جدران الوشايه

جدران الوشايه

19 0

في الصباح التالي، لم يكن المستشفى كما كان. سرت شائعة كالنار في الهشيم عن "المعجزة في الغرفة 408". الأطباء التفوا حول الشاب الذي استيقظ فجأة، لكن أحداً لم يستطع تفسير تلك الرسوم الفحمية الغريبة على الجدار خلف سريره. كانت الخطوط تبدو وكأنها تنبض إذا نظرت إليها مطولاً، وكأن الفحم لم يكن مادة جامدة، بل "أعصاباً" خارجية ممتدة من روح سلمى.

​"يجب أن تمسحوا هذا القذارة فوراً!" صرخ رئيس القسم وهو يشير إلى الجدار. "هذا مستشفى، وليس مرسماً للفنون السريالية!"

​لكن آدم وقف في مواجهته، وكان وجهه شاحباً كأنه لم ينم منذ قرن. "لا تلمسها. هذا الشاب لم يستيقظ بسبب الأدوية، لقد استيقظ لأن شيئاً ما في عقله استجاب لهذه الخطوط. أنا المسؤول عن هذا القسم، وأنا من سيحلل هذه الظاهرة."

​في هذه الأثناء، كان يحيى يجلس في حديقة المستشفى مع سارة. كانت الشمس دافئة، لكن يحيى كان يشعر ببرودة غريبة تسكن أطرافه. سارة كانت تمسك يده بقوة، وكأنها تخشى أن يتبخر أمام عينيها.

​"يحيى، أرجوك.. عد إليّ،" قالت سارة بمرارة. "أنت هنا بجسدك، لكن عينيك تلاحقان طيوراً لا أراها. الطبيب يقول إنك تتعافى، فلماذا تصر على قضاء كل وقتك مع تلك الفتاة؟ هي تسحبك لظلامها يا يحيى."

​نظر يحيى إليها، ولأول مرة رأى "هالتها" في الحقيقة؛ كانت زرقاء صافية، لكنها كانت محاطة بغمامة من الرمادي.. غمامة "الخوف من الفقد".

​"سارة، سلمى ليست ظلاماً،" قال يحيى بهدوء. "سلمى هي الشخص الوحيد الذي يعرف أين كنتُ عندما كنتُ غائباً. نحن لسنا مجرد مريضين، نحن ناجيان من عالم لا يمكنكِ تخيله. هناك أشخاص يموتون في الداخل لأنهم نسوا ملامح أحبائهم، ونحن الوحيدون الذين نملك الفرشاة لإعادتها."

​وفجأة، توقف يحيى عن الكلام. رأى خيالاً أحمر باهتاً يمر خلف سارة. لم يكن الرجل الصامت، بل كان "ظلاً" يشبهه، كان يقف عند نافذة غرفة سلمى في الطابق الرابع.

​"يحيى؟ بماذا تحدق؟" سألت سارة برعب.

​"لا شيء.. سأعود فوراً،" قال يحيى وهو ينهض متكئاً على عكازه، تاركاً سارة في وسط ذهولها ودموعها.

​صعد يحيى للطابق الرابع، ليجد سلمى واقفة أمام نافذتها، ترسم بأصابعها على الزجاج المغطى بالبخار. لم تكن ترسم شجراً، كانت ترسم "وجهاً باهتاً".

​"إنه هنا يا يحيى،" همست سلمى دون أن تلتفت. "الندم الأحمر.. لقد تبعنا من البرزخ. هو لا يريد أن يتطهر كما فعل الرجل الصامت، هو يريد 'ثأراً'."

​"ثأر من ماذا؟" سأل يحيى وهو يقترب منها.

​"من الحياة،" ردت سلمى وهي تلتفت إليه، وكانت عيناها تلمعان ببريق بنفسجي مرعب. "كاي أخبرني في الحلم أن هناك أرواحاً ترفض الاستيقاظ وترفض الموت، هي تريد أن تجر الجميع إلى عالمها الرمادي. وهذا الظل.. هو شخص كان هنا في هذا المستشفى، ومات وحيداً دون أن يذكره أحد."

​في تلك اللحظة، انطفأت أنوار الممر فجأة. ساد ظلام دامس، وسمعوا صوت "خدش" على زجاج النافذة. ظهرت نور (الطفلة البيضاء) وهي تلوح بيدها محذرة، ثم اختفت خلف الستارة.

​"آدم في خطر،" قالت سلمى بذعر. "هو يحاول حماية الرسومات، والظل الأحمر يكره 'النور' الذي تنشره تلك الرسوم."

​انطلقا نحو الغرفة 408، ليجدا آدم واقفاً أمام الجدار، والجهاز الذي صممه بدأ يصدر أزيزاً حاداً. كانت الخطوط الفحمية على الجدار تتوهج باللون الأحمر، وكأن الجدار "ينزف".

​"آدم! ابتعد عن الجدار!" صرخ يحيى.

​لكن آدم كان مسحوراً، كان يلمس الخطوط بيده، وشعر بحرارة تحرق أصابعه. وفجأة، تجسد "الخيال الأحمر" خلف آدم، ومد يده نحو رقبته.

​صرخت سلمى بكل قوتها، وفجأة، انفجر نور بنفسجي من صدرها غمر الغرفة بالكامل. في تلك اللحظة، في عالم البرزخ، اهتزت الشجرة الكبيرة وسقطت منها آلاف الأوراق لتغطي "الظل الأحمر" وتخفيه.

​عاد النور للممر، وسقط آدم على الأرض مغشياً عليه. نظرت سلمى ليحيى، وكانت هالتها قد استنزفت تماماً، وبدأت تنزف من أنفها.

​"لقد بدأوا يهاجموننا في واقعنا،" همست سلمى قبل أن تغيب عن الوعي. "البرزخ والواقع.. لم يعد بينهما حجاب."

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

خيوط القدر

المؤلف 💛🧡Esraa💛🧡
2026/04/19 مكتملة
قائمة الفصول (17)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة