في ليل المستشفى، حيث تنطفئ الأنوار وتخفت الأصوات إلا من رنين أجهزة المحاليل، كان يحيى يتسلل خارج غرفته مستنداً إلى عكاز واحد، قلبه ينبض بإيقاع لم يعرفه من قبل. لم يكن يتوجه لغرفة سلمى ليتحدث معها، بل كانا قد اتفقا على "مهمة" غريبة بدأت خيوطها تتشابك في أحلامهما المشتركة.
التقيا عند باب "جناح الحالات الممتدة"، وهو الطابق الذي يضم المرضى الذين فقد الأطباء الأمل في إفاقتهم. كانت سلمى تجلس على كرسيها المتحرك، ترتدي رداءً أبيض طويلاً، وفي يدها حقيبة صغيرة تحتوي على أقلام فحم وألوان زيتية سرقتها من مرسم المستشفى المهجور.
"هل أنتِ متأكدة يا سلمى؟" همس يحيى وهو ينظر للممر الخالي. "آدم إذا عرف سيظن أننا فقدنا عقولنا تماماً."
نظرت إليه سلمى، وكانت عيناها تعكسان ضوءاً بنفسجياً خفياً. "يحيى، كاي يتلاشى. رأيته في حلمي البارحة، كان نصفه قد صار شفافاً كالهواء. قال لي إن 'الألوان' في عالم الهالات تنفد لأن البشر في الخارج توقفوا عن تخيل أحبائهم. هم يظنونهم جثثاً هامدة، وهذا يقتل الروح هناك."
توقفت سلمى أمام الغرفة رقم 408. خلف الباب، كان يرقد شاب في العشرين من عمره، دخل في غيبوبة بعد حادث دراجة نارية. أهله لم يزوروه منذ شهرين، وهالته في عالم البرزخ كانت قد تحولت للرمادي الباهت.. لون النسيان.
"أمسك يدي،" قالت سلمى ليحيى.
بمجرد أن تلامست أيديهما، شعر يحيى ببرودة مألوفة تسري في عروقه. فجأة، لم يعد يرى جدار الغرفة الأبيض الصموت؛ بدأ يرى "تصدعات" في الدهان تشبه أغصان الشجرة الكبيرة. ظهر طيف كاي خلف سلمى، كان باهتاً جداً، لكنه وجه فرشاته الخفية نحو الجدار.
"ارسمي يا سلمى،" همس صوت كاي في عقلها. "ارسمي له 'خوذته الحمراء'.. ارسمي له 'طريق العودة'."
بدأت سلمى ترسم على الجدار خلف سرير المريض. لم تكن ترسم لوحة فنية، كانت ترسم "شفرة". خطوط من الفحم الأسود تداخلت مع مسحات من اللون الأزرق الذي استمدته من طاقة يحيى. كانت ترسم تفاصيل دقيقة؛ شكل الريح وهي تضرب وجه الشاب أثناء القيادة، ورائحة العشب بعد المطر.
"ماذا تفعلين؟" جاء صوت مفاجئ من خلفهما.
التفت يحيى بذعر ليجد آدم واقفاً، ممسكاً بملفات طبية، وعيناه متسعتان من الصدمة وهو يرى شقيقته "تخربش" على جدران المستشفى في منتصف الليل.
"آدم، لا تقاطعها!" صرخ يحيى بصوت منخفض ومشدود. "انظر إلى المريض!"
نظر آدم نحو الشاب الراقد، وتجمد مكانه. جهاز مراقبة الدماغ الذي كان يظهر خطاً مستقيماً منذ أسابيع، بدأ فجأة "يرقص". النبضات بدأت تتسارع، وجه الشاب بدأ يتحرك يميناً ويساراً كأنه يحاول الاستيقاظ من كابوس.
"هذا مستحيل علمياً.." تمتم آدم وهو يقترب من اللوحة البدائية على الجدار. "هذه الترددات.. إنها تتطابق مع الموجات التي رسمتها سلمى في عالم الهالات!"
في تلك اللحظة، ظهرت نور (الطفلة البيضاء) بجانب سرير الشاب. لم يراها آدم، لكنه شعر بنسمة هواء باردة جداً مرت بجانبه. وضعت نور يدها على جبين الشاب، وفي عالم البرزخ، تلونت هالة الشاب فجأة باللون الأزرق الساطع.
فتح الشاب عينيه فجأة، وصرخ بكلمة واحدة: "أمي!"
سقطت سلمى من فوق كرسيها من فرط التعب، فأمسكها يحيى وآدم معاً. كانت شاحبة، لكن ابتسامة نصر ارتسمت على شفتيها.
"لقد عاد،" همست سلمى وهي تنظر لأخيها آدم. "هل ما زلت تظن أن الأرقام هي كل شيء؟ نحن نعيدهم يا آدم.. نحن نعيد الأرواح التي ضلت طريقها تحت الشجرة."
نظر آدم إلى الجدار، ثم إلى أخته، ثم إلى الشاب الذي بدأ يبكي ويطلب الماء. لأول مرة، شعر العالم الفيزيائي بداخله ينهار ليبني مكانه إيماناً جديداً.
ولكن، في زاوية الغرفة، كان هناك "خيال أحمر" يراقبهم. لم يكن الرجل الصامت، بل كان شيئاً أكثر قتامة؛ كان الندم الذي لم يجد صاحبه بعد، وكان يحدق في سلمى كأنها "الطعم" الذي سيجذبه للواقع.
💛🧡Esraa💛🧡