برغبة مفاجئة في الضحك دون سبب. أعتقد أن نور لم ترحل، هي فقط أصبحت 'الفرحة' التي تأتينا فجأة."

​أما يحيى، فقد نظر بعيداً نحو الباب الرئيسي للمستشفى. رأى سارة وهي تمر صدفة من هناك؛ لم تتوقف، ولم تلتفت، لكنها كانت تبدو هادئة، وهالته تجاهها لم تعد تشع ألماً، بل احتراماً لزمن ولى.

​"ماذا سنفعل الآن؟" سأل يحيى وهو يغلق الكتاب.

​أخذت سلمى نفساً عميقاً، ونظرت إلى السماء التي بدأت تصطبغ بألوان الغروب.. ألوان تشبه تماماً هالة الرجل الصامت قبل أن يتطهر.

​"سنعيش يا يحيى،" قالت سلمى وهي تقف وتمد يدها له. "سنعيش كل لحظة ضاعت منا في البرزخ. سنحب، ونحزن، ونكتب.. وسنظل دائماً نتذكر أننا جئنا من هناك، لنخبر من هنا أن الموت ليس نهاية الحكاية، بل هو مجرد 'فصل' آخر ينتظر من يكتبه."

​وبينما كانوا يغادرون الحديقة، هبت ريح قوية، فسقطت ورقة شجر خضراء على مقعدهم الخالي. للحظة خاطفة، بدت الورقة شفافة تماماً تحت ضوء الشمس، قبل أن تعود طبيعية وتطير مع الريح.. كأنها "تحية وداع" أخيرة من الشجرة الكبيرة.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

خيوط القدر

المؤلف 💛🧡Esraa💛🧡
2026/04/19 مكتملة
قائمة الفصول (17)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة