كانت الغرفة غارقة في صمت يشبه صمت الجبال قبل العاصفة. آدم كان يجلس أمام شاشاته التي بدأت تعرض إشارات متداخلة، كأنها موجات راديو تحاول التقاط محطة من زمن آخر. أما يحيى، فكان ينظر ليده التي لا تزال تحتفظ ببرودة طيف نور، وشعر أن الخيط الأزرق الذي كان يسحبه كاد أن يقطعه عن هذا العالم للأبد.
"يحيى، سلمى.. لقد فهمتُ شيئاً خطيراً،" قال آدم وهو يمسح نظارته بجهد. "الجهاز لا يسجل غيبوبة، بل يسجل 'حنيناً'. أنتما لا تمرضان جسدياً، لكن أرواحكما ترفض إغلاق الباب. كأن هناك صفحات لم تُكتب نهايتها بعد تحت تلك الشجرة."
نظرت سلمى إلى يحيى، ثم إلى كفها التي كانت تحمل أثراً بنفسجياً باهتاً. "آدم محق. خديجة لن تتركنا، وكاي سيتلاشى تماماً إذا لم نوثق وجوده. البرزخ يطالبنا بـ 'اعتراف'."
"ماذا تقصدين بالاعتراف؟" سأل يحيى، وصوته لا يزال يحمل ارتعاشاً خفياً.
"يجب أن نخرج كل ما رأيناه من رؤوسنا ونضعه في مادة صلبة،" قالت سلمى وهي تفتح دفتراً قديماً كان آدم قد أحضره لها. "إذا ظل السر داخلنا، سيسحبنا للداخل معه. لكن إذا كتبناه، إذا جعلناه كلمات يقرأها الغرباء، فسنكون قد وهبنا تلك الأرواح 'جسداً' من ورق، وبذلك نتحرر نحن."
بدأ الثلاثة "المغامرة" الأهدأ والأعمق. لم يكن هناك رسم على الجدران، بل كان هناك "نزيف" من الكلمات. سلمى كانت تملي، وآدم يكتب، ويحيى يصف الألوان والمشاعر التي لم تسعف سلمى ذاكرتها لتذكرها.
"اكتب يا آدم،" همست سلمى وعيناها مغمضتان. "اكتب عن نهر النسيان الذي لا يمسح الذاكرة، بل يحفظها للأبد في قاعه. اكتب عن خديجة التي لا تغزل الخيوط لتخنقنا، بل لتربطنا ببعضنا البعض."
بينما كانت الكلمات تملأ الصفحات، بدأت الغرفة تمتلئ برائحة بخور قديم. ظهرت نور مرة أخرى، لكنها لم تكن تبكي. كانت تمشي حول السرير وتلمس الورق بأصابعها الصغيرة، ومع كل لمسة، كان الحبر يتوهج بوميض أبيض.
"انظروا!" صرخ يحيى وهو يشير للنافذة.
في الخارج، في حديقة المستشفى، لم يعد هناك ظلال رمادية تطارد المرضى. بدأت تلك الأطياف تتجمع حول نافذة سلمى، لا لتهجم، بل لـ "تستمع". كانت الكلمات التي يكتبها آدم تصل إليهم كنسيم بارد يهدئ نيران ندمهم.
"لقد بدأنا نغلق الأبواب،" همس آدم وهو يشعر بضغط غريب يزول عن صدره. "الجهاز يظهر استقراراً في الموجات. البرزخ بدأ ينسحب بسلام."
لكن، في اللحظة التي وصلت فيها سلمى لوصف "وداع الأم" تحت الشجرة، توقف قلم آدم. اهتزت الأرض اهتزازة خفيفة، وظهر طيف الرسام كاي في ركن الغرفة. كان يبتسم بوقار صيني قديم، ومد يده نحو سلمى.
"لقد أتممتِ اللوحة بكلماتكِ يا صغيرة،" قال كاي، وكان صوته يتردد في عقولهم جميعاً. "الآن، الشجرة الكبيرة ستنام.. ولن تيقظكما مرة أخرى."
اختفى كاي، وتبخرت نور في ضوء المصباح. ساد سكون عميق، سكون حقيقي هذه المرة، خالٍ من أي أصداء أو ترددات. نظر يحيى ليده، ورأى هالتة الزرقاء قد اختفت تماماً، وعاد ملمس جلده دافئاً وطبيعياً.
"لقد انتهينا،" قالت سلمى وهي تغلق الدفتر. "السر أصبح سجيناً في الورق، ونحن.. أصبحنا أحراراً في الواقع."
في تلك اللحظة، استيقظ آدم من ذهوله ونظر للشاشة. "سلمى.. يحيى.. الترددات الصفرية. لقد انقطع الاتصال تماماً. أنتما الآن بشر عاديون.. مئة بالمئة."
ابتسمت سلمى ليحيى، وشعرت لأول مرة أن الهواء الذي تتنفسه ينتمي للأرض فقط. المغامرة انتهت بكلمة "تم"، وبدأت حياة جديدة كانت تنتظرها منذ عشر سنوات.
💛🧡Esraa💛🧡