صدى الارجوان الباهت

صدى الارجوان الباهت

18 0

ساد الهدوء غرفة سلمى بعد رحيل سارة. كان الضوء المتسلل من النافذة باهتاً، يصبغ وجه يحيى بلون رمادي لم تألفه سلمى من قبل. لم يعد هناك صخب، فقط صوت أنفاسهما وصوت جرس الممر البعيد.

​"يحيى، لِمَ توقفتَ عن رؤية ساره؟" سألت سلمى فجأة، وهي تلمس يدها وكأنها تتفحص مادتها.

​ارتبك يحيى، ونظر ليدها؛ لم تكن محاطة بتلك الغلالة البنفسجية الساحرة، كانت يداً عادية، شاحبة، بشرايين زرقاء دقيقة. "ربما لأننا استيقظنا يا سلمى. ربما الحقيقة هي هذا الجلد وهذا اللحم، والبرزخ كان مجرد حلم طويل."

​"لا،" هزت سلمى رأسها بإصرار. "نور كانت هنا منذ قليل. كانت تلوح لنا. البرزخ لا يرحل، نحن من نفقد القدرة على الإحساس به عندما نغرق في تفاصيل الواقع."

​في تلك اللحظة، دخل آدم. لم يكن متحمساً كالعادة بأجهزته، بل كان يبدو عليه القلق. جلس على طرف السرير ونظر إليهما. "سلمى، يحيى.. هناك شيء غريب يحدث في سجلاتكما الطبية. الأطباء يلاحظون تراجعاً في نشاط القشرة المخية، كأن عقولكما تحاول 'العودة' للنوم رغماً عنكما."

​"هذا لأننا لم ننهِ شيئاً هناك،" همست سلمى. "يحيى، تذكر الرسام كاي؟ عندما قال إن 'القلب لا ينسى، العين هي التي تخون فقط'؟ العين الآن تخوننا، نحن نرى الجدران البيضاء وننسى الشجرة."

​فجأة، اهتزت خزانة الملابس الصغيرة في زاوية الغرفة. لم تكن ريحاً. خرجت منها نور. لكنها لم تكن تضحك؛ كانت تبكي بصمت، ودموعها البيضاء كانت تسقط وتختفي قبل أن تلمس الأرض.

​"نور؟ مابكِ؟" صرخت سلمى وهي تحاول النهوض.

​أشارت نور نحو يحيى. نظرت سلمى إليه، ورأت شيئاً أرعبها؛ كان هناك "خيط أزرق" رفيع جداً يخرج من صدر يحيى ويمتد نحو النافذة، نحو السماء.. نحو الشجرة الكبيرة التي لا يراها أحد.

​"يحيى! الخيط!" صرخت سلمى. "خديجة تسحب خيطك! سارة كانت محقة.. أنت تتبخر من هذا العالم لأن قلبك ما زال هناك!"

​أدرك آدم أن جهازه بدأ يسجل ترددات حادة. "يحيى، نبضك يتباطأ! ما الذي يحدث؟"

​أمسك يحيى بيد سلمى بقوة، وشعر ببرودة تجتاح جسده. "سلمى.. أنا أسمع صوت سارة وهي تبكي في الغيبوبة.. ليست سارة الحقيقية، بل سارة التي تركتُها في 'تلة الأصداء'. أنا عالق بين قلبين."

​هنا كانت المغامرة الحقيقية؛ ليست قتال وحوش، بل صراع للبقاء "هنا". أدركت سلمى أن عليها أن تضحي بشيء من روحها لتبقي يحيى في الواقع. أخذت قلادة الأمل من عنقها، ووضعتها في يد يحيى.

​"تذكر هذا الملمس،" قالت سلمى بحدة. "هذا معدن.. هذا واقع. لا تنظر للخيط الأزرق، انظر إليّ!"

​في تلك اللحظة، اختفت نور، وانقطع الخيط الافتراضي. تنفس يحيى بعمق، وعاد لونه الطبيعي. نظر لآدم وسلمى بذهول. "لقد كانت تسحبني.. الشجرة كانت تريد استعادتي لأنني لم أودع أحداً هناك."

​قالت سلمى بأسى: "لن نتمكن من العيش بسلام يا يحيى إلا إذا عدنا لمرة أخيرة.. ليس بجسدنا، بل بكلماتنا. يجب أن نكتب نهاية لقصص من تركناهم خلفنا، وإلا سيظلون يطاردوننا في كل زاوية مظلمة."

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

خيوط القدر

المؤلف 💛🧡Esraa💛🧡
2026/04/19 مكتملة
قائمة الفصول (17)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة