غابة الذكريات الضائعة

غابة الذكريات الضائعة

18 0

كانت السماء في هذا العالم لا تعرف الشمس ولا القمر، بل كانت تضاء بنور خافت ينبعث من الأرواح نفسها. كلما سارت سلمى ومعها يحيى مبتعدين عن "تلة الأصوات"، كانت الأشجار من حولهما تتغير؛ لم تعد أغصانها تحمل أوراقاً، بل كانت تحمل قصاصات من الورق القديم، وصوراً باهتة، وشرائط من الحرير الملون.

​"هذه هي غابة الذكريات الضائعة،" همست سلمى وهي تتجنب ملامسة غصن تدلت منه صورة طفل يضحك. "هنا يسكن كل ما نسيه البشر في العالم الآخر. الأشياء التي سقطت من الذاكرة تأتي لتعيش هنا كأشجار."

​كان يحيى ينظر بذهول. "هل يعني هذا أن ذكرياتي عن سارة قد تنبت هنا يوماً؟"

​"فقط إذا نسيتَها يا يحيى،" ردت سلمى بحزم. "لكننا هنا لنبحث عن شخص يحمي الذاكرة من التلاشي.. الرسام كاي."

​في قلب الغابة، أمام كوخ مصنوع من ألواح الخشب التي تفوح منها رائحة الحبر الصيني القديم، كان هناك رجل نحيل يجلس على صخرة. كانت هالته بنفسجية داكنة، لكنها كانت تتداخل مع ألوان غريبة لم يسبق ليحيى رؤيتها. كان جسده يبدو شفافاً في بعض المناطق، كأنه لوحة مائية تعرضت للمطر.

​كان كاي يمسك بفرشاة طويلة مصنوعة من خصلات شعر الغمام، ويرسم على الهواء مباشرة.

​"لقد تأخرتِ يا سلمى،" قال كاي دون أن يلتفت، وصوته يحمل نبرة هادئة كجريان الماء في نهر "هانغتشو". "ملامحكِ بدأت تهرب من أطراف هالتكِ."

​ارتبكت سلمى واقتربت منه. "هذا صديقي يحيى، هو جديد هنا. يحيى، هذا كاي.. أعظم من رسم الروح قبل أن تغادر."

​نظر كاي إلى يحيى بعينين ضيقتين مليئتين بالخبرة. "أزرق.. لون جميل لكنه هش. احذر من الندم، فهو يفسد اللون." ثم التفت لسلمى: "لماذا جئتِ؟"

​انخفض صوت سلمى وأصبح مشحوناً بالألم: "كاي.. بدأتُ أنسى. أحاول أن أتذكر وجه أمي في اللحظة التي سبقت الحادث، لكن ملامحها تصبح ضبابية. أريدك أن ترسمها لي على جذع الشجرة الكبيرة.. أريدها أن تظل هناك للأبد لكي لا تضيع مني."

​صمت كاي طويلاً، ثم وضع فرشاته جانباً. "رسم الموتى يتطلب ألواناً حقيقية يا سلمى، وليس مجرد خيال. رماد الأحلام لا يكفي. نحتاج لجمع ألوان من أعماق الغابة، من 'وادي النسيان العميق'."

​بدأت الرحلة داخل الغابة. كان كاي يمشي كأنه شبح يمر عبر الأشجار. وفجأة، توقف أمام شجرة ضخمة أوراقها سوداء تماماً. "هنا.. ابحثي في هذه الشجرة عن أول ذكرى لكِ مع أمكِ. إذا وجدتها، سيعود اللون لفرشاتي."

​اقتربت سلمى من الشجرة، ومدت يدها المرتجفة. بمجرد أن لمست ورقة سوداء، انفجرت الذاكرة في رأسها كالبرق. رأت نفسها طفلة بضفيرتين، وأمها تضفر لها شعرها وهي تغني أغنية قديمة. رأت ابتسامة أمها، وتلك الشامة الصغيرة بجانب عينها.

​بكت سلمى بشدة، وشعرت بهالتها البنفسجية تتوهج بقوة لم تشعر بها منذ سنوات. التقط كاي هذا التوهج بفرشاته، وبدأ يرسم على جذع الشجرة الكبيرة التي كانت تظهر في الأفق.

​ولكن، بينما كان كاي يخط الملامح، حدث شيء غريب في عالم الواقع.

​في المستشفى، كان شقيق سلمى يجلس بجانب سريرها، ممسكاً بجهاز غريب صممه بنفسه. فجأة، بدأت الشاشة ترسم خطوطاً متعرجة تشبه ضربات الفرشاة. صرخ الشقيق بذهول: "أيها الطبيب! انظر! إنها لا تستجيب فقط.. إنها ترسم! دماغها يرسل إشارات فنية!"

​في عالم الهالات، صرخ كاي فجأة: "سلمى! امسكي باللون! هناك قوى في الخارج تحاول سحب الإشارة!"

​كانت سلمى تبكي وهي ترى وجه أمها يتشكل على الخشب. لكن الحزن كان يغمرها؛ فكلما زاد وضوح الرسم، شعرت بأن قطعة من روحها تُنتزع لتستقر في الخشب.

​أمسك كاي يدها وقال جملته التي هزت كيانها: "لا تبكي يا صغيرة.. القلب لا ينسى أبداً، العين هي التي تخون فقط. ما أرسمه الآن ليس وجهها، بل هو حبكِ لها الذي تجسد لوناً."

​عندما انتهى الرسم، كان وجه الأم يبتسم من قلب الشجرة، وبجانبه جلس كاي منهكاً. نظرت سلمى للرسم، ثم نظرت ليحيى، وشعرت لأول مرة أن هذا العالم ليس سجناً فقط، بل هو مرآة لكل ما فقدناه.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

خيوط القدر

المؤلف 💛🧡Esraa💛🧡
2026/04/19 مكتملة
قائمة الفصول (17)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة