الضوء

الضوء

17 0

بعد ليلة "الظل الأحمر"، لم يعد آدم هو ذلك العالم الذي يثق فقط فيما تراه المجهر. جلس في مكتبه الصغير الملحق بغرفة سلمى، محاطاً بأكوام من الأوراق والرسومات البيانية، لكن هذه المرة كانت الشاشات تعرض شيئاً مختلفاً تماماً. كانت تعرض "ذبذبات الألوان".

​"سلمى، يحيى.. انظرا،" قال آدم بصوت يرتجف من الحماس والاكتشاف. "لقد قمت بتحليل التردد الذي صدر من سلمى عندما لمست ذلك الظل. إنه تردد لا يملكه البشر العاديون.. إنه تردد 'التعاطف الخالص'. الجهاز سجل نبضة كهرومغناطيسية أعادت ترتيب جزيئات الهواء في الغرفة."

​كان يحيى يستند إلى جدار الغرفة، ينظر إلى سلمى التي كانت تمسك بمرآة صغيرة، تتأمل وجهها الذي بدأ يستعيد نضارته. لم تعد تلك المريضة الشاحبة؛ أصبحت عيناها تحملان عمقاً سماوياً، وكأن "البرزخ" قد ترك بصمته للأبد في بؤبؤ العين.

​"آدم، هل يعني هذا أنك ستخبر إدارة المستشفى أنني ساحرة؟" ضحكت سلمى ضحكة رقيقة، لكنها كانت تحمل مسحة من الجدية.

​"بل سأخبرهم أنكِ 'مُستقبِلة' عصبية من طراز فريد،" رد آدم بابتسامة. "سأقدم بحثاً علمياً يثبت أن 'التحفيز البصري الروحي'—وهو الاسم العلمي الذي اخترته لرسوماتك—يمكنه إيقاظ خلايا الدماغ الميتة. سنحول هذا القسم إلى أول مركز في العالم لعلاج الغيبوبة بـ 'فن البرزخ'."

​لكن الفرحة لم تدم طويلاً. فُتح الباب ودخلت سارة. كانت عيناها محمرتين، وفي يدها حقيبة صغيرة. نظرت إلى يحيى بنظرة ودعت فيها سنوات من الحب الذي لم يعد يجد مكانه في هذا العالم المزدحم بالأطياف.

​"يحيى، جئتُ لأودعك،" قالت سارة بصوت متهدج. "حاولتُ أن أصدق، وحاولتُ أن أكون جزءاً من هذا السحر.. لكنني اكتشفتُ أنني 'عمياء' يا يحيى. أنا لا أرى الهالات، ولا أرى نور، ولا أسمع أصداء التلة. أنا أنتمي للواقع البسيط.. للخبز، والمطر، والمواعيد الحقيقية."

​تقدم يحيى نحوها بأسى، لكن سارة تراجعت. "لا تلمسني.. لأنني إذا لمستك، سأشعر ببرودة ذلك العالم الذي تسكنه مع سلمى. اذهب معها يا يحيى.. أنقذا العالم من نسيانه، أما أنا.. فسأحاول أن أنسى أنني فقدتُ رجلاً لصالح شجرة عملاقة."

​خرجت سارة، وساد صمت ثقيل في الغرفة. شعرت سلمى بحزن يحيى؛ رأت هالته الزرقاء تنكمش وتتحول إلى لون باهت يشبه لون الغسق. اقتربت منه ووضعت يدها على كتفه.

​"يحيى.. التضحية ليست دائماً بالدم، أحياناً نضحي بالقلوب لكي تستمر الأرواح في الطيران،" همست سلمى.

​"أعلم يا سلمى،" رد يحيى وهو ينظر من النافذة نحو الأفق. "لكن الظلال لا تتركنا وشأننا. انظري هناك.."

​أشار يحيى نحو حديقة المستشفى. في ضوء الغروب، كان هناك العشرات من المرضى الجالسين على الكراسي المتحركة، وحول كل منهم كانت تحوم "أطياف رمادية". لقد بدأ "النسيان" يتفشى في المستشفى كله. كانت تلك الأطياف تحاول سحب الألوان من الزهور ومن وجوه الزوار.

​"الظل الأحمر كان مجرد البداية،" قالت سلمى وهي تمسك بفرشاتها وتشد قامتها. "المدينة كلها بدأت تنسى كيف تحلم. آدم، نحتاج لجهازك.. ونحتاج لأكبر جدار في هذا المستشفى. الليلة، سنرسم 'الملحمة الكبرى'."

​"ماذا سنرسم؟" سأل آدم وهو يفتح حاسوبه بجنون.

​"سنرسم 'برزخ الهالات' بالكامل،" قالت سلمى بعزم. "سنرسم الشجرة الكبيرة، ونهر النسيان، والرسام كاي، والطفلة نور. سنجعل كل من يدخل هذا المستشفى يرى عالمه الآخر، لكي لا يجرؤ الموت على سرقة أحد منا مرة ثانية."

​وفي تلك اللحظة، في عالم البرزخ، ظهرت العجوز خديجة وهي تبتسم لمغزلها، فقد رأت خيط سلمى البنفسجي يمتد ويمتد، ليربط بين آلاف القلوب في الواقع، في أعظم "خياطة للأقدار" شهدها التاريخ.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

خيوط القدر

المؤلف 💛🧡Esraa💛🧡
2026/04/19 مكتملة
قائمة الفصول (17)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة