الرجل الصامت

الرجل الصامت

18 0

بينما كانت سلمى تجثو على ركبتيها أمام خديجة، وصدمة الحقيقة عن خيط أمها المقطوع تزلزل كيانها، بدأ الجو المحيط بالشجرة يتغير. لم تعد النسمات دافئة كما كانت مع "نور"، بل غزا المكان بردٌ مفاجئ، واصطبغت أطراف الأفق بلون قرمزي داكن، لون يشبه الدم الجاف.

​هنا، في هذا العالم، لا يأتي البرد من الشتاء، بل من "الندم".

​"ابتعدا عن الظلال!" صرخت خديجة وهي ترفع مغزلها كأنه سلاح. "هناك روح محترقة تقترب."

​من بين الأشجار البعيدة، ظهر خيال ضخم، يحيط به وهج أحمر مضطرب، كأنه نار تحاول الاشتفاء ولا تجد حطباً. كان "الرجل الصامت". مشيته كانت ثقيلة، وكل خطوة يخطوها كانت تترك أثراً محترقاً على العشب الفضي. كان هذا الرجل في حياته ظالماً، وموته لم يكن سلاماً، بل كان سجناً في هذه الهالة الحمراء التي تنهش روحه كل ثانية.

​ارتعب يحيى ووقف أمام سلمى ليحميها، وهالته الزرقاء تومض بحدة. "من هذا؟ وماذا يريد منا؟"

​لم يجب الرجل، بل كان ينظر بذهول إلى سلمى. أو بالأحرى، كان ينظر إلى "نقاء" هالتها البنفسجية. بالنسبة لروح محترقة مثله، كان حزن سلمى الصافي يبدو كواحة ماء وسط صحراء. مد يده المرتجفة نحو كتفها، ليس ليؤذيها، بل ليخطف جزءاً من ذلك النقاء ليدفئ به برودة ندمه.

​"لا تلمسها!" صاحت خديجة، لكن الرجل كان قد اقترب بالفعل.

​بمجرد أن لامست أصابعه طرف هالة سلمى، حدث شيء لم يتوقعه أحد. لم يسرق الرجل طاقتها، بل "شعر" بها. انتقلت إليه صور الحادث، دموع شقيقها في المستشفى، وصورة الأم المرسومة على الشجرة. صرخة صامتة خرجت من حنجرة الرجل، وتراجع للخلف وهو يغطي وجهه بيديه. لقد كان نقاء حزنها أقوى من شره.

​وفجأة، انشققت الأرض من خلفه عن كائنات هلامية سوداء، تشبه الظلال المشوهة. "غيلان الكوابيس!" همست نور وهي تختبئ خلف الشجرة. هذه الكائنات تنجذب لرائحة الندم الأحمر، وقد جاءت لتلتهم ما تبقى من روح الرجل الصامت، ومن يقف في طريقها.

​اندفعت الغيلان نحو سلمى ويحيى، لكن الرجل الصامت، في لحظة مفاجئة من الفداء، وقف حائطاً بشرياً بينهما وبين الظلام. زأر بصوت لم يُسمع له مثيل، وانفجرت هالته الحمراء لتتحول إلى درع ناري.

​"لماذا يحمينا؟" سأل يحيى بذهول وهو يرى الرجل يصارع الغيلان بجسده الذي بدأ يتلاشى.

​قالت خديجة وهي تراقب المشهد بأسى: "لأنه وجد في دمعة سلمى مغفرة لم يجدها في نفسه. أحياناً، نحتاج لرؤية حزن الآخرين لندرك بشاعة ما فعلناه."

​دارت معركة شرسة عند جذور الشجرة. كان الرجل الصامت يتلقى طعنات الظلال، وكل طعنة كانت تحول لونه من الأحمر إلى الرمادي. كان يتطهر بالألم. وفي اللحظة التي قُضي فيها على آخر غول، سقط الرجل عند قدمي سلمى.

​نظرت إليه سلمى، ولم تشعر بالخوف، بل شعرت بشفقة عميقة. وضعت يدها على رأسه، وفي تلك اللحظة، تحول ما تبقى من لونه الأحمر إلى رمادي فاتح، ثم تلاشى في الهواء كذرات غبار ناعمة. لقد رحل، ليس إلى العدم، بل إلى حيث تبدأ رحلة الحساب الحقيقية، بعد أن دفع ثمن بقائه هنا بحماية روح بريئة.

​ساد الصمت، وعاد اللون البنفسجي ليخيم على المكان. التفت يحيى لسلمى وقال بصوت منخفض: "لقد ضحى بنفسه من أجلكِ.. حتى الأشرار يجدون فيكِ سبباً للنجاة."

​مسحت سلمى دموعها، ونظرت إلى الشجرة. رأت وجهاً أمها المرسوم يبدو كأنه يرمقها بنظرة فخر. ثم نظرت ليحيى وقالت: "يحيى.. هل تشعر بذلك؟"

​"بماذا؟"

​"الريح.. لم تعد باردة. إنها دافئة.. ورائحتها تشبه رائحة غرفتي."

​في عالم الواقع، كان شقيق سلمى قد انتهى من تركيب جهازه الجديد، وبدأ يهمس في أذنها: "سلمى.. إذا كنتِ تسمعينني، أعطني إشارة. ارسمي لي شيئاً بقلبك."

​في عالم الهالات، اهتزت ورقة واحدة من الشجرة، وسقطت في يد يحيى. كانت الورقة تحمل نقشاً يشبه "النبض". نظر يحيى لسلمى وقال: "شقيقكِ يناديكِ يا سلمى.. والآن، حان الوقت لنعرف كيف نرد عليه من هنا."

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

خيوط القدر

المؤلف 💛🧡Esraa💛🧡
2026/04/19 مكتملة
قائمة الفصول (17)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة