كان الطابق الرابع في مستشفى "الأمل" يغرق في هدوء كئيب، يقطعه فقط أنين المصعد القديم. في الغرفة 402، كان آدم واجماً، يراقب شقيقته سلمى التي فتحت عينيها أخيراً، لكنها لم تكن تنظر إليه. كانت عيناها تجوبان سقف الغرفة بذهول، كأنها تبحث عن أوراق "الشجرة الكبيرة" التي اختفت فجأة لتتركها تحت أضواء "النيون" الباردة.
"سلمى؟ حبيبتي.. هل تسمعينني؟ أنا آدم، أخوكِ." همس آدم، والدموع تخنق صوته.
حركت سلمى شفتيها الجافتين، لكن الصوت الذي خرج لم يكن يشبه صوت الطفلة التي يتذكرها. كان صوتاً آتياً من بئر عميقة من النسيان. "اللون.. الأزرق.. أين ذهب يحيى؟"
سقط قلب آدم في جوفه. "يحيى؟ من هو يحيى يا سلمى؟"
في تلك اللحظة، فُتح باب الغرفة بعنف. كان هناك شاب يستند إلى عكازين، يرتدي ثياب المرضى الزرقاء، وهالات التعب تحيط بعينيه لكنها تشع بإصرار غريب. خلفه كانت "سارة" تحاول إمساكه وهي تبكي: "يحيى، توقف! أنت لست بخير، لا يمكنك المشي الآن!"
توقف يحيى عند عتبة الغرفة. تلاقت عيناه بعيني سلمى. لم تكن هناك هالات ملونة، ولا غابة ذكريات، ولا طيور أمل. كانت هناك فقط امرأة شابة شاحبة، بشعر طويل مبعثر، وعينين واسعتين تحملان حزناً يعود لعشر سنوات مضت.
"سلمى.." نطق يحيى باسمها، واهتز صوته كوتر مشدود.
تصلب جسد سلمى فوق السرير. مالت برأسها قليلاً، ونظرت إليه بذهول. لم تعرف ملامحه الجسدية فوراً، لكنها عرفت "النبرة". عرفت تلك الروح التي كانت تمسك بيدها في "نهر النسيان".
"يحيى.. أنت.. أنت حقيقي؟" همست سلمى، ورفعت يدها المرتجفة نحو الهواء.
اندفع يحيى نحو سريرها، متجاهلاً ألم جسده المنهك. أمسك بيدها، وفي تلك اللحظة، شعر كلاهما بصدمة كهربائية خفيفة، كأن البرزخ الذي جمعهما يرفض أن يتركهما حتى في الواقع.
"أنا هنا يا سلمى. لم أترك يدكِ. لقد سحبتكِ معي كما وعدت." بكى يحيى وهو يقبل يدها الباردة.
وقف آدم وسارة مذهولين. كان المشهد يفوق العقل. كيف لشخصين لم يلتقيا قط في الواقع، أن يظهرا هذا الكم من الارتباط والعشق والحزن المتبادل؟
"من أنت؟" سأل آدم بخشونة، محاولاً فهم ما يحدث. "كيف تعرف اسم أختي؟ وكيف عرفت أنها استيقظت؟"
نظر يحيى إلى آدم، ورأى فيه ملامح "الأخ الباحث" الذي كان يتحدث مع سلمى في الحلم. "أنا يحيى.. الشخص الذي كان يرى 'قلادة الأمل' التي كنت تصفها لها. أنا من كنت معها تحت الشجرة عندما كنت أنت تظن أنها غائبة عن الوعي. سلمى لم تكن نائمة يا آدم.. سلمى كانت تعيش حياة كاملة لتنتظر لحظة لقائك."
انفجر آدم بالبكاء، وجلس على المقعد لا يقوى على الوقوف. أما سلمى، فبدأت تلتفت حولها بذعر. "أمي.. أين أمي؟ لقد قالت لي إنها في جذور الشجرة.. خديجة قالت إن الخيط انقطع لتبدأ بداية جديدة. هل هي هنا؟"
ساد صمت مطبق في الغرفة. كانت هذه هي اللحظة الأصعب؛ مواجهة سلمى بالواقع الذي فاتها لعشر سنوات.
اقترب يحيى منها أكثر، وهمس في أذنها: "سلمى.. الشجرة لم تعد موجودة، لكن روح أمكِ ما زالت هنا، في نبض قلبك الذي رفض التوقف. لقد عدتِ من أجل أخيكِ، ومن أجلي.. ومن أجل نفسكِ التي كبرت دون أن تشعر."
نظرت سلمى إلى يحيى، ثم إلى سارة الواقفة عند الباب، وشعرت لأول مرة بثقل الواقع. سارة ليست هالة زرقاء، بل هي امرأة حقيقية تحب يحيى. ويحيى ليس مجرد "رفيق برزخ"، بل هو رجل له حياة ومستقبل.
"يحيى.." قالت سلمى بوهن، "لماذا أشعر أنني ما زلت تحت الشجرة؟ لماذا هذا العالم يبدو.. باهتاً بلا ألوان؟"
أدرك يحيى في تلك اللحظة أن استيقاظ سلمى ليس النهاية، بل هو بداية لمعركة جديدة؛ معركة التأقلم مع عالم فقدت فيه أمها، وشبابها، وحتى مكانها في قلب الشخص الذي أنقذها.
💛🧡Esraa💛🧡